×

  کل الاخبار

  اقتربت اللحظة، ولم يبق إلا القليل



*صلاح الدين دميرتاش

عن موقعه الشخصي/الترجمة والتحرير: محمد شيخ عثمان

 

إن الأزمات التي يشهدها العالم على المستوى الكوني، والمتجذرة في طبيعة الرأسمالية والإمبريالية، إلى جانب صراع الهيمنة الكبرى الدائر، تعمل على تقويض وتفكيك كل ما هو قديم، سواء في الشرق الأوسط أو في تركيا.

غير أن هذه المرحلة تجسد بدقة ما عبّر عنه غرامشي بقوله: *«العالم القديم يحتضر، والعالم الجديد يكافح من أجل أن يولد، وفي هذه المرحلة تظهر الوحوش».

ذلك أن موازين القوى القائمة اليوم لا تشبه نظام الثنائية القطبية الذي ساد خلال فترة الحرب الباردة، كما أنها لا تشبه مرحلة ما بعد الحرب الباردة التي انفردت فيها الولايات المتحدة والهيمنة الغربية بقيادة النظام الدولي.

وربما سنشهد حقبة طويلة لا تتمكن فيها أي قوة منفردة، أو حتى أي تكتل دولي، من فرض هيمنته بصورة مستقرة أو دائمة. وحتى إذا تمكنت إحدى القوى من تحقيق نوع من السيطرة، فإن الحفاظ عليها واستدامتها لن يكونا أمرين ممكنين. إنها مرحلة تتسم بالسيولة الدائمة، والتحول المستمر، والتغير بوصفه السمة الأساسية للعلاقات الدولية.

وبناء على ذلك، يبدو أن صراع الهيمنة الراهن لن ينتهي في المستقبل القريب بسيطرة قوة عالمية أو إقليمية بعينها. فاستمرار حالة الصراع والتنافس على النفوذ والهيمنة سيغدو، على الأرجح، السمة المميزة للسنوات القادمة، بل إن هذا الوضع قد يشكل «الوضع الطبيعي الجديد» للنظام الدولي خلال المرحلة المقبلة.

 

 العملية لا تُتناول بوصفها مسارا استراتيجيا

من الطبيعي أن تأتي تركيا في مقدمة الدول المتأثرة بصورة مباشرة بالتحولات الجارية. غير أن تركيا تبرز هذه المرة أيضا بوصفها دولة رفعت من قدرتها على التأثير في هذه التحولات وإدارتها والاستفادة منها.

إن مسار الحل الجاري يمثل بدوره إحدى نتائج هذه المقاربة، كما أنه يشكل تكتيكا مهما بات واضحا أنه أسهم ويسهم في خدمة الاستراتيجية العامة. وأستخدم هنا توصيف "التكتيك" لأن النظر إلى ما تم إنجازه، وما لم يُنجز، وما يُفترض إنجازه، يبين بوضوح أن هذا المسار لم يُتعامل معه، من جانب مؤسسات الدولة، بوصفه خيارا استراتيجيا متكاملا.

فالاستراتيجية الأساسية للدولة تتمثل في ضمان خروج تركيا أكثر قوة من عاصفة التحولات العالمية والإقليمية. ومن الطبيعي والمتسق داخليا أن تعمل العقلية السياسية للدولة التركية بهذا المنطق.

وقد أسهمت مبادرة السيد عبدالله أوجلان، حتى الآن، في تحقيق إسهامات مهمة وما تزال تواصل ذلك، ولا يوجد في هذا الأمر أي خطأ أو تناقض. غير أن هناك نقصا جوهريا يتمثل في عدم إعادة تناول العلاقات الكردية ـ التركية على المستوى الإقليمي بوصفها قضية استراتيجية. وإن اعتماد مقاربة أكثر شمولا تجاه العلاقات مع الكرد، ولا سيما في سوريا والعراق، ومراعاة حقوقهم ومكانتهم القانونية هناك، من شأنه أن يحقق مكاسب أكبر للجميع.

 

المسار بات يتطلب خطوات عملية ملموسة

في الواقع، لا نعرف حتى الآن ماذا قدم هذا المسار للكرد، ولحريات تسعين مليون مواطن، وللحياة الديمقراطية، ولحقوق الإنسان الأساسية، وما الذي يمكن أن يقدمه مستقبلا للازدهار الاقتصادي والتنمية. نحن نعرف ما ينبغي أن يكون، لكننا لا نعرف ما إذا كان سيتحقق أم لا.

وهنا تكمن أضعف نقاط هذا المسار وأكثرها إثارة للجدل. لقد نجحت الجمهورية التركية، بفضل هذا المسار، في الابتعاد عن دوامة الحروب والدمار التي شهدتها السنوات الأخيرة، وهو مكسب كبير لا يجوز التقليل من أهميته أو تجاهله.

لكن، وفي الوقت ذاته، لم تتمكن أم كردية من التحدث بلغتها الكردية داخل لجنة برلمانية، كما مُنع صحفي كردي من دخول البرلمان بسبب حقيبة تحمل كتابة باللغة الكردية. لقد تعرض هؤلاء للإهانة والتهميش. فجزء أساسي من القضية الكردية يتعلق أصلا باللغة الأم والهوية.

