*مالك الخوري
البوابة البرية بين نيوم وطرابلس
ليست السويداء مدينة نائية على هامش الصراع السوري كما تبدو في الجغرافيا، بل باتت ـ منذ كانون الأول/ديسمير الماضي على تقاطع ناري بين مشاريع كبرى تتصارع على رسم خرائط الإقليم. فالمعركة التي اندلعت في هذه المحافظة الجبلية الصغيرة سرعان ما تجاوزت بعدها الأمني أو المحلي، لتكشف عن تحولات أعمق ترتبط بممرات التجارة، وخطوط الغاز، وخرائط النفوذ الجديدة الممتدة من الخليج حتى شرق المتوسط.
حين يُذكر اسم "نيوم"، تُستحضر على الفور صورة المدينة السعودية العملاقة على شاطئ البحر الأحمر، والمخططات التي وضعتها الرياض لتحويلها إلى عقدة اقتصادية وتقنية عالمية. لكن هذه المدينة ليست معزولة عن البرّ. من أجل أن تصبح نيوم بوابة الخليج إلى البحر المتوسط، لا بدّ من ممر برّي آمن ومفتوح يربطها بالسواحل اللبنانية أو السورية، ولا يمكن لهذا الممر أن يتحقق دون المرور عبر الجنوب السوري — أي السويداء.
لنفهم أهمية السويداء، علينا تتبّع المسار البري الأقصر والأكثر واقعية الذي يمكن أن يربط نيوم بالمتوسط: نيوم (غرب السعودية) → تبوك → معبر الدرة أو حالة عمار → شرق الأردن (المفرق - الأزرق) من هناك، يتجه الطريق شمالاً نحو بادية السويداء، متجاوزًا صحراء الحماد يدخل الجنوب السوري من شرق السويداء، ثم يعبر إلى شمالها عبر شبكة طرق داخلية تمتد إلى ريف دمشق الجنوبي (صحنايا - الكسوة) بعدها يصل الطريق إلى البقاع اللبناني عبر الزبداني أو القلمون، أو يتجه غربًا إلى الساحل السوري عبر طريق دمشق - طرطوس
بهذا تصبح السويداء نقطة عبور حيوية لا يمكن تجاوزها لأي ممر جاف يربط الخليج بالبحر، ما يفسر إلى حد كبير التنافس الحاد بين القوى الإقليمية للسيطرة عليها أو على الأقل تحييدها.
أهمية الطريق من منظور استراتيجي
اقتصاديًا: السعودية تبحث عن بديل للممرات البحرية المُهددة عبر باب المندب، خاصة في ظل التوترات مع اليمن وإيران. الممر البري عبر الأردن وسوريا ولبنان يضمن وصولًا مباشرًا إلى الموانئ المتوسطية (طرابلس، بيروت، اللاذقية).
سياسيًا: فتح هذا الممر يعني تأمين نفوذ سعودي ممتد عبر هذه الأراضي ما يستدعي ترتيبات أمنية واتفاقات دولية، أو عمليات خفية لضمان التحكم في عقد المرور.
جيوعسكريًا: إسرائيل وتركيا لن تسمحا ببساطة بمرور هذا المشروع دون أن تكون لهما حصة فيه، أو على الأقل ضمان ألا يتحول إلى ممر استراتيجي يُخرج واشنطن وتل أبيب من اللعبة.
من صراع المحاور إلى معركة الممرات
في لحظة إقليمية تشهد صعود مشاريع اقتصادية كبرى تتقاطع فيها الجغرافيا مع الجيوسياسة، عادت محافظة السويداء جنوب سوريا إلى واجهة الأحداث، لا باعتبارها منطقة ملتهبة أمنياً فحسب، بل كعقدة برّية محورية في سباق الممرات البرية بين الخليج وشرق المتوسط. على هذا الأساس، لا تبدو الاشتباكات الأخيرة بين جماعات درزية مسلحة وقبائل بدوية، ولا الغارات الإسرائيلية المكثّفة، أحداثاً محلية معزولة، بل حلقات في سلسلة صراع أوسع على مستقبل خطوط الربط بين آسيا وأوروبا.
فمن جهة، تتجه أنقرة بكل ثقلها لتعزيز حضورها في الشمال السوري واللبناني، مستندة إلى دعم قطري وأوروبي واضح، وهادفة إلى ربط عمق الأناضول بمرفأ طرابلس عبر الأراضي السورية واللبنانية. ومن الجهة المقابلة، تعمل "إسرائيل الجديدة" بعد الحرب الأخيرة مع إيران، على فرض وقائع ميدانية تسهّل عبور بضائعها من نيوم إلى المتوسط، مروراً بجنوب سوريا فالأردن، انطلاقاً من ما بات يعرف إعلامياً بـ"ممر العبرانيين الجدد".
