مسؤولية وطنية لا تحتمل التأجيل
اضافة الى تحديات خارجية، يقف اقليم كردستان ايضا امام اختبار داخلي لا يقل خطورة، يتمثل في طبيعة ادارة السلطة، ومفهوم الشراكة، والقدرة على تقديم المصلحة الوطنية على المصالح الحزبية والشخصية، فالتاريخ يعلمنا ان الكيانات السياسية لا تنهار دائما بفعل الاعداء، بل كثيرا ما تضعف من الداخل عندما تتراجع المسؤولية الوطنية لصالح التفرد، وتغيب الشراكة لتحل محلها عقلية الهيمنة، ويتحول الاهتمام من بناء المؤسسات الى اثراء الذات.
لقد جعل الاتحاد الوطني الكردستاني الكرة في ملعب القوى السياسية الاخرى عندما تمسك بمبدأ واضح لايقبل المساومة، وهو ان وحدة الصف الكردي، والشراكة الحقيقية في الحكم والقرار، ونبذ التفرد والتسلط، ورفض التمييز بين المناطق والمواطنين، تمثل جميعها ضمانة لحماية الكيان الدستوري لاقليم كردستان، وهذه ليست شعارات انتخابية ، ولا مواقف ظرفية تفرضها الحسابات السياسية، بل هي استراتيجية وطنية ثابتة تنطلق من قناعة راسخة بان طبيعة الحكم في الاقليم لا يمكن ان تستقيم الا على اساس الشراكة والعدالة واحترام الجميع .
الاستمرار في نهج التفرد واحتكار القرار، والانشغال باثراء الذات على حساب المصلحة العامة، لاينتج سوى مزيد من الازمات،فهذه السياسة لم تحقق النجاح في اي تجربة سياسية عبر التاريخ، بل كانت دائما طريقا الى الانقسام، وسببا في اضعاف المؤسسات، ومدخلا لخسارة ثقة المواطنين، وانتهت في كثير من الدول الى نكسات دفعت شعوبها ثمنا باهظا لها.ما يزيد من خطورة هذا النهج انه يبعث برسالة سلبية الى الداخل والخارج مفادها ان حماية النفوذ الشخصي اصبحت اهم من حماية الكيان الدستوري ومستقبل الاقليم.
اقليم كردستان،احوج ما يكون اليوم الى عقلية الدولة، لا عقلية الغلبة، والى قيادة تستشعر المسؤولية الوطنية والتاريخية، لا قيادة تنشغل بحسابات المكاسب الضيقة، فالحفاظ على سمعة الاقليم بوصفه واحة للديمقراطية والاستقرار والازدهار، وصيانة حقوق مواطنيه، وتعزيز وحدته الداخلية، كلها مسؤوليات لا تحتمل التأجيل ولا تقبل المساومة.
مقتضيات اللحظة الراهنة تفرض على الجميع الاختيار بين مشروعين لا ثالث لهما: مشروع يؤمن بالشراكة والوحدة وسيادة القانون واحترام جميع المواطنين دون تمييز، ومشروع يقوم على التفرد والتسلط واثراء الذات، وهو مشروع لن يورث اصحابه سوى العزلة السياسية، وسيترك للاجيال القادمة ارثا ثقيلا من الازمات والانقسامات.
سيظل التاريخ، كما كان دائما، الحكم الاخير بين الرجال والمواقف، فهو لا يخلد من جمع الثروات، ولا من احتكر السلطة، بل يخلد من حمل راية المسؤولية الوطنية، وصان الكيان الدستوري، ووضع مصلحة شعبه فوق كل اعتبار.
اما الذين جعلوا من السلطة وسيلة لاثراء الذات، وتعاملوا مع مصير الاقليم بلامبالاة، فلن يجدوا في ضمائر الشعب وصفحات التاريخ سوى دروس قاسية تؤكد ان الاوطان تبنى بالتضحية والشراكة، لا بالهيمنة والمكاسب العابرة وغير المشروعة.
|