×

  کل الاخبار

   إقليم كوردستان على مفترق طرق التحولات الإقليمية



*د. يوسف گۆران

 

*ترجمة: نرمين عثمان +المرصد / عن مجلة البحوث الإستراتيجية العدد: (5)

يعد إقليم كوردستان، الذي تأسس عام 1992 بوصفه أول تجربة سياسية كوردستانية مستقلة في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، نتاجا لتفاعل جملة من العوامل الداخلية والخارجية، وفي مقدمتها التضحيات التي قدمها شعب كوردستان، فضلا عن المظلة السياسية والأمنية التي وفرتها القوى الغربية عقب حرب الخليج الثانية. وقد اضطلعت القوتان الرئيسيتان، الاتحاد الوطني الكوردستاني والحزب الديمقراطي الكوردستاني، بدور محوري في تأسيس هذه التجربة وإدارة مؤسساتها.

غير أن التحولات الجيوسياسية التي شهدها العراق والمنطقة والنظام الدولي خلال العقود الثلاثة الماضية أفرزت تحديات جديدة تمس بنية الإقليم ووظيفته السياسية ومستقبله. وفي ضوء هذه المتغيرات، باتت استدامة الإقليم بصيغته الحالية موضع تساؤل متزايد، سواء على الصعيد الداخلي المرتبط بطبيعة النظام السياسي والحوكمة، أم على الصعيد الخارجي المتصل بالتحولات الإقليمية والدولية وإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة.

 

تغير البيئة الإقليمية والدولية

عند تأسيس إقليم كوردستان في مطلع تسعينيات القرن الماضي، كانت البيئة الدولية تشهد تحولات جوهرية أعقبت انتهاء الحرب الباردة وانهيار النظام ثنائي القطبية. وقد أفرزت تلك المرحلة موجة عالمية داعمة لحقوق الشعوب والجماعات التي عانت من الهيمنة والصراعات القومية، كما عزز شعور الغرب بالانتصار في الحرب الباردة توجهاته نحو دعم الديمقراطية وحقوق الإنسان وتوسيع نطاق التسويات السياسية في العديد من مناطق النزاع.

وفي هذا السياق الدولي برزت مسارات سياسية وسلامية متعددة، شملت عملية السلام الفلسطينية، والدعم الدولي لتجارب تقرير المصير أو بناء الكيانات السياسية في تيمور الشرقية، ودول يوغسلافيا السابقة، وأرض الصومال، ولاحقا جنوب السودان، الأمر الذي عكس اتجاها دوليا أكثر تقبلا لإعادة تشكيل بعض البنى السياسية القائمة استنادا إلى اعتبارات حقوق الشعوب والاستقرار الإقليمي.

وقد تمكن إقليم كوردستان، رغم الضغوط والاعتراضات التي مارستها دول الجوار، من الاستفادة من هذه البيئة الدولية الجديدة، ليؤسس كيانا سياسيا يتمتع بدرجة عالية من الحكم الذاتي والاستقلال الإداري والسياسي. وأسهمت المظلة السياسية والأمنية الغربية في توفير الحماية للإقليم من التهديدات التي واجهها، سواء من قبل النظام العراقي السابق أو من جانب بعض القوى الإقليمية.

واستمر هذا الدعم الدولي، بدرجات متفاوتة، حتى بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003، ولاسيما خلال مرحلة صعود تنظيم داعش وتمدده في العراق. فعندما وصلت تهديدات التنظيم إلى حدود الإقليم، قدمت الدول الغربية دعما عسكريا وسياسيا ولوجستيا لقوات البيشمركة، الأمر الذي مكنها من التصدي للتنظيم ومنع امتداد تهديداته إلى إقليم كوردستان، وأسهم في ترسيخ مكانة الإقليم بوصفه شريكا أمنيا وسياسيا مهما في المنطقة.

أما في المرحلة الراهنة، فلا يبدو أن القوى الغربية تمتلك، لأسباب استراتيجية وسياسية متعددة، لا الإرادة ولا القدرة على الاضطلاع بالدور الذي كانت تؤديه تجاه إقليم كوردستان خلال العقود الماضية. فمن جهة، انشغلت الدول الأوروبية، التي شكلت أحد الشركاء الرئيسيين للإقليم، بإعادة ترتيب أولوياتها الأمنية والاقتصادية في ظل التداعيات العميقة للحرب الأوكرانية وما أفرزته من تحديات تتعلق بالطاقة والأمن والدفاع.

