*مركز الامارات للسياسات/وحدة الدراسات العراقية
*نجح رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني في مواجهة محاولات "الإطار التنسيقي" لإبعاده عن المشاركة في الانتخابات التشريعية المقررة في نوفمبر المقبل.
*سيخوض السوداني الانتخابات البرلمانية ضمن تحالف انتخابي اسمه "الإعمار والتنمية"، يتألف من عدد من القوى والأحزاب الشيعية بالإضافة إلى 50 نائبا معظمهم من المستقلين.
*يُعد ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي، أبرز المنافسين لائتلاف السوداني الانتخابي، وبخاصة مع غموض موقف زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر حول الموقف من الانتخابات ونتائجها وتشكيل الحكومة المقبلة.
*تُعاني الكتلة الانتخابية للسوداني من ضعف في هندستها، يتمثل في عدم وضوح توجهات فكرية أو أيديولوجية أو سياسية لأحزابها، ووجود منافسين شيعة أقوياء لديهم تنظيمات حزبية ومليشيات وإمكانات اقتصادية كبيرة،
*يُرجح أن يحصد السوداني نتائج متوسطة في الانتخابات، تضمن له تمثيلا جيدا في البرلمان لكنها لا تتيح له الهيمنة على الأغلبية الشيعية أو نيل منصب رئيس الحكومة مرة ثانية.
أعلن رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني تحالفا انتخابيا برئاسته لخوض الانتخابات البرلمانية المقررة في نوفمبر 2025، باسم "ائتلاف الإعمار والتنمية"، والذي يتألف من سبعة أحزاب ومدعوما بكتلة برلمانية من 50 نائبا، معظمهم من المستقلين أو من المنشقين عن أحزابهم الأصلية. وجاء إعلان السوداني بعد مرحلة صدام مع بعض قوى "الإطار التنسيقي" والقضاء شككت في احتمالات مشاركته في الانتخابات، لكن تقييمات الوزن الانتخابي وتماسك الكتلة الجديدة وفرصها ما زالت موضع جدل.
الحرب الإيرانية-الإسرائيلية والانتخابات العراقية
لم تنعكس نتائج الحرب الإسرائيلية-الإيرانية الأخيرة (13-24 يونيو) بشكل واضح على الخريطة السياسية في العراق حتى الآن، سواء على مستوى تراجع القوى المقربة من إيران أو تقدمها في هذه الخريطة، ما سمح بالاستمرار في تمسك الأطراف المختلفة في موعد الانتخابات البرلمانية المقررة في منتصف نوفمبر المقبل، بعد ترجيحات عن تأجيلها أو تغيير قوانينها بما يسمح بمشاركة المقاطعين.
ويعتقد رئيس الحكومة وزعيم ائتلاف "الإعمار والتنمية" محمد شياع السوداني بأن عدم تورط العراق في تداعيات الحرب منجز سياسي لحكومته يمكن أن يشكل رافعة في الانتخابات ومدخلا لتجديد الولاية الثانية، وهو خطاب تبنَّته أيضا المليشيات الطامحة بتوسع تمثيلها السياسي في الانتخابات ولكن هذه المرة بمنح نفسها حق هذا المنجز بسبب التزامها بضبط النفس وعدم ضرب القوات الامريكية أو إسرائيل، وبالتالي جر العراق بشكل مباشر إلى الحرب.
ويبدو أن استمرار البيئة السياسية من دون تغيير دفع زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر إلى تجديد تمسّكه بمقاطعة الانتخابات، مُعللا ذلك بعدم تنفيذ مطالبه بحل المليشيات ومكافحة الفساد ودمج "الحشد الشعبي" بالقوى الأمنية. كل تلك الظروف في حال استمرارها خلال الشهور المقبلة يمكن أن تخدم فرص السوداني الانتخابية، خصوصا بعد تلميح الصدر عبر مقرب منه باحتمال حثّ أنصاره على انتخاب كتلة سياسية تلتزم بشروطه، ما عَدَّهُ بعض المراقبين إشارة إلى إمكانية دعم الصدر للسوداني في الانتخابات، وهو أمر ما زال قيد التكهنات.
