ترجمات...فرانسيس فوكوياما:روح الديمقراطية لا تزال قوية
رئيس تحرير مؤسسة" المرصد "الاعلامية وخبير في شؤون الرصد التوثيق
منصة Persuasion/الترجمة والتحرير: محمد شيخ عثمان
بعد الانتهاء من إعداد المقال أدناه، وردت أنباء عن تطور ثالث ربما كان أكثر أهمية حتى من التطورين اللذين جرى تناولهما، وهو فوز لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، المعروف باسم لولا، في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية البرازيلية.
فقد جاء فوزه على الشعبوي اليميني فلاديو بولسونارو، نجل الرئيس السابق جايير بولسونارو، مفاجئا، بعد جولة أولى كان فيها الأخير قد حصل على أكبر نسبة من الأصوات بين المرشحين.
وبهذا الفوز، وضع لولا حدا لسلسلة من سبعة انتصارات متتالية لليمين في الانتخابات الرئاسية بأمريكا اللاتينية. وقد دعا فلاديو بولسونارو إلى إلغاء الانتخابات، ولا يزال من غير الواضح في هذه المرحلة كيف سيكون رد فعل أنصاره على فوز لولا.
ومع ذلك، ونظرا إلى حجم البرازيل وأهميتها على الساحة العالمية، فإن هذا التطور يمثل حدثا لافتا ومبعثا للأمل، وقد يشير، بالاقتران مع التطورات في فنزويلا وصربيا، والانتخابات النصفية الأمريكية المقبلة، إلى انعطافة كبيرة في مسار موجة الانتصارات التي حققتها الحركات الشعبوية السلطوية في مختلف أنحاء العالم.
- فرانك-
شهد يوم الأحد 25 تشرين الأول حدثين باعثين على الأمل، وقعا في منطقتين مختلفتين من العالم.
ويمنحنا هذان الحدثان قدرا من التفاؤل بأن التراجع الديمقراطي ليس أمرا حتميا، وأن مقاومة المد المتصاعد للسلطوية أمر ممكن.
الحدث الأول :عودة ماريا كورينا ماتشادو إلى فنزويلا
وكان الحدث الأول هو عودة ماريا كورينا ماتشادو إلى فنزويلا. فمن حق ماتشادو أن تكون رئيسة لفنزويلا اليوم. فقد سعت إلى خوض الانتخابات الرئاسية في مواجهة نيكولاس مادورو خلال انتخابات تموز 2024، واستقطبت حشودا جماهيرية غفيرة ومتحمسة في مختلف أنحاء البلاد خلال حملتها الانتخابية التمهيدية.
ونظرا إلى التهديد الذي مثلته للنظام، جرى استبعادها من خوض الانتخابات بقرار من السلطة الحاكمة. وتولى إدموندو غونزاليس، الذي حل محلها مرشحا للمعارضة، خوض الانتخابات، وانتهى به الأمر إلى تحقيق فوز بفارق كبير ونحن نعرف ذلك لأن المعارضة الديمقراطية احتفظت بسجلات أصوات الناخبين في كل مركز اقتراع في البلاد، ونشرتها قبل أن يتمكن النظام من إعلان نتائجه المزورة التي زعمت فوز مادورو.
واضطرت ماتشادو بعد ذلك إلى مغادرة البلاد والعيش في المنفى لتسلم جائزة نوبل للسلام، وظلت تقيم خارج فنزويلا حتى نهاية الأسبوع الماضي. وقد تميزت عودتها باستقبال حاشد من الجماهير الغفيرة التي احتشدت لتحيتها والهتاف لها بحماسة كبيرة، تماما كما فعلت خلال حملتها الانتخابية قبل عامين ونصف العام.
إن الوضع الراهن في فنزويلا، في أعقاب اعتقال إدارة ترامب لمادورو مطلع كانون الثاني، وضع غير قابل للاستمرار وغير عادل،فقد أبرم ترامب اتفاقا مع ديلسي رودريغيز، نائبة مادورو وأحد أبرز أعضاء دائرته المقربة، بهدف تحقيق الاستقرار في البلاد، في الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة تسعى إلى بسط سيطرتها على الأصول النفطية الفنزويلية.
