*يونس إسماعيل حسن گەردی
في خضم التحديات المركبة التي تواجهها النظم السياسية والاقتصادية الحديثة، تطرح الديمقراطية الاجتماعية نفسها كخيار استراتيجي يعيد رسم العلاقة بين الدولة والمجتمع والسوق، على أسس من التوازن العقلاني والمصلحة العامة
الديمقراطية الاجتماعية (Social Democracy) تعتبر إحدى أبرز المدارس السياسية التي نشأت استجابة لتحديات الرأسمالية الجامحة من جهة، والاشتراكية الثورية من جهة أخرى. ويقوم هذا الاتجاه على دمج الحريات السياسية في إطار نظام ديمقراطي، مع سياسات اقتصادية واجتماعية تسعى لتحقيق العدالة والمساواة. هذا التوازن بين السوق والعدالة يمثل ركيزة اساسية في بناء دول الرفاه وتوسيع نطاق الحقوق، خصوصا للفئات المهمشة، وفي طليعتها المرأة.
في خضم التحديات المركبة التي تواجهها النظم السياسية والاقتصادية الحديثة، تطرح الديمقراطية الاجتماعية نفسها كخيار استراتيجي يعيد رسم العلاقة بين الدولة والمجتمع والسوق، على أسس من التوازن العقلاني والمصلحة العامة. إنها ليست مجرد تصور أيديولوجي تقليدي، بل مشروع عملي لإعادة بناء الدولة على قاعدة تضمن النمو الاقتصادي دون الانزلاق نحو التفاوت الاجتماعي، وتكفل الحقوق الفردية دون الإخلال بواجبات التضامن الجماعي.
الديمقراطية الاجتماعية، في جوهرها، لا تسعى إلى إلغاء اقتصاد السوق، بل إلى تهذيبه وتوجيهه من خلال أدوات الدولة الرشيدة والمؤسسات المنتخبة، بما يضمن التوزيع المنصف للثروة والفرص. إنها تستبطن إيمانا عميقا بأن الشرعية السياسية لا تبنى على صندوق الاقتراع وحده، بل على مدى قدرة النظام على صون الكرامة الإنسانية، وضمان الحد الأدنى من العدالة الاجتماعية، والحد من أشكال الهيمنة الطبقية والاحتكار السياسي أو الاقتصادي.
ولعل التجارب العالمية في أوروبا الغربية، ولا سيما الدول الإسكندنافية وألمانيا، تظهر أن الديمقراطية الاجتماعية ليست طوباوية ([1])، بل نظام عملي متكامل يربط بين الحريات السياسية والحقوق الاجتماعية. غير أن تكييف هذا النموذج في السياقات غير الغربية – وخصوصا في العالم العربي والعراق – يطرح أسئلة وتحديات بنيوية، تتعلق بطبيعة الاقتصاد الريعي ([2])، وغياب العدالة الضريبية، وهشاشة الدولة.
ينطلق هذا الموضوع من فرضية أن الديمقراطية الاجتماعية تمثل خيارا استراتيجيا لإعادة بناء الدولة والمجتمع في العراق، وأن الأحزاب التي تتبناها – مثل الاتحاد الوطني الكردستاني – مطالبة اليوم بمراجعة عميقة للهوية الفكرية والممارسة العملية، من أجل تجسيد مشروع اجتماعي حقيقي لا يكتفي بالشعارات.
الإطار النظري:
أولا: الجذور الفكرية والتاريخية
تعود جذور الديمقراطية الاجتماعية إلى أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، حيث برزت كرد فعل مزدوج على كل من الرأسمالية الليبرالية المتوحشة [3] من جهة، والاشتراكية الثورية ذات الطابع التسلطي من جهة أخرى. وقد نشأت داخل التيارات الاشتراكية الإصلاحية، لا سيما في أوروبا، كمنظومة فكرية ترى أن العدالة الاجتماعية لا تنال بالثورة والعنف الطبقي، بل بالإصلاح التدريجي ضمن أطار النظام الديمقراطي.
تأثرت الديمقراطية الاجتماعية بمفكرين أمثال إدوارد بيرنشتاين، الذي دعا إلى تجاوز مقولات ماركس حول انهيار الرأسمالية الحتمي، ورأى أن الإصلاح التدريجي ضمن الدولة البرجوازية ممكن وناجح. هذا التوجه شكل انشقاقا عن الاشتراكية الثورية لصالح ما سمي لاحقا بالاشتراكية الديمقراطية، والتي تطورت في العقود التالية إلى الديمقراطية الاجتماعية الحديثة.