استراتيجية السوداني الانتخابية والفئات المستهدفة
إلى جانب الفئات الاجتماعية التي تميل تقليديا لدعم رمز السلطة في البلد، يسعى السوداني إلى استمالة الطبقة الوسطى الشيعية، وتحديدا موظفي الدولة المدنيين والعسكريين، وأصحاب المهن وصغار التجار في بغداد والمحافظات الجنوبية، وهي فئات تميل إلى تفضيل الاستقرار السياسي والإداري والنمو الاقتصادي مهما كان بطيئا وجزئيا على الشعارات الثورية والمواقف المتشددة.
وسعى السوداني إلى تقديم نفسه رئيسا ملتزما بالحوار وعدم التورط في مغامرات سياسية وعسكرية ومنشغل بالخدمات وتطوير الاقتصاد، ما أكسبه دعما يمكن تحسسه من ردود فعل منافسه الانتخابي الذي يستهدف الجمهور نفسه، وهو نوري المالكي، زعيم ائتلاف "دولة القانون" الذي تنبَّه مبكرا إلى هذا التحول في اتجاهات الرأي العام الشيعي، ما حدا به إلى المطالبة بإدخال تعديلات على قانون الانتخابات تفرض نظام انتخاب يمزج بين القوائم النسبية والترشيح الفردي بهدف حرمان السوداني من نقاط قوته الرئيسة، وهي:
**أفضلية التصويت الجماعي لشخصه بصفته وجه القائمة الانتخابية، وبالتالي تحويل الأصوات الفائضة عن العتبة الانتخابية إلى المرشحين في قائمته.
**القدرة على استخدام أدوات السلطة في احتواء الإعلام المحلي والمؤثّرين في وسائل التواصل الاجتماعي، عبر الترغيب والترهيب، لكسب المزيد من الأصوات.
**توجيه المزيد من موارد الدولة نحو تخفيف الاحتقان الشعبي عبر خلق فرص عمل مؤقتة أو دائمة في القطاع العام، والتوسع في شمول المزيد من الأشخاص بإعانات الحماية الاجتماعية.
**تفعيل مبادرات أخرى معطَّلة مثل توزيع الأراضي وقروض الإسكان والمشاريع الصغيرة.
بيد أن نوري المالكي وعددا من القوى الشيعية والسنية لم ينجحوا حتى الآن في فرض تعديلات على قانون الانتخابات بسبب نجاح السوداني في تشكيل كتلة برلمانية ساهمت في تعطيل معظم جلسات مجلس النواب في خلال الشهور الأخيرة.
والتحدي الأبرز الذي يواجه ائتلاف السوداني يتمثل في العزوف الشعبي الكبير عن المشاركة في الانتخابات الذي يرجَّح أن يتعمق مع تأكيد مقاطعة التيار الصدري، فقد أشارت الإحصاءات الرسمية إلى أن نسبة التصويت في انتخابات مايو 2021 بالكاد تجاوزت 41%، في حين أكدت منظمات المراقبة وغالبية المراقبين أن النسبة الحقيقية كانت أقل من 30%، وهي التقديرات التي جاءت الانتخابات المحلية الأخيرة لتعطيها جرعةَ مصداقية قوية، حين اضطرت مفوضية الانتخابات إلى احتساب نسبة المصوتين بناء على عدد الناخبين المسجلين وليس المواطنين الذين يحق لهم التصويت، من أجل رفع نسبة المشاركة من 20% إلى 40%.
هذا الموقف الشعبي السلبي يعكس أزمةَ الثقة العميقة بالنظام السياسي العراقي بشكل عام، ما يفرض على السوداني بذل جهود استثنائية من أجل حثّ الأغلبية الصامتة على المشاركة، من أجل دعم مشروعه السياسي، نظرا إلى أن توجهات الأقلية المواظبة على ممارسة حقوقها الانتخابية باتت شبه محسومة لصالح القوى التقليدية، ومن بينها الميليشيات التي تدخل إلى الساحة الانتخابية بزخم متواصل وإمكانات عسكرية واقتصادية كبيرة.
