ترجمات.. عن اسباب التصعيد العسكري الامريكي-الايراني أثناء المفاوضات
إميلي هاردينغ:
مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)/الترجمة والتحرير: محمد شيخ عثمان
تتأرجح إيران والولايات المتحدة بين فترات من القتال والهدوء. وفي كل مرة يطلق فيها أحد الطرفين النار، يعلن المعلقون فشل المفاوضات. لكنهم مخطئون. فبالنسبة لكلا الجانبين، يُعدّ القتال بالتزامن مع الحوار، أو ما يُعرف بـ"الحوار والقتال"، أنجع السبل لتحقيق مصالحهما. ومن المفارقات، أنه على الأرجح أسرع طريق نحو السلام.
جادل كارل فون كلاوزفيتز، رائد الاستراتيجية الكبرى، بأن الحرب هي استمرار للسياسة بوسائل أخرى.
فالعنف والدبلوماسية ليسا نقيضين، بل أدوات تُستخدم لتحقيق الأهداف نفسها. فعندما تطلق إيران النار على ناقلة نفط، وتقصف الولايات المتحدة منشآت موانئ إيرانية، وتطلق إيران صواريخ على دول خليجية مجاورة كالكويت وقطر، فإنها بذلك تُمارس حوارا سياسيا باستخدام العنف. إنها لا تُوقف المفاوضات، بل تُواصلها.
إنّ أسلوب "الحوار والقتال" في التفاوض غير منطقي. فالنظرة التقليدية للمفاوضات تقوم على فكرة أن الدبلوماسيين يقضون أسابيع، بل شهورا، في محاولة لإقناع الأطراف بالموافقة على وقف إطلاق النار، انطلاقا من اعتقادهم بأنّ وقف القتال سيتيح لهم الوقت والمساحة الكافية للتفاوض على إنهاء دائم للنزاع.
لكن في الواقع، تُهدر شهور في مناقشات حول الشروط المسبقة والتفاوض حول المفاوضات نفسها. ومن الأمثلة الشهيرة على ذلك، أن أطراف حرب فيتنام أمضت عشرة أسابيع في جدال حول شكل طاولة المفاوضات في باريس. وإذا تعثّرت المفاوضات ووقع إطلاق نار، تبدأ العملية من جديد بخطوات بطيئة ومملة نحو وقف إطلاق النار. هذا النهج بطيء وهشّ للغاية.
في كثير من الحالات، لا يملك أي من الطرفين حافزا يُذكر لوقف إطلاق النار. فالطرف الذي يمتلك زمام المبادرة في ساحة المعركة لا يرغب في إهدارها، أما الطرف الآخر الخاسر فغالبا ما يسعى لمواصلة القتال لتحقيق "موقع قوة" يصعب تحديده، والذي يمكّنه من التفاوض. وهذه المواقع يصعب تحديدها ونادرا ما تتحقق.
إذا ما تم التوصل إلى وقف إطلاق النار، بمعجزة، فإنّ من يُعرقلون المفاوضات يمتلكون فجأة زمام الأمور. فمحاولة أي طرف مارق تقويض المفاوضات، أو تدخل طرف ثالث، أو سوء فهم أو خطأ، قد يؤدي إلى تجدد القتال. وإذا بُنيت المفاوضات على أساس هشّ من عنف بالكاد يُسيطر عليه، فإنّ ذلك يُنذر بالاضطرابات والمشاكل.
البديل هو الصراع عبر الحوار، وهو ما نشهده فعليا بين الولايات المتحدة وإيران. تستمر السياسة بالوسائطتين معا: الحرب والحوار. تتواصل الأطراف بالعنف وبالدبلوماسيين أيضا. يُظهر العنف إرادة سياسية، واستياء، وتهيئا لمزيد من التنازلات. أما الحوار فيسعى إلى إيجاد أرضية مقبولة لإنهاء القتال، إنهاء حقيقيا.
