*د.محمد المختار الخليل
*مركز الجزيرة للدراسات
مقدمة:يتكرر في الصحف وعلى ألسنة المحللين في وسائل الإعلام سؤال جوهري عما بعد وقف إطلاق النار في الحرب على إيران، وما المسارات المحتملة إذا انهارت مفاوضات السلام المتعثرة في إسلام آباد؟ قد لا يكفي الجواب المباشر على هذا السؤال لفهم المرحلة أو تفسيرها. فليست القضية ما إذا كنا بين سلام وحرب، بل السؤال الجوهري للفهم هنا عن طبيعة إدارة الصراع الذي يلي التفاوض، حالَ تعثره. فالوقف الحالي للحرب هو تعليق مشروط للعمليات وليس تسوية نهائية، وقد استجابت له واشنطن بناء على طلب الوسيط الباكستاني، وقيدته باستمرار الحصار على الموانئ والسفن الإيرانية، وهو ما عدته طهران خرقا للالتزامات الامريكية بشأن التفاوض الجاد. وهنا لابد أن ننتبه إلى أننا لسنا في وضعية ما بعد الحرب وما قبل التسوية بل في طور الإكراه والقسر الإستراتيجي المركب، الناتج عن دوافع الحرب أصلا ونتائجها المباشرة بعد أربعين يوما.
هذا السؤال الجوهري ينبني على فرضية انهيار المحادثات، وأن ما يليها لن يكون انتقالا آليا لحرب شاملة بل سيكون تحولا نحو طور جديد من الصراع المحدود، تتداخل فيه أدوات الضغط العسكري والاقتصادي، مع استمرار التفاوض المتقطع غير المباشر. وهذا ما يؤكده احتفاظ واشنطن بورقة الحصار البحري التي رأت فيها إيران إفراغا للتفاوض من الجدية، وردت عليها بتشديد قبضتها على مضيق هرمز، وفقا لاستثمار ما تملكه من أوراق ضغط.
هنا، نستحضر التجربة الامريكية في العراق وأفغانستان ما بعد 2003، لا لتطابق الحالة الإيرانية مع البلدين الجارين شرقا وغربا إبان الغزو الامريكي، بل لأن التجربتين تكشفان نمط السلوك الامريكي في الأزمات الكبرى المتشابهة، وتعطينا مؤشرات أو أنماط سلوك تساعد على الاستنتاج والترجيح.
أولا: في السياق
تتزامن في السياق الحالي أربع حقائق متواشجة جديرة بالتوقف والدرس قبل الخوض في الفهم والاستنتاج، أولها: إعلان واشنطن تمديد وقف إطلاق النار مع إبقاء الحصار البحري على الموانئ والسفن الإيرانية أو الأجنبية الواردة على تلك الموانئ أو الصادرة عنها. ثانيها: إعلان واشنطن أن الحصار لا يشمل باقي السفن أو الموانئ في المنطقة. وثالثها: اتخاذ إجراءات لإنقاذ السفن وردع الاعتراضات الإيرانية عليها. أما الرابعة، فرد إيران بأن الإجراءات الامريكية تقوض فعليا مسار التفاوض وتجعله غير ذي جدوى.
باستقراء آثار تلك الحقائق الأربع، ندرك أننا أمام وقف إطلاق نار يعيد ترتيب أدوات الصراع ولا يوقفه. لقد انتقلنا فقط من الضربات الجوية المتتالية المتتابعة إلى الضغط البحري، سبيلا للإكراه التفاوضي. وذلك ما يعني بديهة أن انهيار المحادثات، إن حدث، سيكون في سياق حرب وتصعيد، وفق أرضية ساخنة مهيأة للاشتعال في أي وقت، وليس في سياق تهدئة واستقرار، بما يعنيه ذلك من حاجة إلى استئناف التحضير والتحشيد للحرب.