ومع تصاعُد الدعوات لمقاطعة الانتخابات من بعض الأحزاب الجديدة، اضطر السوداني إلى الدخول على خط السجال غير المباشر مع زعيم التيار الصدري، حين اتهم "الجهات الداعية إلى مقاطعة الانتخابات بأنها تسعى إلى عرقلة الإصلاح وإجهاض مشروع التنمية والوقوف بوجه جهود بناء الدولة"، بهدف جذب جزء من القاعدة الشعبية للتيار الصدري للتصويت لصالح ائتلاف السوداني، وهو الاحتمال الذي ما زال مرتبطا برغبة زعيم التيار مقتدى الصدر في دعوة جمهوره إلى هذه الخطوة أو حثّهم على استمرار المقاطعة، وهو ما سوف تكشف عنه الشهور المقبلة.
الحلفاء بين المكاسب والمخاطر
إلى جانب حزبه "تيار الفراتين"، يتألف ائتلاف السوداني من قوى وشخصيات سياسية عدة، وفق الآتي:
**إياد علاوي رئيس (ائتلاف الوطنية):
يُشكّل انضمام إياد علاوي زعيم ائتلاف الوطنية إلى "ائتلاف الإعمار والتنمية"، مكسبا للسوداني، فلا يزال علاوي، الذي يعد من الآباء المؤسسين للنظام العراقي الجديد، يمتلك رصيدا سياسيا وخبرة في الحكم والعملية السياسية، كما أن قاعدته الانتخابية كانت مكونة من العلمانيين والمدنيين وقدامى القوميين والبعثيين. لكن علاوي يجلب في المقابل أعباء سياسية ودعائية بسبب كُبر سنّه، وقد تراجعت شعبيته تدريجيا مع صعود نجم رئيس البرلمان السابق محمد الحلبوسي.
فالح الفياض (العقد الوطني):
يحقق انضمام رئيس هيئة الحشد الشعبي إلى ائتلاف "الإعمار والتنمية" مكاسب عديدة للسوداني، حيث يستفيد الائتلاف من شبكة التحالفات الواسعة التي أقامها الفياض مع العشائر في المحافظات السنية، وبخاصة في محافظة نينوى، حيث تشير المعلومات إلى نجاح "الإعمار والتنمية" في استقطاب بعض الوجوه السياسية والاجتماعية البارزة هناك. ومن جهة أخرى، فان وجود الفياض، المعروف بقربه من إيران وميليشياتها في العراق والمنطقة، داخل قائمة السوداني، يُقلل من جاذبيتها، سواء في المجتمع السُّني أو في الفئات المدنية والعلمانية.
أحمد الأسدي (بلاد سومر):
يحقق انضمام وزير العمل إلى "ائتلاف الإعمار والتنمية" مكاسب انتخابية من طريق تسخير برنامج الحماية الاجتماعية الذي أصبح بمنزلة شبكة نموذجية لاستقطاب الناخبين، فقد أضاف البرنامج أخيرا قرابة مليون أسرة، ليصل مجموع المستفيدين إلى 2.15 مليون أسرة، وهو ما عَدَّتهُ الحكومة إنجازا مع أن بعض الاقتصاديين عَدّوه دليلا على غياب رؤية تنموية بعيدة المدى وعبئا على الموازنة. وفي المقابل، فإن تزعُّم الأسدي لميليشيا "جند الإمام"، إحدى أذرع مليشيا "كتائب الإمام علي" بزعامة شبل الزيدي، والتي تُعد من بين أذرع إيران في العراق، يطعن في فاعلية خطاب قائمة السوداني وتوجهاتها، سواء على صعيد العلاقات العربية أو تمثيل الدولة ومؤسساتها مقابل تغوّل المليشيات في تلك المؤسسات.