من جهة آخرى انتماء كل من الديمقراطية الاجتماعية والاشتراكية الثورية إلى الجذور الفكرية الاشتراكية، إلا أن المسار الذي اختارته كل منهما يعكس اختلافا عميقا في الرؤية والأدوات والموقف من الدولة والمجتمع.
1- الديمقراطية الاجتماعية:
الديمقراطية الاجتماعية نشأت من رحم التجربة الأوروبية بعد الحربين العالميتين، حيث أدركت الأحزاب العمالية والنقابية أن التغيير الجذري عبر الثورة ليس السبيل الوحيد لتحقيق العدالة الاجتماعية، وأن الحفاظ على الإطار الديمقراطي التعددي مع إصلاحه تدريجيا يمكن أن يحقق توازنا بين النمو الاقتصادي وضمان الحقوق الاجتماعية. فهي ترى في الدولة أداة راعية ومنظمة، تحافظ على الملكية الخاصة ولكن تضعها تحت رقابة صارمة، وتعيد توزيع الثروة عبر الضرائب والإنفاق الاجتماعي، وتضمن تكافؤ الفرص دون إلغاء حرية السوق.
2- الاشتراكية الثورية:
هي دعوة صريحة لقطيعة شاملة مع النظام الرأسمالي، انطلاقا من قناعة أن هذا النظام بطبيعته الاستغلالية لا يمكن إصلاحه، وأن الحوار معه لا يفضي إلا إلى إطالة عمر الظلم. ترى أن الثورة، بقيادة الطبقة العاملة، هي السبيل الوحيد لانتزاع السلطة الاقتصادية والسياسية، وأن الدولة الثورية يجب أن تمتلك وسائل الإنتاج وتديرها لصالح المجتمع بأسره. في هذا النهج، تلغى الملكية الخاصة في القطاعات الحيوية، وتركز السلطة بيد الحزب أو التحالف الثوري الذي يقود المرحلة الانتقالية نحو مجتمع بلا طبقات، ولو اقتضى الأمر مركزية صارمة في اتخاذ القرار. إن الفرق بين المسارين ليس مجرد اختلاف في الأدوات، بل في الفلسفة والرهان:
الديمقراطية الاجتماعية: تراهن على الإصلاح التدريجي والحفاظ على الإطار الديمقراطي مع تعديلات عميقة على البنية الاقتصادية.
الاشتراكية الثورية: تراهن على الصراع والمواجهة المباشرة لإحداث انقلاب جذري في البنية السياسية والاقتصادية معا.
ثانيا: المفهوم السياسي
تعرف الديمقراطية الاجتماعية بانها نهج سياسي يقوم على التوفيق بين اقتصاد السوق الحر والعدالة الاجتماعية التي تتحقق من خلال تدخل الدولة الرشيدة والمنضبطة. وهي بذلك ترفض الثنائية الصراعية بين الفرد والدولة، أو بين الرأسمالية والاشتراكية، وتقترح نموذجا وسطا يعترف بضرورات السوق دون السماح بتغوله، ويؤمن بدور الدولة دون تحويلها الى كيان شمولي.
المبادئ الأساسية:
1-الشرعية الديمقراطية:
- السيادة للشعب: الشعب هو مصدر السلطات جميعا.
- الانتخابات الحرة والنزيهة: تحقيق الشرعية عبر صناديق الاقتراع الدورية.
- المشاركة الشعبية: ضمان حق المواطنين في التعبير والمشاركة في صنع القرار.
- حكم القانون: ممارسة السلطة وفق الدستور والقوانين، لا وفق أهواء الحكام.
- الرقابة والمساءلة: تمكين الشعب من مراقبة السلطة عبر البرلمان والقضاء والإعلام والمجتمع المدني.
- حماية الحقوق والحريات: احترام حقوق الإنسان الأساسية شرط للشرعية.
2-العدالة الاجتماعية:
تعني توزيع الفرص والموارد والحقوق بشكل منصف داخل المجتمع، مع ضمان الحد الأدنى للحياة الكريمة مثل التعليم، الصحة، العمل، والسكن. هي تهدف إلى:
- تقليص الفوارق الطبقية بين الأغنياء والفقراء.
