*الفيلسوف الروسي ألكسندر دوغين
من السابق لأوانه الإعتقاد بأن الأزمة إنتهت أو أن الصراع إستنفد نفسه
في مقابلة إذاعية يشرح الفيلسوف الروسي ألكسندر دوغين لبرنامج "إيسكالاتسيا على راديو سبوتنيك"كيف خرجت إيران منتصرة في حربها ضد إسرائيل والولايات المتحدة،
إيران هي الطرف الذي تمكن من فرض موقع تفاوضي قوي
* بالحديث عن التطورات الدولية، وردت قبل قليل أنباء جديدة بدت مفاجئة نسبيا بالنسبة إلى التوقيت الأوروبي وتوقيت موسكو. فهناك مؤشرات متزايدة على أن الولايات المتحدة وإيران تؤكدان اقتراب التوصل إلى اتفاق نهائي قد يُوقع خلال أيام معدودة، وربما يتزامن ذلك مع عيد ميلاد الرئيس الامريكي دونالد ترامب.
بل إن بعض التقارير بدأت تتحدث عن الشخصيات التي قد تتولى التوقيع. فبحسب هذه الأنباء، قد يمثل الولايات المتحدة نائب الرئيس الامريكي، بينما يمثل إيران وزير الخارجية ورئيس البرلمان.
ورغم استمرار التباين في المعلومات المتعلقة بتفاصيل الاتفاق، فإن الانطباع العام لدى بعض المراقبين هو أن إيران قد تحصل في عدد كبير من الملفات على ما كانت تسعى إليه منذ البداية، وربما أكثر مما كان متوقعا قبل أشهر قليلة فقط.
كيف تنظرون إلى هذا التحول المفاجئ نسبيا في العلاقات الامريكية الإيرانية، وإلى انعكاساته المحتملة على الشرق الأوسط وعلى النظام الدولي بصورة أوسع؟
-ألكسندر دوغين : إن أكثر المحللين الامريكيين إتزانا وواقعية – إذا تجاوزنا الخطاب الدعائي والإعلامي – باتوا يعترفون اليوم بحقيقة لافتة وهي أن إيران خرجت منتصرة من هذه الحرب.
قد يبدو هذا الإستنتاج صادما للبعض، لكنه مطروح بالفعل داخل بعض الأوساط التحليلية الامريكية. وأنا هنا لا أطرح بالضرورة موقفي الشخصي المباشر، بل أنقل ما يقوله عدد من الخبراء الامريكيين أنفسهم.
وفق هذا التقدير، فإن إيران هي الطرف الذي تمكن من فرض موقع تفاوضي قوي، وهي اليوم في وضع يسمح لها بإملاء شروط التسوية.
لكن إذا قارنا بين الطريقة التي تصف بها إيران الإتفاق المرتقب وبين الطريقة التي يصفه بها ترامب، فسنجد أنفسنا أمام روايتين متناقضتين تماما، وكأننا نقرأ وثيقتين مختلفتين لا علاقة لإحداهما بالأخرى.
فالرواية الإيرانية تقول إن طهران وافقت على بعض الترتيبات والتفاهمات التي تساعد على تخفيف التوتر الإقليمي، لكن وفق شروطها الخاصة ومن دون التخلي عن عناصر قوتها الأساسية.
كما تؤكد إيران – بحسب دوغين – أنها لا تثق بالغرب بشكل كامل، وأنها ستستمر في التحقق من تنفيذ الإلتزامات، وستحافظ على قدراتها العسكرية وعلى نفوذها الإستراتيجي وعلى سيطرتها على الممرات الحيوية في المنطقة.
ويشير إلى أن من بين البنود التي تتحدث عنها المصادر الإيرانية أيضا الإفراج عن أصول مالية إيرانية مجمدة وإعادة تدفق الموارد الإقتصادية إلى البلاد.
ومن وجهة نظره، فإن الطرف المنتصر هو الذي يضع شروط إنهاء الأعمال القتالية، وإذا تم الإتفاق على هذه الأسس بالفعل، فإن ذلك سيُعد تكريسا رسميا لإنتصار إيراني.
أما في المقابل، فإن ترامب – بحسب دوغين – يقدم للرأي العام الامريكي صورة مختلفة تماما.فهو يصور الإتفاق على أنه نجاح امريكي كامل، وأن إيران قبلت بالشروط الامريكية، وأنها ستتراجع عن سياسات سابقة، وأن الملاحة والطاقة والتجارة ستعود إلى وضع طبيعي يخدم المصالح الامريكية.