محمد الدراجي (حلول):
وهو مستشار حالي لرئيس الوزراء، وعلاوة على خبرته الإدارية والسياسية بصفته وزيرا أسبق لوزارة الإعمار والإسكان ورئيسا لهيئة التصنيع العسكري، ونائبا لدورتين (واحدة عن التيار الصدري، والثانية عن تحالف الميليشيات "الفتح" بعد طرده رسميا من التيار الصدري)، فإن استيعاب "ائتلاف الإعمار والتنمية" للدراجي يُمثل واحدة من أوضح صور سعي السوداني لاجتذاب جزء من القاعدة الشعبية للتيار الصدري. وفي المقابل، فإن الدراجي لم ينجح في الحصول على أي مكاسب انتخابية عام 2021، ومن غير المتوقع أن يسعى الصدر إلى دعمه في الانتخابات المقبلة.
نصيف الخطابي (إبداع كربلاء):
يشغل الخطابي منصب محافظ كربلاء، وقد شكّل مع محافظ البصرة أسعد العيداني ومحافظ واسط محمد جميل المياحي، ما عُرف بـ"ظاهرة المحافظين الناجحين" في انتخابات مجالس المحافظات الأخيرة، إثر فوز قائمته "إبداع كربلاء" بنحو نصف أصوات الناخبين المشاركين. ولا شك في أن جذب الخطابي يُمثل نقلة في المعركة الانتخابية ضد منافس السوداني الرئيس، زعيم "ائتلاف دولة القانون"، نوري المالكي. ومع ذلك، فإن احتفاظ الخطابي بوزنه الانتخابي في كربلاء مشكوك فيه بسبب المتغيرات والانتقادات التي تواجه الحكومة المحلية التي يقودها هناك.
محمد الصيهود:
يمثل اصطفاف شيخ عشيرة السودان إلى جانب ابن عمه رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، أمرا بديهيا على رغم صراع الرجلين فيما بينهما بشكل علني في خلال انتخابات 2021، فقد خاض الصيهود الانتخابات ضمن ائتلاف "دولة القانون" بزعامة المالكي، ولكن وصول السوداني إلى سدة الحكم عُدَّ فرصة لتعزيز حضور العشيرة في مؤسسات الدولة. ومع افتراض توفيره قاعدة عشائرية تساهم في تعبئة عدد من الأصوات، فان الصيهود كما السوداني يُرشحان بشكل شخصي في بغداد بعيدا عن القاعدة التقليدية لعشيرة السودان في مدينة العمارة الجنوبية.
الكتلة النيابية:
تضم نحو 50 نائبا معظمهم من المستقلين وبعضهم من المنشقين من كتلهم الأساسية، وأبرزها كتلة "دولة القانون" التي انشقت عنها النائبتان المثيرتان للجدل حنان الفتلاوي وعالية نصيف، بالإضافة إلى الصيهود ونواب آخرين. بيد أن الأداء الانتخابي المتواضع للدورة الحالية، وعدم وجود فاعلية لمعظم نواب البرلمان، وانتشار شبهات الفساد فيما بينهم يجعل معظم أعضاء هذه الكتلة، قد يجعلهم عبئا على السوداني أكثر من كونهم مكسبا.
المنافسون الرئيسون
المنافس المباشر الأبرز لائتلاف السوداني هو ائتلاف "دولة القانون" بزعامة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، الذي قرر المشاركة بنفسه في بغداد لتكون منافسة شخصية ومباشرة مع السوداني. ويمتلك المالكي تنظيمات قوية ومدربة في بغداد والمحافظات الجنوبية، مثل البصرة وذي قار والمثنى وكربلاء والسماوة، ولا يزال يتمتع بنفوذ قوي مدعوم بولاء كتلة اجتماعية صلبة من الطبقة الوسطى وموظفي الدولة والعسكريين، بالإضافة إلى علاقاته القوية مع مجلس القضاء الأعلى، ما مكّنه من تجاوز كل محاولات إخراجه من المشهد السياسي، الأمر الذي يفرض على السوداني تحقيق اختراق كبير في قواعد "ائتلاف دولة القانون"، باعتبار ذلك شرطا لتحقيق الفوز في انتخابات نوفمبر المقبل.