فهل سيكون هذا النهج المتجاوز للعصر والمسيء للكرامة هو ما يُقدَّم لنا بينما نحاول معا بناء مستقبل أفضل؟

وأعتقد، وأتمنى، أنه لو كان السيد دولت بهجلي على علم بهذه الحادثة، لذهب بنفسه إلى بوابة البرلمان، وأخذ الحقيبة المكتوب عليها باللغة الأم لإخوة عاشوا معنا ألف عام، ثم أمسك بيد الصحفي الكردي قائلا:"تفضل يا أخي، فهذا البرلمان هو برلمانك أيضا. لا أحد يستطيع أن يمنع لغتك الأم أو يحتقرها أو يحظرها. لأنني لا أستطيع أن أكون من دونك، وأنت أيضا لا تستطيع أن تكون من دوني. ومن الآن فصاعدا سنتخذ الإجراءات القانونية اللازمة، وسندافع عن اللغة الكردية كما ندافع عن لغتنا الأم. لقد دفنّا العقليات القديمة، وسنمضي معا بروح جديدة من الأخوة، يدا بيد وقلبا إلى قلب."

وأعتقد أن الكثير من الأمور كانت ستتغير في لحظة واحدة، وأن العديد من المحظورات والمخاوف غير الضرورية كانت ستنهار وتتبدد. ولا يزال الوقت متاحا لتحقيق ذلك.

ما أريد قوله هو أن هذا المسار بات يتطلب خطوات ملموسة ومرئية وقابلة للقياس. وهذه الخطوات ليست تنازلات، بل هي حقوق مشروعة ومستحقة، كحق الإنسان في الحياة، وتشكل أساسا ضروريا لعيشنا المشترك.

فإذا تمكن الذين يدركون طبيعة التحول الجذري الذي نمر به ويحللونه بصورة صحيحة، من إظهار موقف أخلاقي وشجاع يفتح الباب أمام تسوية كبرى في تركيا، فإن المكاسب لن تكون عشرة بل خمسين أو مئة. أما إذا غلب منطق "ليكن قليلا لكنه لي وحدي"، فقد لا يتحقق حتى الحد الأدنى من المكاسب.

وفي هذا السياق، فإن العامل الحاسم سيكون مواقف وقرارات السيد رئيس الجمهورية في المرحلة المقبلة وهو يدرك جيدا أن الانتهازيين الذين يستعدون لاستغلال أي أزمة، والباحثين عن الامتيازات والمصالح، والمتملقين الذين لا يعرفون حدودا للنفاق، بدأوا يتجمعون بصورة أكبر حوله.

فإذا أراد السيد الرئيس فتح الباب أمام تفاهمات عادلة وأخلاقية ومبدئية، فعليه أن يضع حدا لكل ما جرى، وألا يفسح المجال لأولئك الذين يراهنون على الوصاية الإدارية، والتعيينات القسرية، والاعتقالات، بل أن يتيح الفرصة لبدايات جديدة.

 

 حان الوقت لبناء أرضية سياسية جديدة

لقد وصلت السياسة في البلاد إلى درجة من التردي وانعدام الكفاءة والأخلاق بحيث لم أعد أحتملها. وكدت أخجل من وصف نفسي بالسياسي. نستيقظ كل صباح ونسعى إلى إلحاق الضرر ببعضنا البعض، ونتحدث عن الشتائم والمشكلات، وننشغل بإنتاج الأزمات.

إن النقاشات العقيمة، والأجندات غير الضرورية، ليست مشكلتنا الأساسية. ففي الوقت الذي تتغير فيه موازين العالم بسرعة كبيرة، فإن ما ينبغي على السياسيين، سواء في السلطة أو المعارضة، هو الحديث بشجاعة وحكمة عن الممكن والمطلوب، والعمل من أجل تحقيقه.

إن قيام السيد رئيس الجمهورية، والسيد بهجلي، والسيد أوزيل، إلى جانب قادة الأحزاب السياسية الأخرى، باستكشاف أرضية أوسع وأكثر شمولا وأكثر فائدة للتعاون، سيصب في مصلحة الجميع.

لقد حان الوقت لبناء أرضية سياسية جديدة من خلال اتخاذ خطوات إيجابية متبادلة تنهي الإجراءات الاستثنائية والتوترات القائمة. وستبقى المنافسة السياسية والديمقراطية قائمة بطبيعة الحال، غير أن الأولوية يجب أن تكون لتهيئة الأرضية المشتركة وإصلاحها وتعزيزها.

وبعد التوصل إلى عقد اجتماعي جديد قائم على الديمقراطية وسيادة القانون، يمكن أن تستمر التحالفات السياسية والتنافس الانتخابي، إذ يصبح كل شيء أكثر سهولة وقابلية للحوار والتوافق والحل.

وإذا كان بعض الناس لا يملكون حتى اليوم الشجاعة اللازمة للإيمان بإمكانية ذلك، فلا مبرر لليأس فنحن هنا، والحل موجود بين أيدينا.

 كيف سنحققه؟

سنحققه بالشجاعة، وبالحوار، وبكسر القيود والمحرمات، معا.

ولم يعد يفصلنا عن ذلك سوى القليل.

 

صلاح الدين دميرتاش

ادرنة- 24 حزيران 2026


28/06/2026