ثانيا: مسارات وخيارات
في ضوء تلك الحقائق، ندرك أن دونالد ترامب يسعى لإعادة ترتيب أدوات الصراع بتثبيت مكاسب الضغط العسكري، بدل السعي لدخول بري عالي التكاليف وغير مضمون النتائج، أو الدخول في حرب مفتوحة ثقيلة الأعباء وعالية التكاليف على واشنطن وحلفائها في الإقليم أمنا واقتصادا. فهو يسعى لتحقيق استسلام تفاوضي، وذلك ما أدركته إيران، التي كررت على أكثر من لسان أنها لن تحقق لترامب في التفاوض ما عجز عنه في الحرب، وأنه يخطئ إن لم يضع نتائج حرب الأربعين يوما في الحسبان. فقد عجزت واشنطن عن أن تدفع طهران، خلال أربعين يوما من الحرب، لرفع الراية البيضاء.
حرب محدودة وممتدة
يمكن القول: إن انهيار المحادثات لن يقود فورا إلى العودة إلى الخيار الأسوأ والأقصى، خيار الحرب، بل سيقود إلى تصعيد مضبوط تحت سقف محدد، أي حرب محدودة الأدوات ممتدة الزمان، بضربات انتقائية ومواجهات مستمرة في المضيق وحواليه، ويصاحب ذلك مفاوضات غير مباشرة. هنا يكون المتغير متعلقا فقط بأدوات الحرب، فبدلا من القصف العنيف جوا واستهداف البنى التحتية، ستقتصر المواجهة على الحصار الاقتصادي والبحري والتهديد الدائم باستئناف الضربات الجوية واستهداف بنى الطاقة والتصدير.
هذا هو الخيار أو السيناريو الأرجح، وبمقتضاه تستأنف واشنطن، وحليفتها إسرائيل، ضرب مواقع مختارة، بحرية أو عسكرية أو لوجستية لإنهاك قدرات إيران دون الاندفاع لحرب شاملة كالغزو البري وحملة إسقاط النظام وفق المنظور التقليدي الكلاسيكي. وبالطبع سترد إيران بضربات محسوبة ومحدودة، تثبيتا للردع دون الانزلاق إلى حرب أوسع، وستوظف قدراتها في الاحتكاك البحري، وهي قدرات بدا أن لها فاعلية ونجاعة في الفترة الماضية. ولا يستبعد أن تزيد الضغط على الملاحة عن طريق حلفائها الحوثيين في مضيق باب المندب، على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر. لذلك، يمكن للحصار البحري أن يكون نموذجا لحرب محدودة ومتواصلة. فيكون قرار واشنطن اعتراض السفن بعيدا عن هرمز دليلا على سعيها لتقليل مخاطر الانفجار المباشر، مع إبقاء الضغط فعالا ومنتجا.
ولكن هذا الخيار، رغم سقفه المحدود على صعيد العمليات العسكرية، يظل خطرا بالنسبة إلى دول الخليج العربية. فيمكن أن تتحول الاحتكاكات في البحر إلى اشتعال الجبهات إقليميا، ويمكن لحادث غير مقصود أو تصعيد غير محسوب أن يقلب الصراع من حرب محدودة إلى حرب إقليمية شاملة؛ حيث ستكون هذه الدول عرضة لتأثيرات عالية المخاطر. وباستقراء سلوك الطرفين، وفقا لما مضى، ندرك أن هذا الخيار يناسبهما تماما. فمن ناحية، يتيح لواشنطن ممارسة الضغط بأقل كلفة سياسية داخلية. ومن ناحية أخرى، يناسب موقف طهران الذي يؤكد أنها لم تهزم ولن تخضع، وذلك لحيازتها أدوات ضغط وردع. لكن هذا الخيار خطير على الإقليم بما يحمله من إطالة أمد التوتر والقلق وعدم اليقين وتحويل المنطقة إلى ساحة صراع مستدام واستنزاف مفتوح. فمنع التصدير وتعطيل التوريد ينذر بأزمة اقتصادية تشتد يوما بعد يوم.