وإلى جانب ائتلاف المالكي، يُعد تحالف "الفتح" بزعامة هادي العامري منافسا رئيسا، خصوصا في المحافظات الجنوبية حيث يشارك بقوائم تمثل معظم المليشيات مستمدا دعمه من "الحشد الشعبي"، إذ تمتلك المنظمة 15 لواء في الحشد. وقد تلقت حظوظ العامري دفعة قوية بعد انتخابات مجالس المحافظات، بتسجيل ميليشيا "منظمة بدر" عودة انتخابية قوية بعد تراجع الكتلة عام 2021، خوّلتها الحصول على منصب المحافظ في محافظتي ميسان والديوانية.
وعلى رغم قرار زعيم مليشيا "عصائب أهل الحق" قيس الخزعلي الدخول منفردا عبر كتلة "صادقون" إلى المنافسة الانتخابية، فإنَّه لن يكون بدوره منافسا سهلا، خصوصا مع الإمكانات الاقتصادية الكبيرة التي حصل عليها الخزعلي في ظل حكومة السوداني، ونمو نفوذه بشكل كبير داخل الجيش والقوى الأمنية، بالإضافة إلى أذرعه الإعلامية المؤثرة.
كما يعد ائتلاف "قوى الدولة" بزعامة عمار الحكيم منافسا مهما في بغداد ومحافظات الفرات الأوسط، حتى بعد إعلان زعيم ائتلاف النصر حيدر العبادي مقاطعة الانتخابات، مشككا بنزاهتها. ويسعى الحكيم لتمثيل خيار الناخبين الذين لا يرتبطون بالتيار الصدري أو الإطار التنسيقي، بفضل خطابه المرتكز على البُعد المدني والإداري.
أما التيار الصدري، الذي يبدو أن السوداني يسعى لوراثة القسم الأكبر من تركته السياسية، فسوف يشكل أي قرار يتخذه زعيمه مقتدى الصدر بدعم أطراف سياسية مناوئة للسوداني، ضربة انتخابية من الصعب تداركها.
وفي مؤخرة الركب، يأتي تحالف "البديل"، الذي يضم الأطراف المدنية والعلمانية وقوى تشرين الشبابية، والذي ما زال يفتقر إلى التنظيم والتمويل، لكنَّه يُعدّ منافسا محتملا وقد يُحقق مفاجئة انتخابية في حال قرر الصدر دعمه.
ويبرز منافس غير مباشر هو محمد الحلبوسي الذي يتصدر قائمته "تقدم"، ومن المتوقع أن يحصد نتائج في المحافظات المختلطة، مثل بغداد وبابل وواسط وديالى وكركوك، تُزاحِم السوداني الذي يحاول جمع مقاعد في المحافظات السُّنية مثل الأنبار وصلاح الدين والموصل.
ساحات المعركة الانتخابية
تتوزع ساحات المنافسة الانتخابية بالنسبة لائتلاف السوداني على مراكز رئيسة تُشكل مصدر ثقل في البرلمان الذي تبلغ مقاعده 329 مقعدا:
**العاصمة بغداد (71 مقعدا)، وخصوصا أحياء الرصافة والكاظمية ومدينة الصدر، حيث يراهن ائتلاف السوداني على استعادة أصوات التيار الصدري العازفة عن التصويت، واستمالة ناخبي تحالف "الفتح" الذين خاب أملهم بأداء نواب الميليشيات، وهي الساحة ذاتها التي يعول عليها نوري المالكي.
**المحافظات الجنوبية الثلاث: البصرة (25 مقعدا)، وذي قار(19 مقعدا)، وميسان (10 مقاعد)، حيث سيحاول السوداني منافسة كتلتي "الفتح" و"دولة القانون"، بالإضافة إلى أسعدالعيداني محافظ البصرة، الذي نال حزبه "تحالف تصميم" أكثر من نصف أصوات الناخبين البصريين في انتخابات مجالس المحافظات الأخيرة، بالإضافة إلى بروز تحالفات عشائرية وقوى جديدة ناشطة في الجنوب مثل "تحالف البديل".