ومن جهة أخرى، شهدت الولايات المتحدة الأمريكية، الحليف الدولي الأبرز للإقليم، تحولات ملحوظة في عقيدتها السياسية واستراتيجيتها العالمية، تمثلت في تقليص انخراطها المباشر في قضايا الشرق الأوسط، وإعادة توجيه اهتمامها نحو أولويات دولية أخرى، وفي مقدمتها المنافسة مع القوى الكبرى والتحديات المرتبطة بمنطقة آسيا والمحيط الهادئ.

وفي ضوء هذه المتغيرات، لم يعد بإمكان إقليم كوردستان الاعتماد على مستوى الدعم السياسي والأمني الغربي الذي كان متاحا في المراحل السابقة، الأمر الذي يفرض على الإقليم إعادة تقييم مرتكزاته الاستراتيجية وعلاقاته الإقليمية والدولية. كما تبرز الحاجة إلى بلورة منظومة سياسية وأمنية جديدة، تستند إلى تنويع الشراكات، وتعزيز القدرات الذاتية، وبناء توازنات إقليمية ودولية قادرة على ضمان أمن الإقليم واستقراره واستدامة تجربته السياسية في بيئة إقليمية ودولية متغيرة.

 

صعود القوى الإقليمية وإعادة تشكيل التوازنات

على امتداد أربعة وثلاثين عاما من عمر إقليم كوردستان، ورغم الحضور المؤثر للقوى الإقليمية، ولا سيما إيران وتركيا، في معادلاته السياسية والأمنية والاقتصادية، فإن هذه القوى لم تتمكن، بفعل الوجود الأمريكي القوي والدعم الغربي للإقليم، من الاضطلاع بدور حاسم في تحديد مساراته الاستراتيجية. وقد تجلت هذه الحقيقة بصورة واضحة عقب سقوط نظام صدام حسين عام 2003، عندما تمكن شعب كوردستان، في ظل بيئة إقليمية ودولية مواتية، من تحديد طبيعة علاقته بالعراق الجديد بدرجة كبيرة من الحرية ومن دون ضغوط إقليمية حاسمة.

إلا أن العقدين الماضيين، وبخاصة منذ الانسحاب العسكري الأمريكي من العراق وتراجع مستويات الانخراط الأمريكي المباشر في المنطقة، شهدا تناميا متزايدا لدور القوى الإقليمية، التي باتت تؤثر بصورة مباشرة وغير مباشرة في البيئة الجيوسياسية لإقليم كوردستان وتوازناته الداخلية والخارجية.

فقد عززت كل من إيران وتركيا، بوصفهما قوتين إقليميتين رئيسيتين، نفوذهما السياسي والأمني والعسكري في العراق وسوريا ولبنان وعدد من الساحات الإقليمية الأخرى، الأمر الذي انعكس بصورة طبيعية على إقليم كوردستان، بحكم موقعه الجغرافي وتشابك علاقاته السياسية والاقتصادية والأمنية مع محيطه الإقليمي.

وفي هذا السياق، أسهمت القراءة غير الدقيقة للتحولات الإقليمية والدولية في دفع الإقليم نحو اتخاذ بعض الخيارات الاستراتيجية المثيرة للجدل، وفي مقدمتها إجراء استفتاء الاستقلال عام 2017، الذي أفضى إلى تراجع الموقع التفاوضي للإقليم وإضعاف مكانته الإقليمية والدستورية في مرحلة ما بعد الاستفتاء.

ومن جهة أخرى، أفرزت التطورات التي أعقبت أحداث السابع من أكتوبر 2023 تحولات استراتيجية عميقة في الشرق الأوسط، إذ عززت إسرائيل حضورها وانخراطها المباشر في قضايا المنطقة، الأمر الذي أسهم في إعادة صياغة العقائد الأمنية والاستراتيجيات الإقليمية. وفي ضوء هذه المتغيرات، برزت ثلاث قوى إقليمية فاعلة تمتلك أدوارا متزايدة التأثير في مستقبل المنطقة، في وقت شهدت فيه المنطقة مواجهات مباشرة بين إيران وإسرائيل، إلى جانب تنافسات وصراعات غير مباشرة بين تركيا وإسرائيل في عدد من الملفات الإقليمية.

ويبدو أن هذه البيئة الإقليمية الجديدة، التي تشكلت بالتزامن مع التراجع التدريجي للانخراط الغربي في الشرق الأوسط، مرشحة لأن تصبح الإطار الحاكم للتوازنات السياسية والأمنية في المنطقة خلال السنوات المقبلة، بما في ذلك مستقبل إقليم كوردستان وموقعه ضمن المعادلات الإقليمية الجديدة.

