×

  کل الاخبار

  حين تصمت الحرب.. من يكتب التاريخ؟



*عماد أحمد

 

لا تنفجر الحروب دائما على إيقاع الرصاص ولهيب المدافع، كما أن مصائر الشعوب لا تُحسم حصرا في ميادين القتال. فالتاريخ، في جوهره الأعمق، كثيرا ما يبدأ لحظة إسكات السلاح، وعودة الجنود إلى بيوتهم، وبدء ترميم المدن التي أنهكها الدمار. غير أن هذه اللحظة الهادئة ظاهريا تفتح سؤالا أكثر عمقا وإلحاحا: ماذا حدث فعلا؟ لماذا حدث؟ ومن سيحمل عبء رواية الحقيقة للأجيال القادمة؟

عند هذه النقطة تحديدا، ينتقل الصراع من أرض المعركة إلى فضاء الذاكرة والوعي الجمعي، ويتحوّل من منطق القوة إلى منطق السرد والمعنى. هنا لم يعد السلاح هو الأداة الحاسمة، بل الكلمة وما تحمله من قدرة على التفسير والتأويل.

وفي هذا المجال تتجلى أهمية الصحافة ودور المثقف بوصفهما شاهدين وصانعين للذاكرة في آن واحد. فالكلمة في هذه المرحلة لا تعود مجرد وسيلة للتعبير، بل تتحول إلى مسؤولية أخلاقية وتاريخية، تُسهم في تشكيل فهم المجتمع لنفسه ولماضيه ومستقبله.

لا تقتصر مهمة الصحفي على نقل الأخبار فحسب، بل تمتد لتشمل الإسهام في تشكيل وعي المجتمع، وصون ذاكرة الشعوب من التشويه أو الضياع. وفي كثير من الأحيان، قد يكون لمقال مهني مستقل أو خبر موثوق أثرٌ يفوق أثر عشرات أدوات القوة الصلبة، لأن الكلمة حين تُصاغ بمسؤولية تتحول إلى قوة موازية في ميدان الصراع على الوعي.

وقد أشار جورج أورويل إلى أن من يسيطر على الماضي يمتلك القدرة على توجيه المستقبل أيضا، في إشارة إلى خطورة التحكم بالسرديات التاريخية وإعادة تشكيل الحقائق. أما كارل فون كلاوزفيتز فقد وصف الحرب بأنها امتداد للسياسة بوسائل أخرى، غير أن التجربة المعاصرة أضافت بُعدا جديدا لهذه المعادلة، حيث أصبح الإعلام والمعلومات ضلعا ثالثا حاسما في تشكيل مسار الصراع وتحديد نتائجه.

وفي منطقتنا التي شهدت ولا تزال تشهد حروبا وتحولات عميقة وأزمات متكررة، تتضاعف مسؤولية الصحفي لتتجاوز حدود نقل الحدث إلى واجب حماية الحقيقة وسط تضارب الدعاية السياسية وتداخل المصالح وتعقيد المشهد الإقليمي والدولي. فالمعركة هنا لم تعد فقط على الأرض، بل أيضا على الرواية وعلى من يمتلك حق تعريف الواقع.

وفي المقابل، لا يقف المثقف موقف المتفرج، بل يضطلع بدور مساءلة الواقع وفتح الأسئلة الكبرى أمام المجتمع، والبحث عن المعاني الكامنة خلف الأحداث. ومن تجربة ألبير كامو نتعلم أن الكتابة في لحظات الأزمة ليست مجرد ممارسة جمالية، بل التزام أخلاقي ومسؤولية إنسانية. وكما تعكس أعمال محمود درويش، فإن الكلمة يمكن أن تتحول إلى شكل من أشكال المقاومة وحماية الذاكرة والهوية في وجه النسيان والتشويه.