**محافظة واسط (12 مقعدا)، التي تحولت إلى ساحة منافسة حقيقية بعد استقالة محافظها محمد جميل المياحي، الذي حصد نصف مقاعد المحافظة في انتخابات مجالس المحافظات، لكنَّه تعرض إلى هزة شعبية كبيرة بعد فاجعة حريق الكوت الأخيرة.
**بابل (17 مقعدا)، والنجف (12 مقعدا)، حيث تتنافس "قوى الدولة" بزعامة الحكيم مع السوداني، وبخاصة مع تراجع حضور "الفتح" وتحالف بعض العشائر والوجهاء مع قوائم مدنية أو مستقلة، بالإضافة إلى تصاعد حظوظ الحلبوسي بتحالفه مع شيخ عشيرة الجنابيّين عدنان الجنابي. وتنشط في المدينتين ومعظم مدن الفرات الأوسط قائمة "إشراقة كانون" المقربة من أجواء مرجعية السيستاني، والتي حصلت على 7 مقاعد عام 2021 ويمكنها تطوير هذه الحصيلة، كما تنشط كتلة "صادقون" التي ينتمي اليها محافظ بابل حاليا.
**نينوى (34 مقعدا)، وكركوك (13 مقعدا)، حيث يواجه "الإعمار والتنمية" منافسة من الحزبين الكرديين الرئيسين (الحزب الديمقراطي الكردستاني، وحزب الاتحاد الكردستاني) وقوائم سُنية، في دوائر تتسم بحساسية طائفية وعرقية، ويعتمد فيها توزيع المقاعد على المقعد الانتخابي المشترك.
السيناريوهات المتوقعة لائتلاف السوداني
**السيناريو الأول: التفوق النسبي (أكثر من 50 مقعدا)
ينبني هذا السيناريو على تمكُّن ائتلاف السوداني من حصد ثلث مقاعد القوى الشيعية التي يُتوقع أن تكون في هذه الانتخابات نحو 175 مقعدا، علاوة على تحقيق بعض الاختراقات في المحافظات المختلطة بفضل قدرته على الجمع بين الدعم الحكومي، من حيث استخدام النفوذ التنفيذي والتمويل لدعم حملته الانتخابية، وتقديم خدمات عاجلة للمناطق ذات الكثافة السكانية وإطلاق مبادرات، إلى جانب الاستفادة من حالة الانقسام داخل قوى "الإطار التنسيقي" واحتقان الشارع تجاه بعض أحزابه التي خسرت محافظات مهمة في انتخابات مجالس المحافظات الأخيرة، وكذلك أفول نجم المرشحين المستقلين والحركات الناشئة.
لكن هذا السيناريو الذي يضمن للسوداني قيادة القوى الشيعية الأخرى في خلال المرحلة المقبلة يُمكن أن تعرقله مجموعة عوامل، من بينها حدة المنافسة مع القوى الشيعية التي تمتلك إمكانات كبيرة، وتضرر شعبية السوداني مع الأزمات الاقتصادية المتوقع تفاقمها، بالإضافة إلى الفارق في الخبرات الانتخابية بين السوداني وخصومه، وضعف شعبية العديد من مرشحيه مقارنة بخصومه.
**السيناريو الثاني: نتائج متوسطة (30 - 40 مقعدا)
في هذا السيناريو، الأكثر ترجيحا حتى الآن، سوف يحقق ائتلاف "الإعمار والتنمية" حضورا متوسطا، ما يتركه بعيدا عن موقع الهيمنة على الأغلبية الشيعية لكنَّه يضمن له تمثيلا جيدا. ويُعزى ذلك إلى مزيج من النجاح في تشكيل تحالف ذي قاعدة سياسية واسعة، وبروز منافسين شيعة أقوياء لديهم تنظيمات حزبية ومليشيات وإمكانات اقتصادية كبيرة، وتصب المقاطعة الشعبية للانتخابات في صالحهم، فضلا عن طريقة توزيع المقاعد وفق نظام القوائم النسبية (سانت ليغو) الذي يوزع المقاعد بين القوى الكبيرة.