وبأسلوبه السياسي الصدامي المعتاد، يسعى ترامب – وفق توصيف دوغين – إلى إقناع جمهوره بأن الولايات المتحدة لم تقدم أي تنازل، وأنها خرجت من المواجهة منتصرة بالكامل، وأن خصومها هم الذين إضطروا إلى التراجع.
الحفاظ على هذا "الوجه البوكرّي" من الطرفين لن يدوم إلى الأبد
وهكذا، يرى دوغين أن الطرفين يقدمان لجمهوريهما الداخليين روايتين مختلفتين جذريا للإتفاق نفسه، وهو ما يجعله واحدا من أكثر التفاهمات السياسية إثارة للجدل والتأويل في المرحلة الحالية.
في الحقيقة، وعلى أساس هذه الروايات المتناقضة جذريا حول طبيعة الإتفاق المزمع توقيعه، يبدو من الصعب تصور إمكانية التوصل إلى وثيقة حقيقية وموحدة بالفعل. فإما أن الإيرانيين يضللون الرأي العام لأسباب سياسية داخلية، أو أن الامريكيين يفعلون الشيء نفسه. وأعتقد أننا لن ننتظر طويلا حتى تتضح الحقيقة.
فالحفاظ على هذا "الوجه البوكرّي" من الطرفين لن يدوم إلى الأبد. عاجلا أم آجلا، إما أن تُنشر بنود الإتفاق الحقيقية، أو أن تنهار المفاوضات برمتها. وعندها لن يحتاج أحد إلى تفسيرات إضافية، لأن الوقائع ستتحدث بنفسها: هل تمر ناقلات النفط عبر مضيق هرمز أم لا؟ هل تتعرض للهجمات أم لا؟ هل تتوقف الضربات العسكرية أم تستمر؟ هذه هي المؤشرات التي ستكشف حقيقة ما جرى.
لكن ثمة مسألة أخرى أراها أكثر أهمية، وهي التحولات العميقة داخل اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة.
حتى وقت قريب كان هذا اللوبي يُنظر إليه بوصفه إحدى أقوى البنى السياسية وصاحبة النفوذ في امريكا. صحيح أن بعض المنتقدين كانوا يتحدثون منذ عقود عن هذا النفوذ، لكن كثيرين كانوا يرفضون ذلك بإعتباره مجرد "نظرية مؤامرة".
أما اليوم، فقد أصبح واضحا – بحسب دوغين – أن إسرائيل تمتلك نفوذا واسعا للغاية داخل الولايات المتحدة، وأن جماعات الضغط المرتبطة بها قادرة في أحيان كثيرة على دفع واشنطن إلى إتخاذ سياسات لا تنسجم بالضرورة مع ما يراه البعض مصالح امريكية مباشرة غير أن الأيام الأخيرة شهدت تطورا لافتا.
فبعد التسريبات التي تحدثت عن مكالمة هاتفية متوترة بين ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنجامين نتنياهو، والتي قيل إن ترامب إستخدم خلالها لغة حادة للغاية وإتهم نتنياهو بعدم الإلتزام بما تم الإتفاق عليه، بدأت مؤشرات جديدة بالظهور.
العلاقة بين الرجلين لم تعد بالإنسجام الذي كانت تبدو عليه سابقا.
ويقول دوغين إن صحة هذه الرواية تستند – في رأيه – إلى ردود فعل شخصيات امريكية مؤيدة لإسرائيل وقريبة من ترامب. فهو يشير إلى ليندسي غراهام وإلى لورا لومر بإعتبارهما من أبرز الشخصيات المؤيدة لإسرائيل داخل المعسكر الترامبي، ويلاحظ أنهما أبديا خلال الأيام الأخيرة إنزعاجا واضحا من التوتر المتزايد بين ترامب ونتنياهو.
ومن وجهة نظره، فإن ذلك يدل على أن العلاقة بين الرجلين لم تعد بالإنسجام الذي كانت تبدو عليه سابقا.
ففي الماضي كان يُعتقد أن الطرفين يتحركان ضمن إستراتيجية واحدة تقريبا، أما الآن فيبدو أن ترامب أصبح ينظر إلى هذه الحرب بإعتبارها عبئا سياسيا متزايدا، خصوصا أنها لم تحقق نصرا واضحا وحاسما.