لجأت إيران والولايات المتحدة إلى أسلوب المواجهة الكلامية لأسباب براغماتية. فقد صرّح الرئيس ترامب بأن العداء الإيراني تجاه الملاحة البحرية سيُقابل بقوة ساحقة، مُشيرا بذلك إلى تصميم الولايات المتحدة وقوتها العسكرية الهائلة، ومحاولا إجبار إيران على الرضوخ لتفوقها الناري من خلال تقديم تنازلات.
في المقابل، تُريد إيران تذكير العالم بقدرتها على إغلاق مضيق هرمز متى شاءت، مُشيرة إلى أن الوقت في صالحها. وتسعى إيران إلى استغلال هذا النفوذ للحصول على أفضل الشروط الممكنة. علاوة على ذلك، تُعرف إيران بصعوبة التفاوض معها، فهي تتمتع بالصبر الكافي لتجاوز نظرائها، والقوة الداخلية التي تُمكنها من تجاهل معاناة شعبها، وسجل حافل بالنجاح في المفاوضات . لذا، بالنسبة لكلا الجانبين، يُعد تبادل التهديدات بمثابة إيصال قوي لمصالحهما السياسية، حتى في ظل استمرار المفاوضات.
مع ذلك، ينطوي هذا النهج على مخاطر. فمن الواضح أن العنف أشد وطأة من السلام على السكان المتضررين. صحيح أن عدد الضحايا منخفض نسبيا في هذه الحالة، إلا أن عددا كبيرا منهم من المدنيين. علاوة على ذلك، يعاني الاقتصاد العالمي من موجات عدم استقرار حادة نتيجة كل موجة عنف. قد تبعث الحرب برسالة قوية، لكنها بالنسبة للشعوب مدمرة.
بالنسبة للأطراف، قد تُبالغ طهران في تقدير صبر واشنطن، مما قد يُؤدي دون قصد إلى رد فعل أمريكي عنيف. فقد أعرب ترامب وأعضاء بارزون في إدارته مرارا وتكرارا عن استعدادهم لاستهداف مواقع عسكرية قريبة من المناطق المأهولة، والتي من شأنها التأثير على السكان المحليين، مثل الجسور والمواقع النفطية، بما في ذلك جزيرة خارك ، الأمر الذي قد يُهدد أي أمل في انتعاش اقتصادي لسنوات قادمة.
وقد تُقلل الولايات المتحدة من شأن قدرة إيران على الصمود في وجه الهجمات المتواصلة فبالنسبة للنظام الإيراني، يُعدّ الشعور بالانتصار أمرا بالغ الأهمية لبقائه. ولا يُبالي النظام كثيرا بتضرر الاقتصاد العالمي، ففي نهاية المطاف، وبفضل نظام العقوبات الشامل المفروض منذ عقود، تُعتبر إيران معزولة إلى حد كبير عن النظام المالي العالمي. وقد تُماطل إيران أكثر من الولايات المتحدة، التي تتوق لرؤيتها تُضخ الأموال والذخائر في هذا الصراع. كما أن حلفاءها في موسكو وبكين سعداء بذلك أيضا.
يُشير المعلقون بجدية إلى خطر آخر: احتمال تصاعد القتال. عادة ما يُبالغ في تقدير هذا الاحتمال. صحيح أن كل طرف قد يُصعّد الموقف في حال تحوّل الحوار إلى مواجهة، لكن هذا الاحتمال أقل ترجيحا مما هو عليه عندما يكون القتال محتدما ولا توجد مفاوضات جارية. وكما توجد دوافع للقتال، توجد أيضا دوافع لاحتوائه.
ينبغي أن تستمر المفاوضات بعزمٍ راسخٍ على عدم التعرّض لأيّ تعطيل. ستسعى هذه الأطراف تحديدا جاهدة لتحقيق مكاسب داخل طاولة المفاوضات وخارجها، ويعتقد كلاهما أن العنف أداة مشروعة. إنّ أسرع سبيل لتحقيق سلام حقيقي لشعوب الخليج وعودة الاقتصاد العالمي إلى وضعه الطبيعي نسبيا هو مواصلة الحوار، مهما كانت الظروف.
*إميلي هاردينغ هي مديرة برنامج الاستخبارات والأمن القومي والتكنولوجيا ونائبة رئيس قسم الدفاع والأمن في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن العاصمة.
|