ومنذ ذلك الحين، ظلت فنزويلا تدار من قبل المجموعة السلطوية نفسها التي كانت تحكمها سابقا، مع إحلال رودريغيز، التي أبدت مرونة واستعدادا للتعاون، محل مادورو الذي اتسم بالمقاومة وعدم الاستجابة.
ولم يحاول ترامب حتى التظاهر بأن أيا من هذه الإجراءات كان يهدف إلى تحقيق مصلحة الشعب الفنزويلي، بل تفاخر بدلا من ذلك بأنه وضع الولايات المتحدة في موقع السيطرة على نفط البلاد.
وكما قال أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول: «الغنائم تكون من نصيب المنتصرين».
والأخطر من ذلك أنه لم تتوافر أي شفافية بشأن الجهة التي تذهب إليها عائدات النفط، أو حتى بشأن حجم تلك العائدات.
كما كشفت الإدارة الأمريكية أنها تعمل مع رجل الأعمال أليخاندرو بيتانكورت، المعروف على نطاق واسع في فنزويلا بتورطه في قضايا فساد.
وفي هذه الأثناء، عمل ترامب على تهميش ماتشادو، مدعيا أنها «لا تحظى بالاحترام داخل البلاد». لكن الحقيقة، على النقيض من ذلك، أنها كانت بفارق كبير الشخصية السياسية الأكثر شعبية في فنزويلا.
وزعمت وزارة الخارجية الأمريكية أن انتخابات ديمقراطية ستجرى في نهاية المطاف، من دون أن تحدد جدولا زمنيا لذلك. كما أجرت محادثات مع عدد من جماعات المعارضة المختلفة، استبعدت منها ماتشادو ولم يسمح لها النظام الفنزويلي ولا الولايات المتحدة بالعودة إلى بلادها، وحتى هذه اللحظة لا نعرف كيف تمكنت من العودة.
إن عودتها تضع كلا من نظام رودريغيز وإدارة ترامب في موقف بالغ الصعوبة. فمهما كانت رغبتهما في ذلك، لا يستطيع أي منهما تحمل تبعات اعتقال أكثر الشخصيات السياسية شعبية في البلاد أو إسكاتها بأي وسيلة أخرى، ولا سيما في ظل الحشود الجماهيرية الغفيرة والحماس الكبير الذي استقبلها به أنصارها.
ومنذ كانون الثاني، أمضت ماتشادو وقتها في محاولة استرضاء ترامب وكسب رضاه، إذ قدمت له جائزة نوبل للسلام التي حصلت عليها، وامتنعت عن توجيه انتقادات علنية للولايات المتحدة، لكن هذا النوع من سياسة الاسترضاء لم ينجح قط مع هذا الرئيس، الذي لا يبدي أي اهتمام بالديمقراطية الفنزويلية.
وفي المقابل، يتزايد الغضب الشعبي تجاه الولايات المتحدة بين المواطنين الفنزويليين العاديين، الذين يريدون، بطبيعة الحال، معرفة الجهة التي تذهب إليها الأموال المتأتية من الثروة النفطية الوطنية لبلادهم.
وقد تتمكن ديلسي رودريغيز من شراء فترة من الهدوء المؤقت، لكن الصفقة الفاسدة التي أبرمتها مع ترامب ستتحول، مع مرور الوقت، إلى عبء سياسي بالغ الخطورة عليها.
وينبغي لماتشادو أن تقود ما يمكن أن يتحول إلى حركة احتجاجية مناهضة للفساد. ومن المرجح أن تكتسب الاحتجاجات المناهضة للولايات المتحدة، وكذلك المناهضة لديلسي رودريغيز، زخما متزايدا. وعند تلك اللحظة فقط، قد يدرك المسؤولون في واشنطن أن إجراء انتخابات شرعية ونزيهة هو السبيل الوحيد لتحقيق الاستقرار على المدى الطويل.
يعتقد ترامب أنه يمسك بزمام الأمور ويسيطر على الوضع، لكنه ليس كذلك؛ فالشعب الفنزويلي وحده يمتلك الحق، وفي نهاية المطاف القدرة، على إقامة حكومة شرعية تحظى بقبوله وتمثله.