ويقر دوغين بأن إيران تكبدت خسائر كبيرة خلال المواجهة، لكنه يرى أنها لم تنهَر ولم تُكسر إرادتها. بل على العكس، يعتبر أنها خرجت أكثر تعبئة وتماسكا، وأنها تحولت في نظر جزء من العالم الإسلامي إلى نموذج للصمود والمقاومة.
وفي المقابل، يرى أن عددا من الدول الإسلامية الأخرى ظهر بمظهر المتفرج أو الطرف السلبي، الأمر الذي أضعف صورتها الإقليمية، بينما إستطاعت إيران المحافظة على خطابها السياسي المعادي لإسرائيل دون تراجع.
ويضيف أن نتنياهو يواصل حربه في جنوب لبنان، رغم أن بعض الطروحات المتعلقة بالتفاهمات مع إيران تتحدث عن ضرورة وقف الحرب هناك وإنسحاب القوات الإسرائيلية كجزء من أي تسوية أوسع.
ووفقا لدوغين، فإن هذه النقطة تتعارض مع الرؤية السياسية التي يتبناها نتنياهو وحلفاؤه الأكثر تشددا، الذين كانوا يأملون في تحقيق مكاسب إستراتيجية أوسع من خلال هذه المواجهة.
ولهذا السبب، يشير إلى تصاعد التوتر داخل المعسكر اليميني الإسرائيلي، مستشهدا بمواقف شخصيات مثل إيتمار بن غفير وبتسليل سموتريتش، اللذين عبّرا مرارا عن مواقف أكثر تشددا تجاه أي تسويات سياسية.
ومن هنا يخلص دوغين إلى أن ما يسميه "النواة العقائدية والعسكرية المتشددة" داخل إسرائيل تنظر بقلق متزايد إلى أي إتفاق قد يُبقي إيران قوية وقادرة على التأثير الإقليمي.
صراع لا يملك أفقا واضحا لتحقيق نصر حاسم لأي طرف
وفي الوقت نفسه، يرى أن ترامب يحتاج إلى التوصل إلى تسوية ما قبل الإنتخابات النصفية الامريكية المقبلة، لأن إستمرار الحرب أصبح عبئا سياسيا داخليا.
فبحسب قراءته، فإن شعبية هذه الحرب داخل الولايات المتحدة محدودة، كما أن بعض مؤيدي ترامب بدأوا يبدون تحفظات متزايدة عليها، بل إن بعض الشخصيات المحيطة به إبتعدت عنه بسبب هذا الملف.
ولذلك يصف دوغين الحرب بأنها صراع لا يملك أفقا واضحا لتحقيق نصر حاسم لأي طرف. فقد بدأت بعمليات عسكرية عنيفة للغاية، لكن النتائج السياسية والعسكرية التي كان يُراد تحقيقها تراجعت تدريجيا، نتيجة ما يعتبره مقاومة إيرانية ناجحة.
ومن هنا يعتقد أن إسرائيل هي الأخرى تواجه صعوبات كبيرة في تحقيق أهدافها الأصلية، وأن الخلافات بدأت تظهر بين الأطراف التي شاركت في هذه الإستراتيجية.
ويعتبر أن ما نشهده اليوم هو عملية تبادل للإتهامات ومحاولات لإلقاء مسؤولية الإخفاق على أطراف مختلفة، وهو أمر مألوف في الحروب التي لا تحقق النتائج المرجوة.
وبناء على ذلك، يصل دوغين إلى إستنتاج مفاده أن إيران خرجت من هذه المواجهة بوصفها المنتصر المعنوي على الأقل.
فهي – بحسب رأيه – أثبتت قدرتها على الحفاظ على سيادتها وإستقلال قرارها، ورسخت فكرة أن النظام الدولي لم يعد أحادي القطبية، بل يتجه نحو التعددية القطبية.
كما يرى أن عددا من القوى الإقليمية، بما فيها السعودية وقطر وتركيا والإمارات باتت تنظر إلى إيران بإعتبارها قطبا إقليميا لا يمكن تجاهله.