- ضمان تكافؤ الفرص للجميع دون تمييز بسبب الجنس أو العرق أو الدين أو الوضع الاجتماعي.
- تحقيق المساواة أمام القانون وتكريس حقوق الإنسان.
- تحمل الدولة مسؤولية اجتماعية عبر سياسات مثل: الضرائب التصاعدية، نظم الضمان الاجتماعي، دعم الفئات الضعيفة.
3-التضامن:
التضامن ليس مجرد قيمة أخلاقية، بل هو ركيزة سياسية لبناء مجتمع متماسك، يضمن أن لا يترك أي مواطن فريسة للفقر أو التهميش أو البطالة. تقوم الديمقراطية الاجتماعية على قناعة راسخة بأن قوة المجتمع تقاس بقدرته على حماية أضعف أفراده، وأن العدالة لا تتحقق إلا عبر تقاسم الأعباء والفرص بشكل منصف.
إن التضامن يعني القوى يدعم الضعيف، والغنى يشارك الفقر، والحاضر يضمن مستقبل الأجيال القادمة. وبهذا يتحول الحق في التعليم والصحة والعمل الكريم والضمان الاجتماعي من امتياز محدود إلى حق سياسي واجب الحماية. ومن الناحية العملية، يتجسد التضامن عبر:
- سياسات دولة الرفاه التي تكفل التعليم والصحة والرعاية كحقوق عامة.
- نظام ضريبي عادل يوزع الثروة ويمنع تراكمها بيد القلة.
- حوار اجتماعي دائم بين الدولة والنقابات وأصحاب العمل لصون كرامة العامل.
- عدالة بين الأجيال تضمن ألا تتحمل أجيال الغد أعباء أنانية الحاضر.
وعليه، فإن التضامن ليس شعارا عاطفيا، بل هو خيار سياسي استراتيجي لبناء دولة عادلة، مستقرة، وقادرة على مواجهة أزمات السوق والعولمة. فالمجتمع الذي يقوم على التضامن، هو مجتمع يحمي وحدته الوطنية، ويصون الديمقراطية من الانقسام والتطرف.
4-اقتصاد السوق المقيد:
يسمح بالملكية الخاصة والمبادرة الفردية، مع فرض ضوابط قانونية وتنظيمية تمنع الاحتكار والاستغلال.
- وضع تشريعات تمنع الاحتكار وحماية المستهلك.
- سياسات ضريبية تصاعدية.
- إدارة نظام رفاه شامل والحد من الفوارق الطبقية.
- دعم وتوفير الخدمات العامة مثل (الصحة – التعليم – الضمان الاجتماعي).
5-الحقوق الاجتماعية كمكونات مواطنة:
ليست امتيازات تمنحها الدولة، بل جزء أصيل من حقوق المواطنة الحديثة، مساوية للحقوق المدنية والسياسية.
ثالثا: أدوات وآليات الديمقراطية الاجتماعية:
توظف الديمقراطية الاجتماعية مجموعة من الأدوات لضمان التوازن بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، أبرزها:
1-السياسات الضريبية التصاعدية: تهدف إلى إعادة توزيع الدخل والثروة بطريقة تقلص الفجوة بين الطبقات.
2-أنظمة الرعاية الاجتماعية: تشمل خدمات التعليم، والصحة، والتقاعد، والإعانات الاجتماعية، التي تمولها الدولة لضمان الحد الأدنى من الحياة الكريمة لكل فرد.
3-التحكم بالتوظيف والحد الأدنى للأجور: عبر تشريعات تلزم أصحاب العمل بتوفير ظروف عادلة.
4-التمكين الديمقراطي للنقابات والمجتمع المدني: بوصفهما ضامنين لمساءلة السلطة ومكافحي التهميش الاجتماعي.
5-التنمية الإقليمية المتوازنة: لمحاربة التفاوت الجغرافي في الثروات والخدمات.
رابعا: نقد الديمقراطية الاجتماعية:
على الرغم من الإنجازات الملموسة التي حققتها الديمقراطية الاجتماعية في أوروبا الغربية، ولا سيما في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، فإن هذه التجربة لم تسلم من موجات النقد القادمة من أطراف الطيف السياسي كافة.
