×


  کل الاخبار

  سوران الداوودي:الاشتراكية الدولية ودور الرئيس مام جلال في تعزيز هذا المسار



"بات الحزب اليوم تحت قيادة بافل طالباني أكثر حضورا في المنابر الدولية، وأكثر التصاقا بالمسار المعروف للاشتراكية الدولية الذي يجمع بين النضال المحلي من أجل حقوق شعب كردستان وعموم العراقيين، وبين الالتزام الأممي بقيم الحرية"

مقدمة:حين نتحدث عن الاشتراكية الدولية فإننا نتحدث عن أحد أوسع الأطر السياسية العالمية التي سعت منذ تأسيسها إلى جمع الأحزاب التقدمية والعمالية والاشتراكية والديمقراطية الاجتماعية تحت مظلة واحدة. هذه المنظمة الدولية التي انطلقت منذ عقود، كانت ولا تزال تشكل مساحة للتواصل والتنسيق بين قوى سياسية متقاربة فكريا تؤمن بقيم العدالة الاجتماعية، الديمقراطية، الحرية، المساواة، وحقوق الإنسان. وفي قلب الشرق الأوسط، حيث تتشابك التحديات السياسية والعرقية والطائفية، كان للفقيد الكبير جلال طالباني (مام جلال) دور ريادي في ربط كردستان والعراق عموما بهذا المسار العالمي، وجعل من حزبه، الاتحاد الوطني الكردستاني، جزءا فاعلا في الاشتراكية الدولية.

الاشتراكية الدولية ليست حزبا بالمعنى التقليدي، وإنما هي منظمة جامعة للأحزاب ذات التوجهات الديمقراطية الاجتماعية والاشتراكية، تضم اليوم ما يزيد عن 140 حزبا من مختلف قارات العالم. أهدافها الجوهرية تتمثل في:

               دعم حقوق الشعوب في تقرير مصيرها

               نشر الديمقراطية والحرية السياسية

               تحقيق العدالة الاجتماعية عبر سياسات اقتصادية متوازنة

               تعزيز التضامن بين الشعوب ومواجهة الاستبداد والديكتاتوريات

منذ النصف الثاني من القرن العشرين، لعبت الاشتراكية الدولية دورا مهما في دعم حركات التحرر الوطني في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وكان لها حضور مؤثر في مساعدة الشعوب التي ناضلت ضد الاستعمار والتمييز العنصري والأنظمة العسكرية.

في هذا السياق، تميز  فقيد الامە جلال طالباني بأنه لم يكن سياسيا محليا محصورا في جغرافيا كردستان أو العراق فحسب، بل كان رجلا أمميا بامتياز. أدرك منذ شبابه أن القضية الكردية لا يمكن أن تعيش في عزلة عن العالم، وأنها تحتاج إلى حلفاء استراتيجيين في الساحة الدولية، خصوصا القوى التقدمية والعمالية التي تنظر إلى قضايا التحرر والعدالة بعين متعاطفة.

انفتاح الطالباني على القوى الاشتراكية والديمقراطية في أوروبا وأميركا اللاتينية وأفريقيا لم يكن انفتاحا شكليا، بل كان جزءا من عقيدته السياسية. فقد شارك في مؤتمرات الاشتراكية الدولية منذ السبعينيات، وألقى خطابات عرّف فيها المجتمع الدولي بالقضية الكردية، ليس باعتبارها قضية قومية معزولة فحسب ، وإنما كجزء من صراع عالمي من أجل الحرية والعدالە .

الاشتراكية الدولية كمنبر للقضية الكردية

لقد استفاد مام جلال من الاشتراكية الدولية باعتبارها منبرا أمميا. فبينما كانت كثير من القوى الكردية تنظر إلى الساحة العراقية والإقليمية كحدود نهائية للحركة السياسية، وسعت رؤية طالباني نحو العالمية. ومن خلال حضوره المستمر في مؤتمرات المنظمة، تمكن من:

               ١- تعريف الأحزاب الأوروبية والأميركية اللاتينية بالقضية الكردية

      ٢- إقامة جسور دبلوماسية موازية مع قوى سياسية غير حكومية كان لها تأثير كبير في برلماناتها الوطنية.

               ٣- خلق مناخ تضامني مع نضال الكرد ضد الأنظمة الديكتاتورية التي حكمت العراق، خاصة نظام صدام حسين.

               ٣- تقديم نموذج للحركة الكردية كجزء من الحركة الأممية التي تناضل ضد القمع والتمييز، مما أعطى بعدا جديدا للقضية الكردية خارج حدودها الضيقة

تحت قيادة جلال طالباني، التحق الاتحاد الوطني الكردستاني بعضوية الاشتراكية الدولية، ليكون من أول الأحزاب الكردية والعراقية التي تدخل هذا الإطار العالمي. كان ذلك خطوة استراتيجية أكدت على أن الحزب لا ينظر إلى نفسه فقط كتنظيم محلي، وإنما كحركة سياسية حديثة تتبنى الفكر الديمقراطي الاجتماعي وتسعى إلى الانفتاح على العالم .

في هذا السياق، أصبح الاتحاد الوطني الكردستاني:

               صوتا رسميا للقضية الكردية داخل هذه المنظمة العالمية

      شريكا في نقاشات عالمية حول الديمقراطية والتنمية وحقوق الإنسان

               مشاركا في صياغة بيانات أممية دعمت قضايا الشعوب المضطهدة

هذا الانتماء رسّخ صورة الحزب كتنظيم وسطي، تقدمي، ديمقراطي بعيدا عن الانغلاق القومي الضيق، ما جعل منه أقرب إلى الوجدان العالمي الذي كان يبحث عن شركاء يؤمنون بالقيم الإنسانية العامة.