 

الحاجة إلى التغيير في إقليم كوردستان

تشهد منطقة الشرق الأوسط في المرحلة الراهنة تحولات جيوسياسية عميقة ومتسارعة، امتدت آثارها إلى البنى السياسية والأمنية والاقتصادية في كل من إيران وتركيا وسوريا والعراق ولبنان وإسرائيل. وتفرض هذه التحولات على إقليم كوردستان جملة من التساؤلات الجوهرية المتعلقة بقدرته على التكيف مع البيئة الإقليمية الجديدة، ومدى إمكانية استمرار أنماط الإدارة والسياسات التقليدية في ظل واقع إقليمي ودولي مختلف جذريا عما كان عليه عند تأسيس الإقليم.

وفي هذا السياق، يبرز سؤال أساسي: هل يستطيع إقليم كوردستان الاستمرار في إدارة شؤونه السياسية والمؤسساتية وفق الآليات السابقة وكأن البيئة المحيطة لم تشهد أي تغيير؟ وهل تمثل هذه التحولات تهديدا وجوديا للإقليم أم أنها تتيح في الوقت ذاته فرصا جديدة لإعادة التموضع والتكيف؟ والأهم من ذلك، هل يملك الإقليم، في ظل استمرار أنماط الإدارة التقليدية، القدرة على الحفاظ على استقراره ومكانته السياسية في المستقبل؟

على الصعيد الداخلي، لم يشهد الإقليم منذ توحيد الإدارتين عام 2006 مستوى الانقسام والاستقطاب السياسي الذي يشهده اليوم. فقد تراجعت بصورة ملحوظة حالة التنسيق والتعاون التي سادت خلال المرحلة التي أعقبت عام 2003 بين الرئيس مام جلال طالباني والرئيس مسعود بارزاني، وهي المرحلة التي أسهمت في ترسيخ قدر من التوازن والاستقرار السياسي داخل الإقليم.

كما أظهرت الدورة التاسعة لبرلمان كوردستان محدودية قدرة النظام السياسي القائم على إدارة الإقليم بوصفه كيانا سياسيا موحدا، وعلى التعامل مع مختلف المناطق الجغرافية وسكانها على أساس المساواة والعدالة في التمثيل والتنمية وتوزيع الموارد.

ومن ناحية أخرى، أدى التهميش السياسي والاقتصادي والإداري لبعض المناطق إلى تعميق الانقسامات الداخلية وإحداث اختلالات واضحة في بنية المؤسسات الحكومية، الأمر الذي انعكس على مستوى الأداء المؤسسي ووحدة القرار السياسي. ونتيجة لذلك، وبدلا من أن يصبح الإقليم أكثر تماسكا وقوة في ظل الظروف الإقليمية الحساسة، ازدادت مظاهر الضعف والانقسام، إلى درجة باتت معها مسألة مستقبل الإقليم واستدامة تجربته السياسية تطرح بصورة متزايدة في الأوساط الإقليمية والدولية.

وفي المحصلة، فإن تداخل نزعات الهيمنة والاحتكار السياسي من جهة، وتنامي مشاعر الاعتراض والرفض تجاه أنماط السلطة القائمة من جهة أخرى، قد دفع بالإقليم نحو مسار يثير مخاوف حقيقية بشأن مستقبله السياسي ومتانة مؤسساته. ومن ثم، فإن الحاجة إلى الإصلاح والتغيير لم تعد خيارا سياسيا فحسب، بل أصبحت ضرورة استراتيجية تفرضها التحولات الداخلية والإقليمية والدولية التي يواجهها الإقليم في المرحلة الراهنة.

 

رؤية للمستقبل: نحو الإقليم الثاني

تعد الأزمات السياسية والاقتصادية والمؤسسية سمة ملازمة لمعظم الأنظمة السياسية وأنماط الحكم في العالم، إذ لا يخلو أي نظام من التحديات والاختلالات البنيوية التي تفرض نفسها في مراحل مختلفة من تطوره. غير أن ما يميز الدول والتجارب الناجحة لا يكمن في غياب الأزمات، بل في قدرتها على الاعتراف بها، وتشخيص أسبابها، والشروع في معالجتها بصورة جذرية قبل أن تتحول إلى أزمات وجودية تهدد كيان الدولة ومؤسساتها.