الانهيار والانفجار
هذا المسار يعني انهيار المفاوضات والرجوع السريع إلى خيار الحرب الشاملة بوتيرة عالية ونَفَس انتقامي. ستشمل أهداف الحرب، إضافة إلى البنى العسكرية وخاصة الصاروخية والنووية والبحرية، محطات الطاقة والمياه، ومساحة مضيق هرمز لتحويلها إلى ساحة عمليات مدمرة. يحتاج هذا المسار إلى تضافر ثلاثة شروط، أولها: إعلان فشل التفاوض، وثانيها: تنفيذ إيران ردا نوعيا عالي الكلفة لم يكن في الحسبان، وثالثها: السعي الإسرائيلي مجددا لدفع المشهد إلى نقطة اللاعودة في هذه الحرب التي تعدها إستراتيجية وغير قابلة للتكرار بهذا الحجم. ويدعم الخطاب الامريكي عالي النبرة هذه الأيام هذا الخيار، بالتركيز على منطق الضغط الأقصى المسنود بالقوة الناجزة، والتأكيد على أن التهدئة لم تنه الحرب وإنما جمدتها مؤقتا في انتظار نتائج مرضية.
ما يؤخر المضي في هذا الخيار، تكلفته العالية على الولايات المتحدة، سياسيا وماليا وعلى مستوى تحالفاتها الدولية. فاستئناف العمليات العسكرية وتصعيدها سيؤدي إلى انهيار أسواق الطاقة وتعطيل التجارة البحرية ورفع أسعار البترول ومشتقاته إلى أعلى المستويات، وسيعيد دول الخليج العربية إلى دائرة الخطر والاستهداف المباشر، بدلا من التأثير غير المباشر الناتج عن الضغط الاقتصادي، كما في خيار الحصار البحري والحرب المحدودة.
التفاوض القسري
يقتضي هذا الخيار أو السيناريو، العودة إلى التفاوض بعد انهياره؛ حيث يصبح الانهيار أداة دافعة لاستئناف المفاوضات بدل وقفها. فالتصعيد هنا لا يكون بديلا عن التفاوض بل أداة ضغط تجر إليه قسرا وتؤديه كرها. وتكون الهدنة قابلة للتمديد وإعادة التدوير بصيغ شتى، تقود إلى التحرك خطوة بخطوة، كالتخفيف الجزئي مقابل الالتزام الجزئي، وشراء الوقت مع استمرار التفاوض تحت النار. هذا الخيار واقعي ويعضده سلوك التفاوض الأخير، فالطرفان لم يغلقا باب التفاوض نهائيا رغم تباعد المواقف وتباين التقييمات، بل أبقيا الباب مفتوحا عبر الوسطاء مع استمرار التصعيد الخطابي وجاهزية الحشد العسكري.
في هذا السيناريو، لن يكون استئناف التفاوض عودة لما قبل الحرب بل الانتقال إلى قواعد جديدة للتفاوض، ترسم حدوده وتحدد مساراته وترتب أولوياته وتقيم نتائج الحصار وقدرة طهران على الصمود. ولكن هذا السيناريو يتوقف أيضا على قدرة ترامب على تحمل تبعاته الاقتصادية والسياسية، لاسيما في الداخل الامريكي، مع اقتراب موعد الانتخابات النصفية.
ثالثا: الدرس العراقي
يعلمنا الدرس العراقي في السلوك الامريكي سهولة الانتقال من هدف محدود وبسيط في ظاهره، إلى مشروع واسع متشعب غير محسوب العواقب ولا محدد القواعد. لقد جرى تسويق الغزو الامريكي للعراق، عام 2003، على أنه عملية جراحية تستهدف القضاء على أسلحة الدمار الشامل، وأن الأمر سيقتصر على عملية محدودة تبدأ بإسقاط النظام وتنتهي ببناء ديمقراطية وتحقيق الاستقرار في المنطقة. وعشية اندلاع الحرب، أجمل جورج بوش أهداف الحرب في تحرير العراق من الديكتاتورية وتحويله إلى دولة ديمقراطية خالية من أسلحة الدمار الشامل.
لكن، ما جرى بالفعل كان خلاف تلك الأهداف الواضحة والمحدودة. فقد تحولت الحرب على العراق إلى مسار احتلال وإدارة للحكم وإعادة تركيب للمؤسسات المدنية والعسكرية، في عملية طويلة ومعقدة. فجرى تفكيك الدولة، وتفجير الصراعات الطائفية والمذهبية، وتخريب نسيج المجتمع العراقي.
