×

  رؤا

ترجمات.. عن اسباب التصعيد العسكري الامريكي-الايراني أثناء المفاوضات

27/07/2026

إميلي هاردينغ:

    مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)/الترجمة والتحرير: محمد شيخ عثمان

تتأرجح إيران والولايات المتحدة بين فترات من القتال والهدوء. وفي كل مرة يطلق فيها أحد الطرفين النار، يعلن المعلقون فشل المفاوضات. لكنهم مخطئون. فبالنسبة لكلا الجانبين، يُعدّ القتال بالتزامن مع الحوار، أو ما يُعرف بـ"الحوار والقتال"، أنجع السبل لتحقيق مصالحهما. ومن المفارقات، أنه على الأرجح أسرع طريق نحو السلام.

جادل كارل فون كلاوزفيتز، رائد الاستراتيجية الكبرى، بأن الحرب هي استمرار للسياسة بوسائل أخرى.

فالعنف والدبلوماسية ليسا نقيضين، بل أدوات تُستخدم لتحقيق الأهداف نفسها. فعندما تطلق إيران النار على ناقلة نفط، وتقصف الولايات المتحدة منشآت موانئ إيرانية، وتطلق إيران صواريخ على دول خليجية مجاورة كالكويت وقطر، فإنها بذلك تُمارس حوارا سياسيا باستخدام العنف. إنها لا تُوقف المفاوضات، بل تُواصلها.

إنّ أسلوب "الحوار والقتال" في التفاوض غير منطقي. فالنظرة التقليدية للمفاوضات تقوم على فكرة أن الدبلوماسيين يقضون أسابيع، بل شهورا، في محاولة لإقناع الأطراف بالموافقة على وقف إطلاق النار، انطلاقا من اعتقادهم بأنّ وقف القتال سيتيح لهم الوقت والمساحة الكافية للتفاوض على إنهاء دائم للنزاع.

 لكن في الواقع، تُهدر شهور في مناقشات حول الشروط المسبقة والتفاوض حول المفاوضات نفسها. ومن الأمثلة الشهيرة على ذلك، أن أطراف حرب فيتنام أمضت عشرة أسابيع في جدال حول شكل طاولة المفاوضات في باريس. وإذا تعثّرت المفاوضات ووقع إطلاق نار، تبدأ العملية من جديد بخطوات بطيئة ومملة نحو وقف إطلاق النار. هذا النهج بطيء وهشّ للغاية.

في كثير من الحالات، لا يملك أي من الطرفين حافزا يُذكر لوقف إطلاق النار. فالطرف الذي يمتلك زمام المبادرة في ساحة المعركة لا يرغب في إهدارها، أما الطرف الآخر الخاسر فغالبا ما يسعى لمواصلة القتال لتحقيق "موقع قوة" يصعب تحديده، والذي يمكّنه من التفاوض. وهذه المواقع يصعب تحديدها ونادرا ما تتحقق.

إذا ما تم التوصل إلى وقف إطلاق النار، بمعجزة، فإنّ من يُعرقلون المفاوضات يمتلكون فجأة زمام الأمور. فمحاولة أي طرف مارق تقويض المفاوضات، أو تدخل طرف ثالث، أو سوء فهم أو خطأ، قد يؤدي إلى تجدد القتال. وإذا بُنيت المفاوضات على أساس هشّ من عنف بالكاد يُسيطر عليه، فإنّ ذلك يُنذر بالاضطرابات والمشاكل.

البديل هو الصراع عبر الحوار، وهو ما نشهده فعليا بين الولايات المتحدة وإيران. تستمر السياسة بالوسائطتين معا: الحرب والحوار. تتواصل الأطراف بالعنف وبالدبلوماسيين أيضا. يُظهر العنف إرادة سياسية، واستياء، وتهيئا لمزيد من التنازلات. أما الحوار فيسعى إلى إيجاد أرضية مقبولة لإنهاء القتال، إنهاء حقيقيا.

لجأت إيران والولايات المتحدة إلى أسلوب المواجهة الكلامية لأسباب براغماتية. فقد صرّح الرئيس ترامب بأن العداء الإيراني تجاه الملاحة البحرية سيُقابل بقوة ساحقة، مُشيرا بذلك إلى تصميم الولايات المتحدة وقوتها العسكرية الهائلة، ومحاولا إجبار إيران على الرضوخ لتفوقها الناري من خلال تقديم تنازلات.