وفي هذا السياق، لا يمكن اختزال الأزمة التي يواجهها إقليم كوردستان في كونها أزمة حكومية أو إدارية أو خلافا سياسيا عابرا، بل إنها تمثل أزمة أعمق تتعلق بنموذج الحكم ذاته، وبطبيعة المؤسسات العامة، وآليات توزيع السلطة، وشكل العلاقة بين الدولة والمجتمع. ومن ثم، فإن أي معالجة حقيقية للأزمة يجب أن تنطلق من مستوى البنية السياسية والمؤسساتية، لا من مستوى الإجراءات المؤقتة أو التسويات الآنية.

ويقدم التاريخ الحديث نماذج متعددة لدول تمكنت من إعادة بناء مؤسساتها وأنظمتها السياسية دون المساس بوحدتها أو استقرارها، كما حدث في الجمهورية الخامسة في فرنسا في عهد شارل ديغول، والتحولات الدستورية والمؤسساتية التي شهدتها ألمانيا بعد مرحلة فايمار، فضلا عن التحولات العميقة التي عرفتها الجمهورية التركية خلال العقود الأخيرة. وتؤكد هذه التجارب أن إعادة تأسيس الدولة ومؤسساتها قد تشكل مدخلا لتجديد الشرعية وتعزيز الاستقرار واستيعاب التحولات الجديدة.

وانطلاقا من ذلك، فإن إقليم كوردستان، إذا أراد تجنب مخاطر الانقسام والاستقطاب والتراجع، يحتاج إلى إطلاق عملية إعادة تأسيس سياسية ومؤسساتية شاملة يمكن وصفها بمشروع "الإقليم الثاني" أو "الإقليم الجديد"، على أن تستند هذه العملية إلى مجموعة من المرتكزات الأساسية:

1. تقريب السلطة من المواطنين عبر تعزيز الحكومات المحلية، ونقل معظم الصلاحيات الخدمية إلى المحافظات والإدارات المستقلة، وعدم احتكارها في العاصمة.

2. وضع رؤية وبرنامج موحد للعلاقات الخارجية مع العراق ودول الجوار والعالم، يستند إلى مصالح جميع أبناء كوردستان، ويخدم التنمية الاقتصادية والسياسية.

3. إعادة صياغة العقيدة العسكرية والأمنية بما يتناسب مع الواقع الجديد، من خلال تنظيم وتوحيد القوات الأمنية والعسكرية، وتعزيز العلاقة مع الحكومة الاتحادية، والاستفادة من الدستور العراقي، ومن موقع الكورد في بغداد، ومن الحلفاء داخل العراق وخارجه، لحماية الإقليم.

4. إعداد برنامج وطني للتنمية الاقتصادية والثقافية المتوازنة والموحدة  يهدف إلى تحقيق تنمية إقتصادية شاملة ومتنوعة، ومن جهة أخرى يجب جعل الثقافة واللغة والتاريخ الكوردي عوامل أساسية في ترسيخ الوحدة والهوية الوطنية، والتصدي للسياسات الثقافية الخطيرة التي تهدد وحدة الهوية القومية  الموحدة في الوقت الراهن.

ختاما، وفي ظل التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة والتعقيدات المتزايدة التي تشهدها المنطقة، يقف الشعب الكوردي وإقليم كوردستان أمام لحظة تاريخية مفصلية ومسار حاسم يحدد ملامح المستقبل. فإما أن يتم التعامل مع هذه المتغيرات بالحكمة والرؤية الاستراتيجية ذاتهما اللتين طبعتا مرحلتي عامي 1992 و2006، بما يحول التحديات الإقليمية إلى فرص لإعادة بناء الإقليم وتعزيز وحدته ومؤسساته وتنميته، وإما أن تتكرر تداعيات تجربة عام 2017، بما تحمله من مظاهر الضعف والانقسام والتهميش  وهو ما يهدد بإضعاف أهم تجربة للحكم الكوردي في العصر الحديث.

ومن ثم، فإن مستقبل إقليم كوردستان لن يتحدد فقط بفعل التحولات الجيوسياسية المحيطة، بل أيضا بمدى قدرة القوى السياسية الكوردستانية على إنتاج رؤية مشتركة للإصلاح والتجديد، وإعادة بناء العقد السياسي والمؤسساتي على أسس الشراكة والعدالة والحوكمة الرشيدة. وعندئذ فقط يمكن للإقليم أن يحول التحديات الراهنة إلى فرصة تاريخية لتأسيس مرحلة جديدة أكثر استقرارا وقوة واستدامة.


28/06/2026