لم تكن مشكلة واشنطن هنا في تغيير الأهداف، وإنما في أن أهدافها المعلنة لا تتطابق مع نتائج أفعالها وسلوكها أثناء الحرب وبعدها. فكثيرا ما تتولد لها أهداف جديدة من منطق الحرب نفسها، وهو ما يعني أن الرؤية الإستراتيجية للحرب كانت مستبطنة غير معلنة، أو تطورت في سياقات الحرب ولم يكن مخططا لها، أو تجمع كل ذلك.
وبالنظر إلى العواقب، سندرك أن واشنطن كذبت في الدوافع والأهداف. فلم يكن لدى العراق سلاح دمار شامل، ولم تبْنَ ديمقراطية بعد الحرب بل استبدلت بديكتاتورية النظام الذي أسقطته منظومة حكم طائفي. وأعادت بناء الدولة وفق مصالحها الإقليمية، وحولتها إلى ساحة يلتقي فيها الغريمان، إسرائيل وإيران، في وضع إقليمي يعيش حالة سيلان ما زالت آثاره مستمرة إلى اليوم.
على غرار ما حدث في العراق، تغيرت أهداف واشنطن في إيران أكثر من مرة، واستقرت اليوم على تقييد قدرات إيران، أو الوصول إلى صفقة نووية معها، أو تحقيق الهدفين معا. لكن ذلك لا يمنع من تحول الأهداف مجددا، باستصحاب نية أصلية غير معلنة، أو بسبب التصعيد الميداني وتغير مسار الحرب ونتائجها.
هنا يتضح أن الانطلاق من فرضية وضوح الخيارات تبعا للأهداف المعلنة قراءة سطحية ومضللة ونتائجها غير واضحة ولا دقيقة. فنتائج الدرس العراقي واضحة، تقول: إن منطق التدرج في التصعيد قد يبتلع صانعي القرار أنفسهم، فيتحولون بأهدافهم ورؤاهم إلى خيارات خطيرة لم تكن في الحسبان عند المنطلق.
النظر إلى تكلفة الحروب الامريكية بعد الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، التي فاقت تريليونات الدولارات، وفقا لدراسات "مشروع أثمان الحرب" في جامعة براون، يؤكد أن سلوك المؤسسة الامريكية أصبح أكثر حذرا إزاء الحروب الطويلة التي تؤدي إلى الاحتلال المباشر وتفكيك الدول وإعادة تركيبها. وهذا ما يدعم فرضية أن واشنطن في حربها الحالية على إيران تفضل خيار الحرب المحدودة المصحوبة بالضغط الاقتصادي من خلال الحصار البحري والجوي، بدل الانخراط في حرب واسعة وتكرار تجربتها في العراق.
رابعا: الدرس الأفغاني
خاضت الولايات المتحدة حربها على أفغانستان بداية من العام 2001، بهدف إطاحة حكم طالبان وحلفائها في تنظيم القاعدة وإقامة نظام موال يقوده حلفاؤها. واحتاجت واشنطن عشرين عاما لتتبين أن تلك الأهداف لم تتحقق، وأن الحل يكمن في التفاوض مع حركة طالبان وعودتها للحكم والوصول معها إلى صيغة تنهي العداوة معها.
أنهى اتفاق الدوحة، عام 2020، تلك الحرب بعكس نتائجها تماما إذا ما نظرنا إليها بمنطق الأهداف التي انطلقت منها. وهذا يؤكد أن امريكا تدخل الحرب بأهداف وتنتهي بأهداف أخرى تبتلع صانع القرار أو تحوله عن الجهة التي انطلق منها. فقد استعادت طالبان الحكم باتفاق سحبت فيه واشنطن الشرعية التي بَنَتْها في كابل على مدى عقدين، وأعادتها للغريم الذي شنت الحرب بهدف القضاء عليه. فلم تحقق واشنطن أيا من الأهداف التي أعلن عنها جورج دبليو بوش في بداية الحرب.