**السيناريو الثالث: نتائج محدودة (أقل من 25 مقعدا)
يفترض هذا السيناريو فشل ائتلاف "الإعمار والتنمية" في تحقيق اختراق مُعتبر، ويعود ذلك بشكل أساس إلى استنزاف السوداني لمعظم رصيده الشعبي في الترويج الإعلامي المفرط لأداء حكومته، عبر حملات إعلامية مباشرة وغير مباشرة، وصلت إلى حد خلق واقع موازٍ لا ينسجم مع الواقع الأمني والسياسي والاقتصادي، إضافة إلى إمكانية تصاعد المواجهة الدعائية ضده من قبل خصومه قبل الانتخابات، لإثارة قضايا مثل الإخفاق في مكافحة الفساد، وفضيحة التجسس على المسؤولين الحكوميين والقضاة، واستخدام المال العامة لشراء دعم وسائل إعلامية ومؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي، بما يسهم في حدوث تراجع في حظوظ ائتلافه الذي يعاني في الأساس من تناقض مكوناته، وهشاشة البناء الحزبي والتنظيمي، وافتقاره إلى قواعد شعبية منظمة مقارنة بقوى "الإطار التنسيقي".
الاستنتاجات
نجح السوداني في تجاوز بعض الأزمات الكبيرة، مثل ارتدادات الحرب الإسرائيلية-الإيرانية، وقضية "التجسس" التي وضعته بمواجهة مباشرة مع زعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي ورئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، كما أنه قاوم محاولات بعض قوى "الإطار التنسيقي" لإبعاده عن المشاركة في الانتخابات أسوة بسلفه مصطفى الكاظمي.
ونتائج معالجه السوداني للأزمات الأمنية والسياسية والاقتصادية ستضمن له بالتأكيد حيزا في البرلمان المقبل، إلا أنها خلقت أجواء عدم ثقة مع الفاعلين الشيعة الرئيسين يتقدمهم المالكي، وقد ينضم إليهم زعيم "الحزب الديمقراطي الكردستاني" مسعود بارزاني، وزعيم "تقدم" محمد الحلبوسي، بما يشكل تحديا كبيرا لفرص نيله الولاية الثانية، مع غموض موقف زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر حول الموقف من الانتخابات ونتائجها وتشكيل الحكومة المقبلة.
وكل السيناريوهات المطروحة حول حصيلة السوداني الانتخابية، تُرجِّح تركيزه على بناء كتلة برلمانية مستقبلية توفر غطاء الحماية والتأثير السياسي في المرحلة المقبلة، أكثر من التركيز على الولاية الثانية التي ستكون حساباتها مختلفة عن معادلة أوزان الكتل السياسية ونتائجها الانتخابية، وستكون الأدوار الإقليمية والدولية حاضرة فيها بشكل أكثر وضوحا. ومع ذلك، من غير المضمون احتفاظ السوداني بأعضاء كتلته البرلمانية في حال خسارة منصب رئاسة الوزراء، خصوصا أن ائتلافه الانتخابي يتكون من قوى متباينة وغير منسجمة فكريا وغير منتظمة حزبيا، ولدى العديد منها تاريخ في تغيير ولاءاتها الحزبية والتنقل بين قوى سياسية مختلفة.
الخلاصة،
أن الكتلة الانتخابية للسوداني تعاني من ضعف في هندستها يتمثل في عدم وضوح توجهات فكرية أو أيديولوجية أو سياسية لأحزابها بل تضاربها في التوجهات، كما يتبدى في الجمع بين مرشحين من "قوى تشرين" وآخرين من "الحشد الشعبي" والمليشيات، وتعاني هذه الكتلة أيضا من الاعتماد الواضح على شعبية السوداني في بغداد وتحالفات الفياض في نينوى، وإمكانات محافظ كربلاء، وشبكة المستفيدين من برامج الرعاية الاجتماعية. وترجيح أن ائتلاف السوداني سيحقق نتائج متوسطة في الانتخابات تفرضه قراءات اليوم، مع حساب تحديات ومتغيرات تفرضها ساحة التنافس الانتخابي في خلال الأشهر المقبلة قد تدفع السوداني إلى الأمام أو تعود به إلى ما دون النسب المتوسطة.