الحدث الثاني: انتصار الحركة الطلابية في صربيا
أما الحدث الثاني، الذي يمكن وصفه بأنه معجزة أخرى، والذي وقع يوم الأحد، فهو فوز «القائمة الطلابية» على الحزب التقدمي الصربي الحاكم (SNS) في الانتخابات البرلمانية الصربية، وإقرار الزعيم القوي ألكسندر فوتشيتش بالهزيمة.
لقد كان معظم المراقبين المطلعين يتمنون بشدة هزيمة فوتشيتش، لكنهم كانوا يعتقدون أنه وحزبه يمتلكان في نهاية المطاف ما يكفي من أدوات النفوذ والضغط لترهيب الناخبين والتلاعب بالعملية الانتخابية.
وكان فوتشيتش قد ظل في السلطة، بصفة أو بأخرى، إذ استقال مؤخرا من منصب رئيس الجمهورية لكي يتولى منصب رئيس الوزراء في حكومة يقودها الحزب التقدمي الصربي. وقد بلغ الأمر أن كثيرا من الشباب الصرب لم يعرفوا قائدا سياسيا آخر غيره طوال حياتهم.
وتعود جذور انتصار القائمة الطلابية إلى الحركة الطلابية التي انطلقت عقب الانهيار المميت لسقف محطة للسكك الحديدية في مدينة نوفي ساد، في تشرين الثاني 2024.
وكانت المحطة، التي أنشئت ضمن مشروع صيني، تعاني من تفشي الفساد المرتبط بالنظام الحاكم، الأمر الذي دفع الطلاب في مختلف أنحاء البلاد إلى البدء بتنظيم تحركات احتجاجية.
وكانت صربيا قد شهدت في السابق العديد من الحركات الاحتجاجية، بما فيها الحركة التي أطاحت بسلوبودان ميلوشيفيتش في تشرين الأول عام 2000.
غير أن هذه الحركة اتخذت، على خلاف سابقاتها، أسلوبا تنظيميا متعمدا يحد من الإجراءات والتدابير التي يمكن للنظام اتخاذها ضدها. فلم يكن لها قادة، ولم يظهر فيها أي تسلسل هرمي واضح للقيادة.
كما لم تطرح مطالب سياسية فورية، باستثناء المطالبة بإنهاء الفساد. وعلى هذا الأساس، تمكنت الحركة من تنظيم احتجاجات جماهيرية ضخمة في بلغراد ومدن صربية أخرى.
وفي عام 2025، بدأ الطلاب بتنظيم مسيرات جابت مختلف أنحاء البلاد، وتوقفوا في القرى والبلدات، حيث كان السكان المتعاطفون معهم في المناطق الريفية يستقبلونهم في كثير من الأحيان بحفاوة وترحيب.
وعندما شرعوا في الاستعداد للانتخابات التي جرت يوم الأحد، تعمدوا عدم إدراج السياسيين البارزين أو أحزاب المعارضة القائمة ضمن «القائمة الطلابية».
والواقع أن عددا كبيرا من أعضاء هذه القائمة هم من الأكاديميين والأساتذة الجامعيين.
كما أن الحركة لم تكشف عن الشخصية التي يحتمل أن تتولى منصب رئيس الوزراء في حال فوزها بالانتخابات.
ردا على هذا الحراك الشعبي الواسع، استخدم نظام فوتشيتش جميع الأدوات التي باتت مألوفة اليوم لدى الأنظمة السلطوية الصاعدة. فقد شهدت العملية الانتخابية نفسها عمليات تلاعب واسعة النطاق، إلى جانب استبعاد العديد من الشخصيات التي تحظى بشعبية كبيرة.
ويعيش عدد هائل من الصرب خارج البلاد، وكان كثيرون منهم متعاطفين مع القائمة الطلابية، إلا أن الحكومة جعلت مشاركتهم في التصويت أمرا بالغ الصعوبة.
كما فرضت الدولة سيطرتها على معظم وسائل الإعلام التقليدية في صربيا، من خلال وضع الصحف والقنوات التلفزيونية في أيدي رجال أعمال نافذين موالين للنظام، الأمر الذي جعل إيصال المعارضة رسائلها إلى الجمهور أمرا بالغ الصعوبة.