الشعب الذي لا يصون ذاكرته يجد نفسه مضطرا إلى تكرار أخطاء الماضي، أما الشعب الذي يترك تاريخه عرضة للدعاية والتزييف فإنه يفقد هويته تدريجيا دون أن يشعر.

ومن هنا، حين تصمت أصوات الحرب، يبدأ السلام الحقيقي في اللحظة التي يمسك فيها القلم بكتابة الحقيقة؛ لا بدافع الكراهية، ولا تحت ضغط الخوف، بل بإملاء الضمير وحده. فالحرب تصنع الوقائع، لكن الكلمة هي التي تمنحها معناها الإنساني والتاريخي.

وفي نهاية المطاف، لا يكتب التاريخ الأقوياء وحدهم، بل يكتبه أيضا أولئك الذين يمتلكون الشجاعة الأخلاقية لقول الحقيقة في وجه الصمت والتشويه.

وفي منطقة ما تزال أصداء الحروب والأزمات والصراعات السياسية تتردد في فضائها العام، يظل سؤال جوهري قائما: بعد أن تسكت البنادق، من سيكتب سردية تلك المرحلة؟ ومن سيحمي الحقائق من التلاعب في ظل تضارب الدعاية السياسية وتشابك المصالح الدولية وتعقيد الواقع الداخلي؟

اليوم، يعيش الشرق الأوسط مرحلة بالغة الحساسية؛ فمن حرب غزة، إلى تعقيدات المشهد السوري، مرورا بالتوترات السياسية والأمنية في العراق، والحروب غير المتكافئة، واختلال موازين القوى، تبدو المنطقة وكأنها ساحة مفتوحة لتحولات كبرى.

وفي قلب هذه التحولات، لم يكن الكرد مجرد متلقّين للأحداث، بل لعبوا في محطات متعددة دور عامل توازن، وساهموا في دعم مسارات الحوار والاستقرار خلال العقود الماضية. كما استطاع إقليم كردستان، رغم ما يواجهه من تحديات سياسية واقتصادية، أن يرسّخ موقعه كمساحة للاستقرار النسبي والتعايش المشترك. ولم يكن ذلك نتيجة ظرف عابر، بل ثمرة لتضحيات طويلة، وتاريخ من النضال، ورؤية سياسية تراكمت عبر الزمن.

في التاريخ الحديث لكردستان، اضطلع الاتحاد الوطني الكردستاني بدور بارز ومؤثر؛ فمن خوضه تجربة الثورة في الجبال، إلى المساهمة في بناء المؤسسات، ومن مرحلة الصراع المسلح إلى المشاركة في تأسيس إقليم كردستان وتطوير منظومة الحكم فيه. ولم يكن هذا التنظيم السياسي مجرد فاعل حزبي في السياق الكردي، بل تحوّل في محطات متعددة إلى مدرسة في الفكر الوطني، والتوازن السياسي، والبحث عن حلول واقعية وعقلانية.

واليوم أيضا، وفي ظل دخول المنطقة مرحلة جديدة من التحولات والصراعات، تبرز الحاجة إلى أن يحافظ الإقليم على موقعه كقوة توازن ومساحة للحوار. فالقوة الحقيقية للشعوب لا تُقاس بامتلاك السلاح وحده، بل بقدرتها على صون السلام، وبناء المؤسسات، وترسيخ سيادة القانون، وصياغة التاريخ بروح مسؤولة وضمير حي. فالحرب قد تعيد رسم الحدود، لكن الوعي الوطني والقلم هما من يصنعان ملامح المستقبل.

وعندما تصمت أصوات الحرب، فإن من يكتب التاريخ ويحتل صفحات الذاكرة ليسوا فقط من شاركوا في لحظات القوة، بل أولئك الذين وقفوا إلى جانب أوطانهم وشعوبهم في أوقات الشدة والاضطراب، وحافظوا على المعنى وسط الفوضى، وعلى الحقيقة وسط التشويه.


14/06/2026