من هنا، ندرك أن واشنطن تدخل التفاوض في الحالة الإيرانية لإنجاز ترتيبات أقل كلفة، وليس بحثا عن سلام حددته وفقا لأهدافها التي أعلن عنها ترامب قبل الحرب. لذلك، ستبقى واشنطن رهينة أهداف تتحكم فيها الرغبة في احتواء الكلفة، وقد تتخلى عنها تباعا لتبقى في الحدود التي يرسمها واقع المواجهة، وليست في حدود الإستراتيجية التي وضعتها قبل انطلاق المواجهة. فبعد الفشل في تحقيق هدف تغيير النظام، بات هدف الحصول على اليورانيوم المخصب أولوية قصوى، تتقدم على ما سواها من أهداف، من قبيل تقييد القدرات الصاروخية وتفكيك شبكات الوكلاء الإقليميين.
بالتالي، ووفقا للدرس الأفغاني، ستسعى واشنطن إلى إيجاد إطار تفاوض يحقق لها السلام ويخلصها من المأزق الذي انتهت إليه الحرب. ففشل التفاوض لا يعني أن السلام غير ممكن بل يعني أن الإطار التفاوضي المتبع إلى حد الآن غير كاف لتحقيق الهدف؛ ما يعني السعي لبناء إطار تفاوضي جديد يحقق السلام طال الزمن أم قصر.
خامسا: قياس مع وجود الفوارق
على الرغم مما يمكن إيجاده من تشابه بين الحالة الإيرانية والنموذجين، العراقي والأفغاني، عند قراءة سلوك الإدارة الامريكية، تبقى الفوارق مهمة وينبغي أخذها بعين الاعتبار. فإيران 2026 ليست عراق 2003 ولا أفغانستان 2020. إيران أكبر من البلدين منفردين ومجتمعين على جميع المستويات. ونظامها يقوم على مؤسسات فاعلة ومتماسكة وقوية، مدعومة بموقع جيوسياسي فريد وأدوات ردع صاروخية متطورة.
ولديها قوة بحرية فاعلة وشبكات نفوذ إقليمية ممتدة. إلى جانب ذلك، مسرح عملياتها مؤثر في سوق الطاقة وطرق التجارة العالميتين، وبإمكانها التحكم في 20% من الأولى و30% من الثانية. وهذا ما يرجح القول بأن خيار واشنطن يتجه للإكراه المتدرج بعيدا عن الحسم بالقوة عبر الاحتلال وإسقاط النظام وتفكيك الدولة.
وبالرجوع إلى منطق الكلفة، الذي تريد واشنطن التخلص منه، فقد بينت الحرب أن طهران قادرة على أن تفرض كلفا عالية في الطاقة والملاحة والاقتصاد والسياسة، تؤثر من خلالها في معادلات إقليمية وعالمية كثيرة، بما في ذلك الداخل الامريكي.
خاتمة
لسنا في لحظة يتفق فيها الجميع على ترتيبات يصنعها التفاوض بعد الفشل في الحرب، بل نحن في لحظة تتداخل فيها المفاوضات المتعثرة، مع الحصار الاقتصادي والبحري، مع ضغط الحشد العسكري المتزايد، إلى جانب حركة دبلوماسية مكثفة تتجلى في وساطات إقليمية فاعلة ومعنية تماما بالوصول إلى حل. يقودنا هذا المشهد المركب إلى تغليب سيناريو الحرب المحدودة الممتدة زمنيا على سيناريو الحرب الشاملة أو السلام النهائي والمستقر. فهذه لحظة ضغط متبادل، تحت سقف هدن هشة، تجعلنا، في ضوء التجربة الامريكية السابقة في كل من العراق وأفغانستان، نميل إلى أن واشنطن تريد إدارة التصعيد بأقل الكلف، بعيدا عن مغامرات الحسم الشامل التي جربت في البلدين، فكانت النتيجة هزيمة إستراتيجية، قياسا على الأهداف المعلنة. لذلك، لا يرجح أن تتطور الأحداث في اتجاه مسار يبنى على ثنائية حرب أو سلم بل على ما يقتضيه تفاوض متعثر في سياق حرب مضبوطة، أو حرب محدودة تعيد إنتاج التفاوض وفق قواعد الضغط والإكراه المتبادل.
*د.محمد المختار الخليل:مدير مركز الجزيرة للدراسات.