ومع ذلك، يبدو أن الطلاب استفادوا بوضوح من التحول الجيلي الذي يشهده العالم في أنماط استهلاك وسائل الإعلام. فقد أصبح الشباب يحصلون على معظم معلوماتهم عبر الإنترنت، ومن مصادر تقع خارج نطاق سيطرة النظام، كما أتقنوا خلال عامين من الاحتجاجات فن تنظيم الحراك الجماهيري دون قيادة مركزية.
غير أنه بعد فوز القائمة الطلابية في الانتخابات البرلمانية، فإن الأساليب ذاتها التي مكنتها من تحقيق هذا الانتصار ستتحول إلى عبء كبير عليها. إذ ستصبح الأغلبية البرلمانية الجديدة مسؤولة فعليا عن إدارة شؤون البلاد وحكمها، وهي مهمة لا يمكن الاضطلاع بها من دون وجود هيكل قيادي واضح أو برنامج سياسي محدد وملموس.
لقد تمكنت القائمة الطلابية من استقطاب تحالف واسع من المؤيدين، لأنها لم تحدد بصورة واضحة طبيعة توجهاتها ونواياها. لكن من الواضح أن توترات وخلافات ستنشأ بين المجموعات المختلفة التي تدعمها.
كما أن النهج الانتخابي القائم على تجنب إشراك السياسيين القائمين وأعضاء الأحزاب الأخرى يعني أن أيا من أعضاء القائمة لا يمتلك خبرة فعلية في إدارة حكومة أو تسيير شؤون الدولة.
وقد أخفقت في نهاية المطاف حركات أخرى تأسست على منظمات المجتمع المدني، مثل الحركات التي شهدتها أوكرانيا عام 2004 ومصر عام 2011، بسبب عجزها عن الانتقال إلى مرحلة تحمل مسؤوليات الحكم وإدارة الدولة.
إن هذه التحديات الواضحة تدفعني إلى التساؤل عما إذا كان فوتشيتش قد تصرف بذكاء عندما أقر بالهزيمة بهذه السرعة.
فلو أنه حاول التشبث بالسلطة من خلال اللجوء إلى الأساليب المعتادة من ترهيب وتزوير، لواجه احتجاجات متواصلة لا تتوقف.وربما كان قد حسب أن القائمة الطلابية تشبه ذلك الكلب الذي ظل يطارد سيارة حتى أدركها أخيرا، لكنه لم يعرف ماذا يفعل بها بعد أن أمسك بها.
وقد يؤدي فشل عملية الانتقال إلى الحكم، في هذه الحالة، إلى تهيئة الظروف التي تسمح له وللحزب التقدمي الصربي بالعودة مجددا إلى السلطة.
نأمل ألا يكون الأمر كذلك.
وفي هذه المرحلة، يتعين على أصدقاء صربيا في الخارج تقديم كل أشكال الدعم الممكنة لها، مع التركيز بصورة خاصة على بناء وتعزيز قدرة القائمة الطلابية على إدارة الحكم.
وعلى الرغم من أن فوز القائمة الطلابية وعودة ماتشادو إلى فنزويلا يمثلان تطورين يبعثان على الأمل، فإن هناك عددا هائلا من الخطوات التي ينبغي اتخاذها في كلا البلدين خلال الأسابيع والأشهر المقبلة، حتى يتحول أي من هذين التطورين إلى انتصار ديمقراطي مستدام.
وفي غضون ذلك، يمكننا أن نستمتع بحقيقة أن روح الديمقراطية لا تزال حية في مناطق مختلفة من العالم.
أما الانتخابات الأهم على الإطلاق، فستجري في الولايات المتحدة، حيث ستتاح للناخبين الأمريكيين فرصة رفض الحزب الجمهوري الذي هيمن عليه دونالد ترامب، صاحب التوجه السلطوي اليميني.
وإذا حدث ذلك، فسيكون لدينا دليل واضح على أن الديمقراطية، خلافا للاعتقاد بأنها عقيدة آخذة في الاحتضار، لا تزال تمتلك القوة والحيوية في أجزاء عديدة ومختلفة من العالم.
*فرانسيس فوكوياما هو زميل أول يحمل كرسي أوليفييه نوميليني في جامعة ستانفورد. وآخر كتبه هو In the Realm of the Last Man (في عالم الإنسان الأخير). كما يكتب عمود «Frankly Fukuyama» الذي انتقل إلى منصة Persuasion امتدادا لعموده السابق في مجلة American Purpose.
|