×

  بحوث و دراسات

  عزيزي المواطن الشرق أوسطي: استعد لعالم مختلف



*د. لؤي الخطيب

 

 

منذ عودة ترمب إلى السلطة قبل عام ونصف يعيش العالم حالة متصاعدة من التوتر وعدم اليقين على المستويين الأمني والاقتصادي، الأمر الذي انعكس مباشرة على الأوضاع الاجتماعية للشعوب التي باتت تتحمل أعباء السياسات والقرارات التي تنتهجها إدارته.

غير أن شعوب الشرق الأوسط تبدو الأكثر تأثرا بهذه التحولات، نتيجة التلاقي الواضح بين توجهات الإدارتين الأمريكية والإسرائيلية، المستندة إلى رؤية سياسية وأيديولوجية يعكسها سلوك الثنائي ترمب ونتنياهو.

وتكمن خطورة هذا الواقع في أن العديد من دول المنطقة ما زالت تعتمد بصورة أساسية على الاقتصاد الريعي لتمويل موازناتها، مستفيدة من موقعها الجغرافي ودورها المحوري في تأمين حركة الطاقة والتجارة العالمية عبر مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس، إلا أن استمرار التوترات الإقليمية والتصعيد المتبادل بين الولايات المتحدة وإيران وحلفائها يضع هذه الدول أمام تحديات متزايدة في إدارة شؤونها الاقتصادية والمالية، وقد يستمر ذلك حتى نهاية الولاية الثانية لترمب.

وتزداد حساسية اقتصادات الشرق الأوسط تجاه هذه المتغيرات بحكم اعتماد معظم دول المنطقة، بدرجات متفاوتة، على عوائد تصدير النفط الخام والغاز الطبيعي والمشتقات النفطية بوصفه مصدرا رئيسا للإيرادات العامة والنقد الأجنبي.

كما أن جزءا كبيرا من هذه الصادرات يمر عبر مضيق هرمز، الذي يمثل أحد أهم شرايين الطاقة في العالم وبنسبة تصل إلى ٢٥%. لذلك فإن أي اضطراب أمني أو عسكري أو حتى ارتفاع في مستويات المخاطر المرتبطة بالملاحة في هذا الممر الحيوي لا ينعكس فقط على حجم الصادرات والتدفقات المالية للدول المنتجة، بل يمتد تأثيره إلى الاستثمارات ومستويات الإنفاق الحكومي والاستقرار الاقتصادي بوجه عام، الأمر الذي يجعل اقتصادات المنطقة وحجم ناتجها الإجمالي أكثر عرضة للصدمات الخارجية مقارنة بالاقتصادات الأكثر تنوعا.

 

مرحلة جديدة

منذ اندلاع حرب الخليج الأخيرة في 28 فبراير/شباط 2026، دخل العالم مرحلة جديدة من إعادة الحسابات الاستراتيجية، فقد بدأت الدول الصناعية والاقتصادات الكبرى البحث عن بدائل أكثر موثوقية لمصادر الطاقة ومسارات التجارة المرتبطة بالشرق الأوسط، حتى إن كانت تلك البدائل أعلى كلفة، فالأولوية اليوم لم تعد مقتصرة على الربحية، بل أصبحت ترتبط بدرجة أكبر بالأمن والاستقرار واستمرارية الإمدادات.

ولا يقتصر أثر هذه التحولات على البحث عن مسارات بديلة للتجارة، بل يمتد أيضا إلى إعادة رسم خرائط التزود بالطاقة على المديين المتوسط والطويل.

فالدول المستوردة الكبرى، خصوصا في آسيا وأوروبا، ستسعى إلى تنويع مصادر وارداتها النفطية والغازية والأسمدة لتقليل الاعتماد على منطقة الخليج، حتى إن تطلب ذلك تحمل تكاليف إضافية في المدى القصير.

وفي الوقت ذاته، فإن ارتفاع المخاطر الجيوسياسية في منطقة مضيق هرمز يترجم تلقائيا إلى زيادة تكاليف الشحن البحري والتأمين والتمويل المرتبطة بصادرات الطاقة الخليجية، ما يرفع الكلفة النهائية للبرميل أو شحنة الغاز الواصلة إلى الأسواق العالمية.

ومع استمرار هذه الظروف، قد تتآكل تدريجيا بعض المزايا التنافسية التقليدية التي تمتعت بها صادرات المنطقة لعقود، الأمر الذي يدفع المستهلكين الكبار إلى تسريع استثماراتهم في بدائل الطاقة وسلاسل الإمداد الأكثر استقرارا وأقل تعرضا للمخاطر السياسية.

 

ماذا بعد رحيل ترمب؟

حتى مع انتهاء ولاية ترمب مطلع عام 2029، فإن آثار هذه المرحلة لن تنتهي بخروجه من البيت الأبيض، فالعالم وشعوب الشرق الأوسط على وجه الخصوص لن يواجهوا فقط تحديات السنوات القليلة المقبلة، بل سيضطرون إلى التكيف مع نتائج وتحولات أعمق قد تستمر لسنوات طويلة. وما يزيد من صعوبة المشهد أن كثيرا من التداعيات المحتملة ما زالت خارج نطاق توقعات أبرز المحللين وخبراء السياسة والاقتصاد.

لذا.. ومع تنامي التقلبات السياسية والأمنية ستبقى شعوب الشرق الأوسط الأكثر قلقا، وأنظمة دولها الأقل استقرارا، واقتصاداتها الأشد هشاشة في إطار النظام العالمي الجديد الذي فرضه ترمب وسيورثه لمستقبل مهزوز.

وهذا ما سيحتم على شعوب المنطقة قراءة المستقبل بواقعية وهي تواجه تحولات عظمى لم يشهدها العالم حتى في أشد سنوات الحروب العالمية والباردة، وظروف الحصار والجائحة. لذلك.. سيكون مستقبل الشرق الأوسط الأكثر عرضة لعدم اليقين، في حين تواجه أنظمة المنطقة اختبارات غير مسبوقة لقدرتها على الحفاظ على الاستقرار. أما اقتصاداتها فستكون مطالبة بالتكيف مع نظام عالمي جديد يتشكل بسرعة، في ظل بيئة دولية أكثر اضطرابا وأقل قابلية للتنبؤ.

إن العالم يشهد اليوم تحولات عميقة ومتزامنة على أكثر من مستوى، فهناك تحول أمني وسياسي تقوده سياسات القوى العظمى بنهج غير تقليدي، وتحول اقتصادي قد يفضي إلى نظام مالي ونقدي جديد يستند إلى الأصول الآمنة في ظل تراجع الثقة بالعملات التقليدية، فضلا عن تحول اجتماعي وحضاري متسارع تقوده تطورات الذكاء الاصطناعي السريعة التي تعيد تشكيل أنماط العمل والإنتاج والسلوك البشري.

 

وفي خضم هذه التحولات تبدو دول الشرق الأوسط وشعوبها أمام خيارين لا ثالث لهما:

إما الانخراط الجاد في متطلبات المستقبل وبناء تحالفات سياسية أوثق وأطول أمدا مسنودة باقتصادات أكثر تنوعا وقدرة على المنافسة، أو الاستمرار في أسر نماذج الماضي، بما يحمله ذلك من مخاطر العزلة والتراجع وفقدان المكانة في عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة.


28/06/2026