 في المقابل، تُريد إيران تذكير العالم بقدرتها على إغلاق مضيق هرمز متى شاءت، مُشيرة إلى أن الوقت في صالحها. وتسعى إيران إلى استغلال هذا النفوذ للحصول على أفضل الشروط الممكنة. علاوة على ذلك، تُعرف إيران بصعوبة التفاوض معها، فهي تتمتع بالصبر الكافي لتجاوز نظرائها، والقوة الداخلية التي تُمكنها من تجاهل معاناة شعبها، وسجل حافل بالنجاح في المفاوضات . لذا، بالنسبة لكلا الجانبين، يُعد تبادل التهديدات بمثابة إيصال قوي لمصالحهما السياسية، حتى في ظل استمرار المفاوضات.

مع ذلك، ينطوي هذا النهج على مخاطر. فمن الواضح أن العنف أشد وطأة من السلام على السكان المتضررين. صحيح أن عدد الضحايا منخفض نسبيا في هذه الحالة، إلا أن عددا كبيرا منهم من المدنيين. علاوة على ذلك، يعاني الاقتصاد العالمي من موجات عدم استقرار حادة نتيجة كل موجة عنف. قد تبعث الحرب برسالة قوية، لكنها بالنسبة للشعوب مدمرة.

بالنسبة للأطراف، قد تُبالغ طهران في تقدير صبر واشنطن، مما قد يُؤدي دون قصد إلى رد فعل أمريكي عنيف. فقد أعرب ترامب وأعضاء بارزون في إدارته مرارا وتكرارا عن استعدادهم لاستهداف مواقع عسكرية قريبة من المناطق المأهولة، والتي من شأنها التأثير على السكان المحليين، مثل الجسور والمواقع النفطية، بما في ذلك جزيرة خارك ، الأمر الذي قد يُهدد أي أمل في انتعاش اقتصادي لسنوات قادمة.

 وقد تُقلل الولايات المتحدة من شأن قدرة إيران على الصمود في وجه الهجمات المتواصلة فبالنسبة للنظام الإيراني، يُعدّ الشعور بالانتصار أمرا بالغ الأهمية لبقائه. ولا يُبالي النظام كثيرا بتضرر الاقتصاد العالمي، ففي نهاية المطاف، وبفضل نظام العقوبات الشامل المفروض منذ عقود، تُعتبر إيران معزولة إلى حد كبير عن النظام المالي العالمي. وقد تُماطل إيران أكثر من الولايات المتحدة، التي تتوق لرؤيتها تُضخ الأموال والذخائر في هذا الصراع. كما أن حلفاءها في موسكو وبكين سعداء بذلك أيضا.

يُشير المعلقون بجدية إلى خطر آخر: احتمال تصاعد القتال. عادة ما يُبالغ في تقدير هذا الاحتمال. صحيح أن كل طرف قد يُصعّد الموقف في حال تحوّل الحوار إلى مواجهة، لكن هذا الاحتمال أقل ترجيحا مما هو عليه عندما يكون القتال محتدما ولا توجد مفاوضات جارية. وكما توجد دوافع للقتال، توجد أيضا دوافع لاحتوائه.

ينبغي أن تستمر المفاوضات بعزمٍ راسخٍ على عدم التعرّض لأيّ تعطيل. ستسعى هذه الأطراف تحديدا جاهدة لتحقيق مكاسب داخل طاولة المفاوضات وخارجها، ويعتقد كلاهما أن العنف أداة مشروعة. إنّ أسرع سبيل لتحقيق سلام حقيقي لشعوب الخليج وعودة الاقتصاد العالمي إلى وضعه الطبيعي نسبيا هو مواصلة الحوار، مهما كانت الظروف.

*إميلي هاردينغ هي مديرة برنامج الاستخبارات والأمن القومي والتكنولوجيا ونائبة رئيس قسم الدفاع والأمن في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن العاصمة.

 