وسط هذه التحولات، تبرز السويداء بوصفها نقطة تقاطع لا يمكن تجاوزها، إذ تشكّل عنق الزجاجة الجغرافي الذي يربط الجنوب السوري بشماله من جهة، ويربط الأردن بسوريا ولبنان من جهة أخرى. وفي خضم هذا التنافس، أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مؤخرًا وبلهجة حاسمة:
"لم نوافق على تقسيم سوريا بالأمس، وقطعاً لن نوافق اليوم ولا غداً، والذين يحلمون بفتح ممر بين جنوب سوريا وشمالها، لن يصلوا مبتغاهم بإذن الله، ولن نسمح بذلك مع أشقائنا السوريين."
أما مشايخ عقل الطائفة الدرزية، فقد أصدروا بياناً شديد اللهجة رفضوا فيه استخدام جبل العرب كجسر عبور لمشاريع دولية لا تراعي سيادتهم أو وجودهم، مؤكدين أن "من يُراهن على استباحة السويداء سيخسر الرهان، وأن مصير الجبل يُقرّر في الجبل." وأشاروا إلى جغرافية السويداء باعتبارها عقدة طرق مطالبين بفتح ممرات مع الأردن ومع مناطق “قسد” في الشمال.
تلك التصريحات لم تأتِ في فراغ، بل تعكس تصاعد التوتر حول من يتحكم بخارطة العبور البري الجديد في الإقليم، خاصة بعد تصاعد الدور الامريكي ولكن من موقع المراقب، ما فسح المجال أمام قوى إقليمية كتركيا وإسرائيل لرسم خطوط النفوذ عبر الجغرافيا السورية المنهكة.
وفي هذا السياق، تحوّلت المعارك الدائرة في السويداء من مواجهات محلية إلى فصل حاسم في الصراع على مستقبل الممرات البرية. هذا التقرير يستعرض خفايا المعركة، وأدوار اللاعبين الإقليميين، والموقع المتقاطع الذي باتت تحتله السويداء في صلب استراتيجية إعادة رسم خارطة المشرق.
تركيا والممر الشمالي عبر طرابلس
منذ بداية الأزمة السورية، تعاملت تركيا مع شمال البلاد كعمق استراتيجي لها، لكن أنقرة لم تكتفِ بالتمدد العسكري في الشمال السوري، بل توسعت باتجاه لبنان أيضًا، وتحديدًا مدينة طرابلس ومحيطها، حيث بنت نفوذاً اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً، مدعومًا بشبكة من المؤسسات والجمعيات والمجنسين. الهدف التركي من هذا التمدد لا يقتصر على النفوذ الناعم، بل يرتبط بمشروع جيو-اقتصادي أوسع، يتمثل بإنشاء ممر بري يبدأ من الأناضول، يعبر شمال سوريا، ويدخل لبنان ليصبّ في مرفأ طرابلس الذي تسعى تركيا لتحويله إلى منصة بديلة عن مرفأ بيروت، ومحطة رئيسية على طريق الترانزيت.
تدعم أنقرة هذا التوجه باتفاقات مباشرة وغير مباشرة مع فصائل سورية موالية لها، مثل هيئة تحرير الشام، التي باتت تلعب دوراً مركزيًا في إدارة مناطق من إدلب وحتى ريف حماة الشرقي، حيث تلتقي الحدود مع البادية السورية والطرق المؤدية جنوباً نحو ريف السويداء. وبهذا المعنى، فإن السيطرة على هذا الشريط الجغرافي يفتح أمام تركيا نافذة استراتيجية تمتد حتى الحدود اللبنانية، ما يجعل أي وجود معادٍ لها في السويداء تهديداً مباشراً لهذا المشروع.
وإذا كان الطموح التركي قد استفاد من رحيل الرئيس السوري بشار الأسد وتفكك الخارطة الميدانية، فإن تركيا اليوم تضع عينها على هذه اللحظة، حيث يمكن إعادة تشكيل السلطة المركزية بما يضمن لها نفوذاً دائماً، عبر وكلاء محليين أو صفقات إقليمية كبرى.
أحمد الشرع والانتقال التركي في الجنوب
بعد رحيل الأسد، قام أحمد الشرع المدعوم من تركيا، بمحاولة لتعزيز حضور أنقرة في جنوب سوريا، تحديدًا في محافظة السويداء ذات الغالبية الدرزية. كان الشرع، قائدًا سابقًا لجبهة النصرة، أحد أدوات تركيا في محاولة فرض نفوذها على الأرض، مستفيدًا من الفراغ الأمني والحالة السياسية المتدهورة في البلاد.
