*د. عدالت عبدالله
يمكن لأي مراقب سياسي لأوضاع وأحداث منطقة الشرق الأوسط أن يتفهم صعوبة اتباع سياسة تُوصف، في عالم السياسة خلال العقد الأخير، بسياسة «النأي بالنفس». ويعود ذلك إلى أن الأمر لا يتعلق بإرادة ذاتية بحتة يقبلها الجميع كما هي، وإنما يرتبط بما يُطلق عليه "سياسة تأويل السياسات"، أي تقييم الآخر للمواقف السياسية بناء على جدواها بالنسبة لوقائع الصراعات والحروب والمحاور السياسية.
كما أن لسياسة النأي بالنفس أوجها سلبية قد تعني، في سياقها العام، نمطا من الانتهازية السياسية، التي لا علاقة لها بمصالح البلاد والعباد، وإنما ترتبط بجشع النخب المتنفذة في الدولة أو القوى السياسية المتسلطة، أو حتى بمطامح شخصية يتوقف تحقيقها أو الحفاظ عليها على تبني سياسات معينة باسم الدولة والأمة، حفاظا على المواقع والمناصب السياسية، التي ربما تتغذى ـ في جزء منها ـ على الدعم الخارجي والتأييد الأجنبي، القائم هو الآخر على مبدأ مراعاة المصالح المشتركة وتعزيزها ضمن استراتيجية خطيرة، هي الفخ الذي ينصبه الآخر لك من دون أن تدرك أبعاده المستقبلية أو عواقبه على المدى البعيد.
كما أن سياسة النأي بالنفس، بالصورة التي نعنيها هنا، قد تكون أحيانا سياسة غير مجدية ولا واقعية، خصوصا إذا كانت الصراعات الخارجية ـ كما يُقال أو كما هو سائد في منطقتنا ـ لها امتدادات داخلية أو حدودية، قد يكون من المستحيل معها التزام الحياد فعليا، فضلا عن معانٍ أخرى لهذه السياسة، تصل أحيانا إلى حد اعتبارها تخليا واضحا عن الحق ونصرة قضية عادلة، أو قضايا الأمة، أو الدوائر التي تنتمي إليها.
وعليه، نستنتج أن هذه السياسة ليست ذات جدوى، ولا قابلة للتعميم في كل الأوقات والأزمان والأمكنة، أو تجاه كل القضايا والأحداث، وإنما تنجح عندما تنبع من استراتيجية راسخة أثبتت عمليا، وبالتجربة، أنها تخدم المصالح الوطنية، وكل ما يرتبط بالجوانب المعنوية والحضارية والرمزية لوطنٍ ما.
أما بالنسبة للعراق، فهذه السياسة قد تكون مجدية إذا ما تم تبنيها بوعي، وبصياغة عراقية مختلفة من حيث العنوان والمضمون، أو التفكير والممارسة، عمّا يمارسه الآخرون، ويمكن توظيفها أيضا في بعض التحديات والصراعات التي تستدعي تجنّبها حماية لمصالح البلاد العليا. ولكننا سمّينا هذه السياسة، عراقيا وفي كتابات لنا، باسم مختلف.
نحن نُطلق عليها سياسة "العراق أولا"، أي ترتيب المواقف والسياسات وتنظيمها على أسس أولوية وطنية بات من حق الدولة العراقية ومجتمعها الالتزام بها، وإيلاؤها الاهتمام المطلوب، لتجنيب البلد كل تلك الأحداث أو الحروب أو الاستقطابات الدولية والإقليمية، التي تهدف إلى توريط البلدان بها رغما عن إرادتها، ودون أي اعتبار لاستقلالية قرارها السياسي.
بعبارة أخرى، إن سياسة "العراق أولا" هي سياسة ناجعة وبديلة للجوانب الضعيفة في سياسة النأي بالنفس التي أطلقتها لبنان، على سبيل المثال، عام 2011 إزاء الأزمة السورية، من دون إدراك أن التزام جميع الفرقاء بها لن يحدّ من مطامع تل أبيب في هذا البلد. فمهما قدمت بيروت نفسها كدولة غير منحازة حيال تلك الأزمة، فلن تستطيع تجنّب الغزو الاستخباراتي والعسكري والأمني والسياسي الذي تمارسه إسرائيل بحق لبنان، كجزء من استراتيجيتها الأمنية الوقائية، القائمة أساسا على أوهام الخطر الوجودي عليها.
وهذا يعني أن سياسة النأي بالنفس غير قادرة على قراءة ما هو غير مرئي في حقل السياسة، أو ما هو مخفي في أجندات المخابرات، أو ما هو مضمور في استراتيجيات الأجنبي. ولهذا السبب، لا تستحق التعميم تجاه كل الصراعات والتحديات والملفات الخارجية. وعليه، نجد أن سياسة "العراق أولا"، ولا سيما في بُعدها الخارجي ـ أي ما يتعلق بالموقف من الصراعات والتحديات التي تأتي من خارج البلاد ـ هي الأنجع والأنسب، طالما أنها تُعبّر عن أصالة الموقف وعراقية القرار.
بمعنى آخر، إن سياسة «العراق أولا» قد تعني عدم التدخل عسكريا في حروب المنطقة، لكنها لا تعني التخلي المعنوي والإعلامي عن مبدأ نصرة الحق في مواجهة الباطل، أو مواجهة كل من يشعل نار الحروب والصراعات في المنطقة، وبالتالي الدفاع عن كل من يدافع عن نفسه، وعن كل من يؤمن بمبادئ السلام واحترام القوانين الدولية، ويرفض العنف ومنطق القوة لحسم الملفات والقضايا الشائكة في المنطقة.
إن العراق حينما يتبنى سياسة "العراق أولا"، فإن له أكثر من رسالة يوجهها إلى الأطراف الخارجية، أبرزها أن لهذا البلد الحق المطلق في ألا ينخرط في حروب تُفرض كرها على شعوب المنطقة، وأن على الأطراف التي تبادر بها ألا تفرض شروطها على الدول التي لها مصالحها الخاصة.
كما تعني أن العراق بإمكانه أن يسهم في إفشال مخططات الظالم ونصرة المظلوم بالمقابل، بأساليبه وطرقه الخاصة، وأن يُبلغ العالم بأنه لا ينأى بنفسه عندما يكون اتجاه الأحداث والصراعات وعواقبها الوخيمة يستهدف العراق أيضا، ربما من خلال خلق حجج ومبررات مسبقة وشرعنة ضرب مصالحه وأمنه.
إن العراق عندما يرفع شعار "العراق أولا" إزاء أحداث المنطقة، يعي ما يفعل، ولا حاجة له بوصايا الآخرين أو بسياساتهم القائمة على التوريط، فالبلد هو الأدرى بما يمثّل له سياسات ناجعة ووطنية، ولا يحق لأحد أن يُملي عليه ما يجب القيام به.
*صحيفة"الصباح"البغدادية