أما إسرائيل، فيرى أنها لم تحقق، رغم طموحاتها الكبيرة، النتائج التي كانت تأمل بها، ولذلك تحاول – وفق تفسيره – تعطيل أي إتفاق لا ينسجم مع أهدافها، وتسعى إلى جر الولايات المتحدة نحو مواجهة أوسع مع إيران.
ويختتم هذه الفقرة بالقول إن ما يراه حاليا هو إتساع الفجوة بين واشنطن وتل أبيب، وبين ترامب ونتنياهو. وقد تُحتوى هذه الخلافات لاحقا، لكن المشهد الراهن يوحي بوجود توتر حقيقي بين الطرفين.
الحديث عن حجم هذا النفوذ لم يعد من المحرمات السياسية
* أود التوقف عند هذه النقطة تحديدا.فقد صدر بالفعل تصريح من وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، قال فيه بصورة واضحة إن الولايات المتحدة وإيران يمكنهما التوصل إلى أي إتفاق يريدانه، لكن إسرائيل لا تعتبر نفسها ملزمة به وهنا يبرز سؤال مهم.لقد أشرتم إلى القوة الإستثنائية التي بلغها النفوذ المؤيد لإسرائيل داخل الولايات المتحدة. ومع ذلك ينبغي التذكير بأن واشنطن وقفت تاريخيا إلى جانب إسرائيل في معظم المحطات الكبرى، وإستخدمت حق النقض في مجلس الأمن مرارا دفاعا عن المصالح الإسرائيلية.
بل إن البعض يرى أن الإدارات الجمهورية غالبا ما كانت أكثر دعما لإسرائيل من الإدارات الديمقراطية. وترامب نفسه رئيس جمهوري.فإذا ماذا سيحدث لاحقا؟
هل تستطيع إسرائيل أن تقول ببساطة: "توصلتم إلى إتفاق، لكننا سنواصل ما نراه مناسبا"؟ أم أن العلاقة الشخصية والسياسية بين ترامب ونتنياهو، وكذلك التوترات الأخيرة بينهما، ستفرض قيودا على هذا المسار؟
-ألكسندر دوغين: أعتقد أن الكثير سيتوقف على موقف إيران نفسه.فحتى الآن تؤكد طهران أن وقف العمليات العسكرية في جنوب لبنان يمثل أحد الشروط الأساسية، بل الضرورية، لأي إتفاق مع الولايات المتحدة.
أما ترامب فلا يؤكد هذه النقطة بشكل صريح ولا ينفيها بصورة قاطعة، لكنه يبدو – في تقدير دوغين – أقرب إلى قبولها من رفضها.وهذا يتعارض بشكل مباشر مع مصالح نتنياهو ورؤيته السياسية.
لكن ينبغي الإنتباه إلى نقطة مهمة: نتنياهو ليس إسرائيل كلهافداخل إسرائيل توجد تيارات ومؤسسات ومراكز قوة مختلفة، وبعضها قد يكون أكثر إستعدادا للتكيف مع التسويات السياسية من التيار الذي يقوده نتنياهو وحلفاؤه الأكثر تشددا. ولذلك فإن مستقبل هذه الأزمة لن يتحدد فقط من خلال موقف شخص واحد، بل من خلال التوازنات الداخلية الإسرائيلية والإقليمية والدولية مجتمعة.
إن اللوبي المؤيد لإسرائيل داخل الولايات المتحدة يتمتع بنفوذ هائل وإستثنائي. وفي الماضي، عندما كان منتقدوه يقولون إنه قادر على دفع الولايات المتحدة إلى تبني سياسات تتعارض أحيانا مع مصالحها القومية المباشرة، كان كثيرون يعتبرون هذه الآراء هامشية أو أقرب إلى نظريات المؤامرة.
أما اليوم، فيرى دوغين أن الحديث عن حجم هذا النفوذ لم يعد من المحرمات السياسية، بل أصبح جزءا من النقاش العام في الأوساط السياسية والإعلامية الامريكية.
ومع ذلك، يضيف نقطة مهمة: قوة اللوبي المؤيد لإسرائيل لا تعني بالضرورة دعما مطلقا وغير مشروط لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
فحتى داخل إسرائيل نفسها، وداخل الأوساط الداعمة لها في الولايات المتحدة، توجد تباينات واضحة في المواقف. فدعم إسرائيل كدولة شيء، ودعم السياسات الأكثر تشددا التي يتبناها بعض السياسيين الإسرائيليين شيء آخر.
