*عماد أحمد
الحاجة إلى ثلاثة أعمدة أساسية
*ترجمة: نرمين عثمان محمد / عن صحيفة كوردستاني نوى
في بعض اللحظات التاريخية، لا يقتصر التغيير على تبديل حكومة أو تداول السلطة، بل يتجلى في إعادة النظر بجذور المفاهيم التي كانت تُعد حتى وقت قريب ثوابت راسخة؛ مثل توازن القوى، وطبيعة التحالفات، ودور الأطراف القادرة على التأثير في مصير منطقة بأكملها.
اليوم، يمر الشرق الأوسط بمرحلة من هذا النوع، فمن غزة إلى لبنان، ومن سوريا إلى العراق، وفي خضم صراعات المحاور الإقليمية والدولية، تعود المنطقة مرة أخرى إلى طاولة إعادة رسم خريطتها السياسية. وفي خضم هذه الموجة المتسارعة من التحولات، يبرز أمامنا سؤال مصيري: كيف ينبغي أن يكون إقليم كوردستان في هذه المرحلة؟ هل يكون ساحة تتلقى تأثيرات الآخرين، أم قوة فاعلة تؤثر في مجريات الأحداث؟
لم يعد عالم اليوم عالم المعادلات البسيطة فقد انتهى، إلى حد كبير، ذلك الزمن الذي كان بإمكان كيان سياسي أن يحافظ على نفسه بمجرد الاتكاء على تحالف خارجي، فقد أنتهى ذلك الشكل التقليدي ، والعالم يتجه نحو تعددية الأقطاب؛ فما زالت الولايات المتحدة الأمريكية قوة رئيسية، غير أن الصين وروسيا والقوى الإقليمية الأخرى تسعى بدورها إلى توسيع نطاق نفوذها. وفي ظل هذه التحولات، أصبحت منطقتنا ميدانا لاختبار توازنات جديدة.
وهذا الواقع يبعث برسالة واضحة إلى إقليم كوردستان: مفادها إن الإقليم لم يعد بإمكانه أن يتعامل مع نفسه بوصفه جزيرة معزولة عن التحولات الإقليمية، فأي تغير في العلاقات بين بغداد وواشنطن، أو بين طهران وتل أبيب، أو في معادلات سوريا وأنقرة، ستصل ارتداداته حتما إلى الإقليم. لكن الخطر الأكبر لا يكمن في تأثر الإقليم بهذه المتغيرات، بل في أن يُنظر إليه باعتباره مجرد "موضوع" في حسابات الآخرين، لا "فاعلا"يمتلك قراره وإرادته.
ومن هنا نصل إلى جوهر السؤال: ما هو الدور الحقيقي لإقليم كوردستان؟
فإذا اكتفى الإقليم بالحفاظ على مكاسبه الدستورية المكتوبة على الورق، بينما يعاني داخليا من ضعف المؤسسات، والانقسام السياسي، والاقتصاد غير المستقر، واتساع الفجوة بين القوى السياسية، وبين الحكومة والمواطنين، فلن يكون قادرا على أداء دور مؤثر في محيطه الخارجي.
إن القوة في السياسة لا تُقاس بعدد المقاعد البرلمانية فحسب، بل تُقاس، قبل كل شيء، بالقدرة على بناء الثقة الداخلية، وامتلاك خطاب دبلوماسي واضح،
وإذا أراد إقليم كوردستان أن يحمي حقوقه ومكتسباته في هذه المرحلة، فإنه يحتاج إلى ثلاثة أعمدة أساسية:
• وحدة الموقف السياسي.
• ترسيخ الحكم المؤسسي.
• امتلاك استراتيجية واضحة في علاقاته مع بغداد والمنطقة والعالم.
فـوحدة الموقف تعني ألا يتحدث الإقليم بلغتين مختلفتين في اللحظات المصيرية، إذ لا شيء أشد ضررا من أن يُنظر إليه خارجيا باعتباره كيانا منقسما، وداخليا باعتباره ساحة للخلافات الصغيرة.
أما الحكم المؤسسي، فيعني ألا تبقى الحقوق الدستورية حبيسة نصوص القانون، بل تنعكس في الحياة اليومية للمواطنين، فالحقوق الفيدرالية إذا لم تتجسد في الرواتب، والخدمات، والعدالة، وفرص العمل، فإنها ستتحول في النهاية إلى مجرد شعارات سياسية، لا إلى قيمة وطنية حقيقية.