  مواضيع أخرى للمؤلف
←  ترجمات.. عن اسباب التصعيد العسكري الامريكي-الايراني أثناء المفاوضات
←  مسؤولية وطنية لا تحتمل التأجيل
←  ترجمات...الفصل الثاني من اتفاقيات أبراهام
←  الايكونوميست: واشنطن وطهران تتنافسان على النفوذ في العراق
←  رويبضة العصر الرقمي
←  ترجمات:إحياء لذكرى ليندسي غراهام
←  ​بين مسدس ستارمر... وثراء السلطة في العراق-2-
←  بين مسدس ستارمر... والسلاح المنفلت في العراق-1-
←  وقائع المؤتمر الصحفي للرئيس الامريكي مع رئيس مجلس الوزراء العراقي
←  ترجمات--/ فورين بوليسي : لم تكن ضربة قاضية، لكن واشنطن فازت بالنقاط
←  ترجمات: الذكرى السنوية الـ 250 لاعتماد إعلان الاستقلال
←  ترجمات--باكيرهان:الكرد لا يستطيعون انتظار ربيع آخر أو سلطة أخرى
←  ترجمات--اوغلاري:نهجنا هو طريق السلام و العدالة والديمقراطية
←  ترجمات.. المجلس الاطلسي:تباين المصالح الأمريكية والإسرائيلية في الحرب مع إيران
←  أمراء الغلول.. ثروات السلطة وفقر الشعوب
←  صلاح الدين دميرتاش: اقتربت اللحظة، ولم يبق إلا القليل
←  ترجمات: القانون الإطاري عتبة مهمة سترسم ملامح مستقبل تركيا
←  هيرو خان ..سيرة امرأة صنعت التاريخ ولم تساوم
←  ترجمات:الولايات المتحدة وإيران.. من حرب متجددة إلى شفا السلام
←  كوندوليزا رايس:ما أنجزته الولايات المتحدة في إيران
←  دلفي في قلب السليمانية..العالم يناقش مستقبله
←  فرانسيس فوكوياما:أوكرانيا وإيران تغيران طبيعة الحرب..انتباه
←  مجلة"نيوزويك": ماذا يتضمن الاتفاق مع إيران؟
←  الرئيس مام جلال والعمل البرلماني.. حصن ضد الاستبداد وجسر للوحدة الوطنية
←  بين صخب المنابر وصمت الشراكة: لماذا لا تنتج الحرب الإعلامية نصرا سياسيا في كردستان؟
←  ​الاتحاد الوطني الكردستاني… صمام أمان عراق ما بعد 2003
←  السفاهة كاداة للتسلط… وتبرير الفشل والاخفاقات
←  الصحافة الكردية… من "صوت القضية" إلى "ركيزة الحكم الرشيد"
←  عن هستيريا التسلط وإنكار الهزيمة
←  نزار آميدي رئيسا..امتداد لإرث مام جلال
←  الاستقرار في سوريا..بين الدبلوماسية والهمجية
←  وحدة الاراضي… شعار غادر لقمع وابادة المكونات غير العربية
←  لامبارك استمع لعادل إمام… ولا صدام اقتدى بنصيحة مام جلال
←  رسالة لمن طغى …!!
←  حصاد المرصد لعام متشابك ومضطرب
←  زيارة البرزاني الى تركيا : دروس ورسائل
←  الاستفتاء .. رفض البدائل الدولية والمجازفة بالمكتسبات
←  جسر كردي-عربي واقليمي في قلب التحالف الديمقراطي
←  دونالد ترامب:بداية عصر جديد مثير من النجاح الوطني
←  شاناز إبراهيم أحمد:التآم جروح التاريخ.. تكريم ضحايا جينوسايد الأنفال
←  جريمة فردية وليست فتنة
←  قرارات منع اللغة الكوردية.. خلل عابر أم محاولات ممنهجة ؟
←  حيّ على الالتزام والوئام
←  الاغتيال المقنَّع ..رسالة دم الى الشارع
←  شتان بين تسليم السلاح او حرقه
←  -ترجمات- تولاي حاتم أوغلاري :​نحن على أعتاب لحظة تاريخية
←  عائشة غول: سنكون في السليمانية لحدث تاريخي
←  صحيفة "ميلليت"التركية:ماذا حدث على ارتفاع ​852 مترا ؟
←  مجلة تايم:شرق أوسط جديد يتكشف أمام أعيننا
←  الأمير تركي الفيصل:لا ينبغي للسيد ترامب أن يتبع معايير مزدوجة
←  موديرن دبلوماسي: شي جين بينغ يتخطى البريكس.. توبيخ صامت لكتلة متصدعة؟
←  حصاد النصف الاول من العام
←  تونجر بكرهان :إنها فرصة الجميع لإرساء الديمقراطية في تركيا
←  فورين افيرز :ترامب وكيفية انهاء مهمته في إيران والشرق الأوسط