ويرى دوغين أن شخصيات مثل إيتمار بن غفير وبتسليل سموترتش تمثل، في نظره، تيارا أكثر راديكالية داخل السياسة الإسرائيلية، وهو تيار لا يحظى بإجماع كامل داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه.
ومن هنا يخلص إلى أن نتنياهو يواجه معضلة سياسية داخلية شديدة الخطورة.
فإذا توقفت الحرب وتم التوصل إلى تسوية، فإنه قد يواجه موجة واسعة من الصراعات السياسية والمحاسبة الداخلية. ولهذا يعتقد دوغين أن مصلحة نتنياهو الشخصية والسياسية تدفعه إلى الإستمرار في المواجهة، ومحاولة تعطيل أي تسويات لا تنسجم مع أهدافه.
أما بالنسبة إلى الرئيس الامريكي دونالد ترامب، فإن القضية تختلف من وجهة نظر دوغين. فهي ليست مسألة وجود سياسي أو شخصي، بل تتعلق بصورة القيادة الامريكية، وقدرة ترامب على إثبات أنه ما زال قادرا على التأثير في الإقتصاد العالمي وفي إستقرار الأسواق الدولية.
ويشير إلى أن ترامب كان يرفع سابقا شعار زيادة الإنتاج النفطي الامريكي، لكنه بات أكثر إهتماما الآن بإستقرار أسواق الطاقة العالمية وتدفق النفط بصورة طبيعية، لأن إستمرار الإضطرابات ينعكس سلبا على الإقتصاد الدولي وعلى حساباته السياسية الداخلية.
مراكز القوة داخل الغرب
ومن هنا يرى دوغين أن التباين بين واشنطن وتل أبيب لم يعد يتعلق فقط بتفاصيل الحرب، بل بمصالح إستراتيجية مختلفة نسبيا.
ثم ينتقل إلى رؤيته الأشمل لما يسميه "مراكز القوة داخل الغرب".
فبحسب تحليله، لم يعد الغرب كتلة سياسية موحدة كما كان يُنظر إليه سابقا، بل أصبح يتكون من عدة مراكز ذات أجندات متباينة: الولايات المتحدة الترامبية، وإسرائيل، وبريطانيا، والإتحاد الأوروبي، إضافة إلى التيار الليبرالي أو العولمي داخل الولايات المتحدة.
ويرى أن هذه المراكز باتت أقل إنسجاما فيما بينها، وأن الخلافات السياسية والإستراتيجية تتسع بصورة متزايدة.وفي هذا السياق يشير إلى رئيس الوزراء البريطاني كير سترامر، معتبرا أن حكومته تواجه ضغوطا سياسية وإنتخابية كبيرة، وأن المشهد السياسي البريطاني يشهد حالة من التنافس الحاد بين المحافظين والقوى اليمينية المختلفة.
أما الإتحاد الأوروبي، فيرى أنه ما زال متمسكا بأجندته السياسية التقليدية، لكنه يواجه بدوره تحديات متزايدة.وبالنسبة إلى التيارات الليبرالية الامريكية، يعتقد أنها تركز حاليا على كيفية إستعادة نفوذها السياسي في الإنتخابات المقبلة.
ومن هنا يصل دوغين إلى نتيجة مفادها أن ما كان يسمى "الغرب الجماعي" لم يعد متماسكا كما كان في السابق، وأن كل طرف بات يعمل بصورة أكبر وفق أولوياته الخاصة.وفي رأيه، فإن هذا الواقع يفتح أمام روسيا هامشا أوسع للمناورة السياسية والإستراتيجية.
فطالما أن الولايات المتحدة وإسرائيل منشغلتان بأزمات الشرق الأوسط، وطالما أن الخلافات تتزايد بين المراكز الغربية المختلفة، فإن الضغط الموحد على روسيا يصبح أكثر صعوبة.
ولهذا يعتبر أن موسكو تستطيع الإستفادة من هذه التباينات، ومن التصدعات التي يراها داخل المعسكر الغربي، عبر إدارة علاقاتها وسياساتها بطريقة أكثر مرونة.ويرى أن أي زيادة في مستوى الخلافات بين خصوم روسيا تصب، من وجهة نظره، في مصلحتها الإستراتيجية.