وفي هذه المعادلة، لا يقتصر دور الاتحاد الوطني الكوردستاني على كونه حزبا مشاركا في السلطة، بل يتجاوز ذلك إلى كونه قوة عُرفت، في التاريخ الكوردستاني المعاصر، بأنها قوة للحوار، وللتوازن، وجسرا للتواصل، فالإتحاد الوطني الكوردستاني لم يكن، في تاريخه، مجرد حركة ثورية مسلحة أو سلطة إدارية، بل سعى في كثير من المراحل الصعبة إلى نقل الخطاب السياسي الكوردستاني من دائرة الانغلاق إلى آفاق أكثر انفتاحا.
واليوم، في وقت يعاد فيه إعادة صياغة خريطة المنطقة ثانية ، ينبغي للاتحاد الوطني الكوردستاني أن يعيد تجديد دوره على ثلاثة مستويات:
أولا: على المستوى الداخلي للإقليم
لا تستطيع أي قوة سياسية أن تدّعي أن لها دورا مؤثرأ، ما لم تتمكن من الإجابة عن الأسئلة الأساسية والبسيطة للمواطنين، مثل: الرواتب، والخدمات، والعدالة، وفرص العمل، والثقة بالمؤسسات، وإحياء الشعور بالشراكة الوطنية.
وإذا أراد الاتحاد الوطني الكوردستاني أن يبقى قوة تبعث على الأمل دائما ، فعليه أن ينتقل من خطاب "حماية الإرث" إلى خطاب "بناء المستقبل"؛ لأن الإرث إذا أصبح سببا للجمود تحول إلى عبء، أما إذا أصبح منطلقا للتجدد، فإنه يغدو مصدرا للقوة.
ثانيا: على مستوى العراق
لا يستطيع إقليم كوردستان أن يكون قويا إلا ضمن عراق اتحادي ديمقراطي. وإذا بقيت العلاقة بين أربيل وبغداد تدور في حلقة الأزمات المستمرة، فلن ينعم الإقليم بالاستقرار، ولن يستقر العراق أيضا.
وهنا يستطيع الاتحاد الوطني الكوردستاني أن يستلهم من (المدرسة السياسية للرئيس الراحل مام جلال) والتي تقوم على أن العراق لا يتغير بالشعارات الحادة أو بالتوتر السياسي، وإنما بالحوار العميق، وفهم موازين القوى، وربط الحقوق بالواقع السياسي.
ثالثا: على المستوى الإقليمي
بحكم موقعه الجغرافي وتاريخه، يستطيع إقليم كوردستان أن يكون مركزا للحوار وتحقيق توازن المصالح، لا ساحة لحروب الآخرين بالوكالة،غير أن ذلك لن يتحقق بالأماني، وإنما يحتاج إلى عقلية سياسية ناضجة، تنقل الإقليم من سياسة "انتظار الأحداث" إلى سياسة "الاستعداد للأحداث".
وفي الختام ،نقول بأن جميع هذه التحليلات تقودنا إلى حقيقة لا تقبل الجدل، وهي أن القوى والكيانات التي تعجز عن تجديد نفسها بما ينسجم مع التحولات، غالبا ما تتعرض للانهيار، ليس بفعل الضغوط الخارجية وحدها، بل بسبب عوامل الضعف الداخلية أيضا،وفي هذه المرحلة، لا يحتاج إقليم كوردستان إلى حماية حدوده الجغرافية فحسب، بل يحتاج كذلك إلى حماية معناه الوطني والسياسي.
إن خارطة المنطقة يعاد صياغتها من جديد، والسؤال المطروح هو:
هل سنكون مجرد قراء للنص الجديد الذي يكتبه الآخرون، أم سنكون من بين الذين يشاركون في كتابته؟
ويقف إقليم كوردستان والاتحاد الوطني الكوردستاني اليوم أمام السؤال التاريخي نفسه ، لأن التاريخ يكرر دائما سؤاله الجوهري:
من يستطيع أن يتغير مع تغير العصر، من دون أن يفقد أصالته وهويته؟