اختار الشرع الجنوب كنقطة انطلاق لاستعادة السيطرة وتوسيع النفوذ التركي، مؤمنًا بأن السيطرة على ممرات السويداء هي مفتاح لإعادة بناء سلطة مركزية جديدة تراعي المصالح التركية في المنطقة. كان يعتقد أن السيطرة على هذه المنطقة ستوفر العمق الاستراتيجي اللازم لتركيا لتثبيت موطئ قدم دائم في سوريا، وفتح منافذ جديدة نحو الأردن ولبنان، بما يخدم مشروع "طريق التنمية" التركي.
لكن تحركات الشرع أثارت قلق تل أبيب التي رأت في التوسع التركي تهديدًا مباشرًا لمشاريعها في المنطقة، خصوصًا مشروع "خط السلام" الذي يسعى إلى ربط الخليج بمتوسط أوروبا عبر الأردن وجنوب سوريا. ومن هنا، بدأت المواجهة تشتد، مع محاولات إسرائيلية لمنع أي تحرك تركي جنوباً عبر ضربات جوية واستهداف مواقع للشرع وقواته.
المشهد في السويداء، إذاً، ليس مجرد صراع محلي بين فصائل متناحرة، بل هو صراع بين مشروعين إقليميين متنافسين، كل منهما يحاول فرض نفوذه على ممرات النقل الحيوية، وما يزال دور الشرع محوريًا في هذا الصراع، باعتباره واجهة تنفيذية لسياسة أنقرة في الجنوب السوري.
إسرائيل وممر السلام
في مواجهة المشروع التركي، عملت إسرائيل على تطوير مشروع "خط السلام" الذي يسعى إلى ربط الخليج بالبحر المتوسط عبر الأردن وجنوب سوريا، متخطيةً الحاجة للمرور عبر الأراضي التركية أو الإيرانية، وهي استراتيجية تهدف إلى تقويض النفوذ التركي والإيراني في المنطقة.
في تشرين الثاني/نوفمبر 2018، أعلن وزير النقل الإسرائيلي يسرائيل كاتس عن مشروع "سكك حديد السلام" خلال مؤتمر دولي في عمان، موضحًا أنه يهدف إلى ربط الموانئ الإسرائيلية، خصوصًا حيفا، بموانئ الخليج عبر الأردن وسوريا مستقبلاً، ليصبح بديلاً أمنياً واستراتيجياً عن ممرات البحر الأحمر وقناة السويس.
أكد كاتس أن المشروع لا يقتصر على جانب اقتصادي فقط، بل يُعتبر جسر سلام بين الشعوب، ويفتح آفاقاً جديدة للتعاون السياسي والاقتصادي في المنطقة. وفي ظل الدعم الامريكي الواضح لهذا المشروع، شكلت إسرائيل ميدانًا لمواجهة مباشرة مع المشروع التركي في جنوب سوريا، خاصةً مع تزايد الخشية من تمدد أنقرة نحو السويداء.
نيوم والمنافسة السعودية
على هامش الصراع التركي الإسرائيلي، برز المشروع السعودي "نيوم" الذي يهدف إلى بناء منطقة اقتصادية ولوجستية ضخمة في شمال غرب المملكة، تتضمن بنى تحتية متقدمة للسكك الحديدية والشحن البحري، ما يعزز أهمية ممرات النقل في المنطقة، ويدعم مشروع إسرائيل في ربط الخليج بالمتوسط دون المرور عبر تركيا.
يُعد خط السكة الحديدية من إيلات مروراً بالعقبة وجنوب سوريا باتجاه لبنان وطرابلس، امتدادًا استراتيجيًا لموانئ نيوم البحرية، ويساهم في إعادة رسم خارطة النقل الإقليمية التي تؤثر بشكل مباشر على مصالح تركيا وإيران.
تأخذ السويداء هنا أهمية كبرى كونها العقدة البرية التي تمر منها خطوط السكك الحديدية والطرق البرية التي تجمع هذه المشاريع الإقليمية الكبرى.
معركة السويداء محور إعادة رسم الخرائط
تتجاوز المعركة الدائرة في السويداء الصراعات المحلية التقليدية لتصبح ساحة مواجهة استراتيجية بين تركيا وإسرائيل، بدعم غير مباشر من السعودية التي تطرح مشروع نيوم كمنافس اقتصادي وجغرافي.
معركة السويداء ليست مجرد نزاع على أرض، بل هي معركة على ممرات تجارة وحركة تؤثر على مستقبل المنطقة بالكامل، وتُظهر بوضوح أن ما بعد الأسد لن يكون فقط صراعاً على السلطة داخل سوريا، بل على السيطرة على مفاصل الاقتصاد والجغرافيا الإقليمية.
*المصدر : موقع :The Cradle