ثم يعود إلى الملف الأوكراني، معتبرا أن هذه اللحظة تمثل فرصة مناسبة لروسيا لتكثيف جهودها العسكرية وتحقيق أهدافها في الحرب، مستندا إلى ما يراه من تراجع في تماسك خصومها الدوليين.
ويضيف أن الصورة كانت مختلفة في بداية التصعيد في الشرق الأوسط، عندما بدا أن الولايات المتحدة وإسرائيل تتحركان بثقة وقوة أكبر، وكان البعض يتوقع ضغوطا متزايدة على إيران.
أما الآن، فهو يعتقد أن الظروف تغيرت، وأن الغرب – رغم بقائه قويا وخطيرا وقادرا على التأثير – يمر بمرحلة من الإرتباك والإنقسام النسبي.
ويصف هذه الحالة بأنها علامة على ضعف نسبي ينبغي، في رأيه، إستغلالها سياسيا وإستراتيجيا.
ما زالت إحتمالات التصعيد والتعقيد قائمة بقوة في المرحلة المقبلة
* لكن في هذا السياق تحديدا يبرز سؤال مهم هل يمكن فعلا تصور أن ترامب والولايات المتحدة مستعدان لتقديم تنازلات كبيرة إلى هذا الحد؟فالتقارير التي تتسرب إلى وسائل الإعلام تتحدث عن إحتمالات الإفراج عن أصول مالية إيرانية مجمدة، وعن مساهمات وإستثمارات لإعادة الإعمار، وعن إجراءات أخرى تبدو غير متوقعة.
هل تعتقدون أن هذه المعلومات دقيقة بالفعل؟وإذا كانت صحيحة، فما هي الضمانات أو المقابل الذي يمكن أن تحصل عليه واشنطن من طهران؟
-ألكسندر دوغين: بصراحة، أرى أن كثيرا من هذه الروايات تبدو غير واقعية فكل من الرواية الإيرانية والرواية الامريكية تحتوي عناصر يصعب تصديقها بالكامل ،الإيرانيون لن يقبلوا بالصيغة التي تطرحها بعض الأوساط الامريكية، والامريكيون بدورهم لن يقبلوا بسهولة بالصيغة التي تروج لها بعض المصادر الإيرانية.واللافت، في رأيه، أن الوضع الراهن لا يبدو سيئا بالنسبة إلى إيران فالمواجهة الحالية أدت، بحسب تقديره، إلى مستوى عالٍ من التماسك الداخلي داخل المجتمع الإيراني
ويذهب إلى حد القول إن درجة التعبئة الوطنية والتضامن الداخلي التي تشهدها إيران اليوم قد تكون من أعلى المستويات منذ عهد الخميني.فالمجتمع الإيراني، في تصوره، يبدو أكثر إستعدادا للدفاع عن سيادته وإستقلاله، في وقت يشهد فيه الغرب إنقسامات وصراعات سياسية متزايدة.ولهذا يعتقد أن إيران لا تنظر إلى الإتفاق المرتقب بإعتباره مسألة مصيرية أو قضية حياة أو موت.
أما بالنسبة إلى ترامب، فالوضع مختلف تماما.فهو، بحسب دوغين، يواجه ضغوطا سياسية متزايدة، ويحتاج إلى تحقيق نتيجة ملموسة بعد انخراطه في هذا الملف رغم تحذيرات بعض المقربين منه.
ويشير في هذا السياق إلى شخصيات مثل جو كنت وتولسي غابارد، معتبرا أن الخلافات داخل المعسكر الترامبي تعكس حجم التعقيدات التي يواجهها الرئيس الامريكي.
لكن في الوقت نفسه، يؤكد دوغين أن ترامب لا يستطيع سياسيا أن يقبل بالشروط الإيرانية كما هي، لأن ذلك سيُنظر إليه داخليا بوصفه تراجعا كبيرا.
وفوق ذلك كله، فإن نتنياهو – بحسب رأيه – يواصل إتخاذ خطوات وتصريحات تزيد من تعقيد المشهد وتدفع نحو مزيد من التصعيد.
ولهذا يختتم دوغين حديثه بالقول إن من السابق لأوانه الإعتقاد بأن الأزمة إنتهت أو أن الصراع إستنفد نفسه.
ففي تقديره، لا يزال النزاع بعيدا عن نهايته، وما زالت إحتمالات التصعيد والتعقيد قائمة بقوة في المرحلة المقبلة.