- اليمين (النيو ليبرالي)[4] اتهاماتها بالحد من ديناميكية الاقتصاد وإبطاء معدلات النمو بسبب تدخل الدولة المفرط.
- (اليسار الراديكالي)[5] أنها لا تعدو كونها نسخة معدلة من النظام الرأسمالي تغلف بنيته الجوهرية بطبقة من الإصلاحات الاجتماعية.
وتتمثل أبرز الانتقادات في الاعتماد الكبير على الدولة كمحرك أساسي للسياسات الاجتماعية، الأمر الذي قد يؤدي إلى تفشي البيروقراطية وتقليص الحوافز الفردية للإبداع والإنتاج. كما تواجه الديمقراطية الاجتماعية تحديا بنيويا في تمويل نظم الرفاه، خاصة في فترات الركود والأزمات الاقتصادية، حين تتقلص الإيرادات العامة وتتزايد الضغوط المالية. يضاف إلى ذلك أن انخراط الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية في الاقتصاد العالمي جعلها أكثر عرضة لضغوط السوق وقوى العولمة، وهو ما انعكس في تراجعها خلال تسعينيات القرن العشرين، حين تبنت بعض توجهات النيو ليبرالية تحت عناوين مثل (الطريق الثالث)[6] الذي مثلته سياسات توني بلير، مما أثار جدلا حول حدود تمايزها الأيديولوجي عن خصومها.
* ماجستير في القانون العام
([1]) طوباوية: حياة السعيد أو حياة المثالي، أو نظام حكم مثالي.
([2]) الريعي: يعتمد بشكل كبير على إيرادات مورد طبيعي واحد.
([3]) الرأسمالية الليبرالية: يتم تنظيم الاقتصاد من خلال السوق مع التدخل حكومي محدود لضمان منافسة المعاملة وحماية حقوق الملكية.
([4]) النيو ليبرالي: 1-هي منظومة فكرية واقتصادية ترى أن النمو والازدهار يتحققان أساسا عبر السوق الحرة، وذلك من خلال تقليص دور الدولة في إدارة الاقتصاد، وفتح المجال أمام رأس المال الخاص، ورفع القيود عن التجارة والاستثمار، وخصخصة القطاعات العامة.
2- جوهرها يقوم على الاعتقاد بأن المنافسة الاقتصادية هي المحرك الأمثل للكفاءة والإبداع.
3- تدخل الدولة يجب أن يقتصر على وضع القواعد الأساسية وحماية الملكية الخاصة، لا على إدارة النشاط الاقتصادي بشكل مباشر.
([5]) اليسار الراديكالي: 1-هو اتجاه سياسي وأيديولوجي يسعى إلى إحداث تغيير جذري في البنية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، عبر تجاوز النظام الرأسمالي القائم، لا مجرد إصلاحه.
2-يرتكز على أفكار المساواة الشاملة، والملكية العامة أو التعاونية لوسائل الإنتاج، وإعادة توزيع الثروة بشكل واسع، مع رفض التفاوتات الطبقية بوصفها نتيجة حتمية للرأسمالية.
3-يتبنى هذا التيار أدوات تتراوح بين النضال السياسي السلمي والعمل الثوري المباشر، معتبرا أن العدالة الاجتماعية الحقيقية لا تتحقق إلا بإعادة صياغة منظومة السلطة والاقتصاد من الأساس.
([6]) الطريق الثالث: هو تيار فكري وسياسي ظهر في التسعينيات، خصوصا في أوروبا وأمريكا الشمالية، بهدف إيجاد صيغة وسط بين الاشتراكية الديمقراطية التقليدية والنيو ليبرالية، يعتمد هذا النهج على دمج اقتصاد السوق مع مبادئ العدالة الاجتماعية، حيث تلتزم الدولة بالحفاظ على بعض سياسات الرفاه الاجتماعي، مع تبني مبادئ السوق الحرة بما في ذلك الخصخصة والانفتاح التجاري. وقد اشتهر هذا التوجه في الممارسة السياسية لدى كل من رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير والرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون، الذين حاولوا تقديم نموذج حديث لليسار، يبتعد عن النهج الاشتراكي الكلاسيكي، ويواكب التحولات الاقتصادية العالمية دون التخلي كليا عن البعد الاجتماعي. لذلك يعتبر محاولة لتجميل الرأسمالية بلمسات اجتماعية دون المساس بأسسها.