←  تونجر بكرهان: ضمان الأمن بالمساواة والعدالة وليس بمزيد من التسلح
←  نيويورك تايوز:آية الله الخامنئي لديه خطة
←  موديرن دبلوماسي:الصين و تصاعد انتشار القواعد الأمريكية في الخليج والشرق الأوسط
←  بولدان: العملية السلمية دخلت مرحلة جديدة وتقتضي ​تفعيل البرلمان
←  بيان حقائق للبيت الأبيض:خبراء يؤكدون التدمير الكامل للمنشآت النووية الإيرانية
←  ترجمة خاص...بهتشلي يحذر من تطورات الحرب ويدعو لدعم مبادرة حل «الكردستاني»
←  بولدان: مجلس الأمة التركي الكبير امام مسؤوليات تاريخية
←  ترجمة خاص...الدروس الكبرى من 12 يوما من الحرب مع إيران
←  ترجمة خاص...الحرب الإسرائيلية الإيرانية: انتهت ولكن لم تُحل
←  الفيلسوف الروسي ألكسندر دوغين:حـــــرب عــــــالمية ثالــــــثة
←  ترجمة...مارك روته:العالم بحاجة إلى حلف ناتو أقوى
←  ريسبونسبل ستيت كرافت:العراق على حافة الهاوية بين إيران والمصالح الامريكية في حرب جديدة
←  صلاح الدين دميرتاش :"حان وقت الشجاعة وليس التحدي"
←  فورين افيرز: ترامب بين دخول الحرب او منع تصعيد كارثي
←  تقييم الوضع والمعضلات وتداعيات الحملة ضد إيران..(رؤية اسرائيلية)
←  ذي ناشنال:الخلاف بين بغداد وكردستان لا يقتصر على الطاقة فحسب
←  ناشيونال انترست:العراق في مرمى نيران الحرب الإسرائيلية الإيرانية
←  مظلوم عبدي: انها مرحلة تاريخية وعلى الكرد التكاتف واخذ مكانتهم
←  فورين افيرز:أمريكا على حافة كارثة في الشرق الأوسط
←  ديفيد إغناتيوس:مهمة إسرائيل في إيران تتسلل إلى تغيير النظام
←  ناشيونال انترست: الصراع الإسرائيلي الإيراني واعادة تشكيل الشرق الأوسط
←  الاتحاد الوطني.. صوت العقل في وجه عواصف الحروب
←  ترجمات / فورين بوليسي: سيناريوهات لنهاية الحرب الإسرائيلية الإيرانية
←  ترجمات / كينيث م. بولاك:خيار طهران الأخطر للرد على إسرائيل
←  ترجمات: تصعيد يضع الشرق الأوسط على حافة الانفجار
←  ترجمات/ نيويورك تايمز:احتمالات تحول الصراع الإسرائيلي الإيراني إلى مزيد من الاضطرابات
←  ترجمات : هل الحرب في الشرق الأوسط باتت وشيكة؟
←  ​موديرن دبلوماسي :الصين تتدخل في الصراع الإسرائيلي الإيراني مع ظهور الدعم الأمريكي
←  ترجمات: الموساد والخطة الأساسية للحملة العسكرية
←  ترجمات/ مايك واتسون:فرض السلام بالقوة
←  الغارديان: إسرائيل وإيران.. هل الصراع مرشح أن يدوم طويلا؟
←  فورين افيرز: توازن القوى الجديد في الشرق الأوسط..أمريكا وإيران والمحور العربي
←  من ضفاف الدجلة والفرات إلى شواطئ نيس
←  كلمة تولاي حاتم: لدينا فرصة تاريخية لحل مشكلة عمرها 100 عام
←  فورين بوليسي: إيران ليست ضعيفة
←  بين انجازات عظيمة ومهام اكثر
←  الرئيس مام جلال.. وضرورات تأسيس الاتحاد الوطني وحماية ثقله الاستراتيجي
←  الرئيس بافل وخطابات تجديد العهد وتصحيح المسار
←  ترجمة وتحرير...أحمد أوزر:أنا هنا لأنني كردي
←  ترجمة وتحرير..بكرهان: نشهد عملية تاريخية في الشرق الأوسط والعالم
←  ترجمة وتحرير..تولاي حاتم أوغولاري: لدينا مسؤولية كبيرة تجاه شعبنا
←  ترجمة وتحرير:السلام يعني تركيا ديمقراطية.. فرص مهمة ومخاطر جدية
←  ترجمة وتحرير: عن وجود القوات الأمريكية وقوات التحالف الدولي في العراق
←  الرئيس مام جلال ونهجه الراسخ للحل السلمي للقضية الكردية في تركيا
←  من مام جلال إلى رشيد:​رئاسة كردية للقمة العربية ...رسائل ومعان
←  بغداد.. اربع ​قمم ومفارقات أربع
123