عرف عن مام جلال رحمه الله  أنه سياسي الحوار والجسور. وقد انسجم ذلك تماما مع روح الاشتراكية الدولية التي تقوم على التفاوض والتسوية وإيجاد أرضيات مشتركة بين القوى المختلفة. فمن خلال هذه المنظمة، لم يكن طالباني يطرح المظلومية الكردية فقط، بل كان يقدم نفسه كرجل دولة يسعى إلى حلول واقعية قائمة على التعايش، سواء في العراق أو المنطقة .

لقد جعل من علاقاته الأممية رصيدا يوظفه في الأزمات الداخلية، حيث كان يستند إلى شبكة تضامن واسعة تدعم مشروعه في ترسيخ الديمقراطية الفيدرالية في العراق بعد سقوط الدكتاتورية عام  2003

إلى جانب دوره في تعريف العالم بالقضية الكردية، كان لمام جلال رؤية بأن الاشتراكية الدولية يمكن أن تشكل جسرا بين شعوب المنطقة. فهو كان يؤمن بأن القيم الأممية مثل الحرية والعدالة والمساواة هي الطريق الأفضل لتجاوز الصراعات القومية والطائفية التي مزقت الشرق الأوسط.

من خلال موقعه في الاشتراكية الدولية، سعى إلى:

      إقناع القوى العربية التقدمية بضرورة احترام الحقوق الكردية کما

      حثّ الحركات الديمقراطية في المنطقة على بناء تحالفات عابرة للهويات الضيقة و

               الدفع باتجاه رؤية مستقبلية تجعل من كردستان والعراق جزءا من حركة عالمية للسلام والديمقراطية.

بعد رحيل مام جلال، ظل الاتحاد الوطني الكردستاني وفيا لهذا الإرث. الحزب ما يزال عضوا في الاشتراكية الدولية، ويشارك بانتظام في اجتماعاتها، ويؤكد في أدبياته على:

      التزامه بمبادئ الديمقراطية الاجتماعية و

      دفاعه عن التعايش السلمي بين المكونات في كردستان والعراق و

      سعيه إلى ربط نضاله المحلي بالإطار الأممي الأشمل

إن وجود الاتحاد الوطني داخل الاشتراكية الدولية يمنحه شرعية سياسية عالمية ويعزز مكانته كحزب وطني وديمقراطي قادر على الجمع بين الهوية الكردية والالتزام بالقيم الإنسانية الشاملة.

إذا نظرنا إلى تجربة الاتحاد الوطني مع الاشتراكية الدولية، يمكن القول إنها تمثل نقلة نوعية في الفكر السياسي الكردي. فقد حولت القضية الكردية من شأن محلي أو إقليمي إلى قضية ذات صدى عالمي. كما قدمت نموذجا جديدا للحركات التحررية التي لا تكتفي بالصراع المسلح أو بالمطالب القومية الضيقة، بل تسعى إلى الاندماج في الحركة الإنسانية الكبرى.

 

إن ما فعله مام جلال لم يكن مجرد علاقات عامة، بل كان اختيارا استراتيجيا جعل من حزبه جزءا من مسار أممي يربط الكرد بالعمال في أوروبا، وبالحركات التقدمية في أميركا اللاتينية، وبالأحزاب الديمقراطية في أفريقيا وآسيا. هذا البعد الأممي هو ما جعل طالباني رمزا ليس للكرد وحدهم، بل لكل من آمن بالحرية والعدالة في المنطقة.

إن الحديث عن الاشتراكية الدولية ودور فقيد الأمة جلال طالباني فيها، هو حديث عن رجل أدرك مبكرا أن القضية الكردية لا يمكن أن تُحَل بمعزل عن القيم الأممية والديمقراطية. لقد استخدم هذا الإطار العالمي ليُسمع صوت شعبه، وليجعل من الاتحاد الوطني الكردستاني جزءا من الحركة التقدمية العالمية. واليوم، يواصل الحزب هذا المسار، مؤكدا أن مستقبل كردستان والعراق لا ينفصل عن مستقبل العالم، وأن قيم الاشتراكية الدولية – الحرية، العدالة، المساواة  هي البوصلة التي تقود خطاه نحو الغد..

واليوم، ومع التحديات الجديدة التي تواجه العراق وكردستان، يقود الرئيس بافل طالباني مسيرة الاتحاد الوطني الكردستاني في نفس الاتجاه الذي رسمه فقيد الأمة مام جلال. فقد عمل الرئيس بافل، بوعي سياسي عميق، على تقويم مسار الحزب وإعادته إلى جوهره الحقيقي كحزب ديمقراطي اجتماعي، منفتح على العالم وملتزم بمبادئ الاشتراكية الدولية.

 هذا التقويم لم يكن مجرد مراجعة شكلية، بل كان محاولة لإعادة الروح إلى خط الاتحاد الوطني كحركة إصلاحية تقدمية تستند إلى إرث مام جلال، وتعمل في الوقت نفسه على تكييف خطابها وأدواتها مع مستجدات العصر.

 وهكذا، بات الحزب اليوم تحت قيادة بافل طالباني أكثر حضورا في المنابر الدولية، وأكثر التصاقا بالمسار المعروف للاشتراكية الدولية الذي يجمع بين النضال المحلي من أجل حقوق شعب كردستان وعموم العراقيين، وبين الالتزام الأممي بقيم الحرية.


27/08/2025