×

  کل الاخبار

  صوت المرأة ولونها في منتدى ديلفي بالسليمانية



*نرمين عثمان محمد

 

لقد عُرفت مدينة السليمانية، بحضارتها وتاريخها، دائما بوصفها مركزا مهما للثقافة والتعددية والريادة في الشرق الأوسط؛ فهي مدينة كانت على الدوام مهدا للأفكار التجديدية والحركات الاجتماعية الرائدة. وفي إطار هذه المكانة، شكّلت استضافة منتدى ديلفي الدولي في هذه المدينة محطة استراتيجية وتاريخية مهمة لطرح الملفات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المعقدة على المستويين الإقليمي والدولي.

وفي هذا السياق، كان ما استرعى اهتمام المراقبين والدبلوماسيين ووسائل الإعلام العالمية بصورة خاصة هو الحضور القوي والكثيف والاستثنائي للنساء من القيادات والأكاديميات وصانعات القرار والناشطات في مختلف جلسات الحوار والندوات التي شهدها هذا المنتدى العالمي. ولم تكن هذه المشاركة الواسعة مجرد حضور بروتوكولي أو شكلي، بل جاءت لتؤكد المكانة الحقيقية والمستقلة للمرأة الكوردية والدولية في عمليات صنع القرار الاستراتيجي، ولترسم ملامح مستقبل المنتدى.

وقد حمل حضور النساء الكورديات في هذا المنتدى العالمي أبعادا عميقة وشاملة عبّرت عن تحول جذري في العقلية الاجتماعية. فمن الناحية السياسية، ناقشت النساء المشاركات في تلك الاجتماعات الرفيعة، بجرأة ومن منظور علمي، أهمية المشاركة الفعلية والمتكافئة للمرأة في مواقع السلطة وصياغة الدساتير والقوانين الأساسية والأنظمة الإدارية. ومن خلال عرض الدراسات والأبحاث الميدانية، أكدن أن السلام المستدام والديمقراطية الحقيقية والاستقرار المجتمعي في المنطقة لن تتحقق ما دام نصف المجتمع مهمشا أو محصورا في أدوار ثانوية ضمن عمليات صنع القرار والمشاورات الكبرى.

وقد أوضح هذا الخطاب المعاصر بصورة جلية أن النساء لم يعد يُنظر إليهن بوصفهن منفذات للقرارات أو مستفيدات منها فحسب، بل أصبحن واضعات للسياسات وشخصيات محورية وقائدات في تغيير المعادلات الاجتماعية والسياسية المعقدة.

ومن جانب آخر، شكّل المحور الاقتصادي والاستثماري أحد أهم المجالات التي برزت فيها النساء وأثبتن حضورهن. ففي ظل التحولات المتسارعة والصراعات الجيوسياسية والأزمات المالية العالمية، قدمت المشاركات رؤى جديدة ومشروعات طموحة لتعزيز التنمية الاقتصادية المستدامة، ومواجهة التغير المناخي، وتنويع مصادر الدخل.

وفي هذا الإطار، جرى التأكيد بشكل واضح على ضرورة دعم القطاع الخاص، وتعزيز البنية التحتية للمشروعات الصغيرة والمتوسطة المخصصة للنساء، وتشجيع الابتكار التكنولوجي والتحول الرقمي. وقد أثبتت هذه الطروحات الاستراتيجية أن اقتصاد المستقبل في المنطقة يحتاج إلى رؤية متوازنة وشاملة، تُعد فيها قدرات النساء ركيزة أساسية للتنمية الشاملة، لا مجرد خيار ثانوي أو تكميلي.

وإلى جانب الجلسات الرسمية والنقاشات العامة، مثّل المنتدى فرصة ذهبية واستثنائية لبناء شبكات علاقات دولية بين القيادات النسائية المحلية والضيفات البارزات القادمات من مختلف دول العالم. وقد أسهم هذا التبادل للخبرات والمعارف في بناء جسر ثقافي وفكري متين بين مدينة السليمانية والمراكز الفكرية العالمية.

كما نجحت المشاركات في إيصال رسالة واضحة عن المجتمع الكوردي إلى المحافل الدولية؛ رسالة مفعمة بالإرادة في مواجهة التحديات، والأمل بالمستقبل، والمطالبة المشروعة بترسيخ المساواة بين الجنسين، وحماية حقوق الإنسان، والدفاع عن البيئة.

إن هذه المشاركة النسائية المكثفة والمنظمة والمؤثرة في منتدى ديلفي بالسليمانية تمثل مؤشرا واضحا على مرحلة جديدة من ترسيخ الدور القيادي للمرأة، وتؤكد أن حضورها لم يعد مجرد مشاركة رمزية، بل أصبح عنصرا أساسيا في صياغة الرؤى وصنع السياسات ورسم ملامح المستقبل.


14/06/2026