*د. عدالت عبدالله
لا تمر فترة زمنية وجيزة إلا ونسمع ونرى فيها أن حزبا جديدا قد تشكل، أو تيارا آخر قد تأسس، أو مجلسا ما قد أعلن عن نفسه والتحق هو الآخر بالعمل في حقل السياسة، وكل ذلك باسم الدفاع عن الوطن، أو تمثيل الشعب وتطلعاته، أو مفاهيم أخرى مرتبطة بخطاب الوطنية. هذه الظاهرة أصبحت لعبة مألوفة بالنسبة لنا في عراق اليوم، تمرّ أمام أعيننا بكل بساطة دون أن نفكر فيها، أو نفحص أسبابها، أو نكشف دوافعها، أو نسأل عن مبرّراتها أي دون أن نضعها تحت المجهر ونستنتج جدواها أو نخضعها لعملية الفهم والعقلنة.
وليس السبب في ذلك أننا لا نشعر بها كحالة شاذة أو ظاهرة غريبة وموضع شك، ولا لأننا لا نهتم بها لكونها لا تؤثر في حياتنا السياسية، وإنما لأننا، قبل أي شيء، عاجزون إلى حدّ كبير عن فعل أي شيء تجاه جاذبية الشعارات الديمقراطية أو ترداد الخطاب الديمقراطي، الذي عادة ما يستند إليه ويستند عليه كل حزب أو تيار سياسي في تأسيسه، ويجعل من مفردات هذا الخطاب، لا سيما مفردة “التعددية السياسية”، سلاحا سحريا جذابا لشرعنة وجوده وتبرير قيامه وتلميع أهدافه.
وإذا قرأنا هذه الظاهرة من خلال تسويغاتها المصاحبة لهذا الخطاب الديمقراطي، نجد – من حيث المبدأ ومن منطق الديمقراطية – أن هناك بالفعل شرعية لا خلاف عليها لتأسيس أي حزب أو تيار سياسي في العراق، ولا يملك أحد مصادرة هذا الحق المضمون ديمقراطيا، والذي يتيح للمجاميع البشرية تنظيم صفوفها سياسيا وأيديولوجيا.
وإذا تأملنا تاريخ العراق السياسي وطبيعة الأنظمة الحاكمة فيه أيضا، لا سيما بعد النصف الثاني من ستينيات القرن الماضي، وتحديدا بعد وصول حزب البعث إلى الحكم (1968- 2003)، سرعان ما نكتشف أن هناك مصادر أخرى لهذه الظاهرة، أبرزها يكمن في طبيعة النظام السياسي الذي كان قائما طوال عقود، والذي خلّف لنا تاريخا طويلا من الكبت السياسي، واعتاد أن يفرض علينا مبدأ الحزب الواحد قسرا، جاعلا منه قبلة سياسية دوغمائية لا تقبل التبديل أو التغيير أو حتى النقد أو المعارضة.
هذه الخلفية التاريخية، التي تأسست تدريجيا عبر مؤسسات الدولة الأيديولوجية وبمختلف أنواع القمع والاستبداد، أنتجت لنا بعد سقوط النظام السابق ظاهرة كثرة الأحزاب والتيارات السياسية، بكل مظاهرها وتجلياتها الإيجابية والسلبية. وهي اليوم مسؤولة بدرجة كبيرة عن ولادة الاختلافات السياسية المقموعة سابقا، وتفجّرها بهذا الشكل المرضي.
والحق يُقال: إن هذا التفجّر السياسي للمجتمع العراقي بعد عقود من القمع والحرمان السياسي، فيه شيء من المعقولية إذا ما رُبط بالبعد النفسي للظاهرة، كردّ فعل على سياسات البعث الفاشية في قمعه وتهميشه للمكونات المختلفة. ويمكن للمرء أن يتفهّم هذه العقدة النفسية الناتجة أساسا عن الحرمان من التعبير عن الذات، ويرى فيها نوعا من التفريغ السياسي لطموحات مكبوتة وآمال مؤجلة.
لكن القراءة العميقة للظاهرة تكشف لنا أنها لا تتعلّق فقط بالمسوغات الديمقراطية ولا بحبنا للنظام التعددي، ولا تعود فقط إلى تركيبة المجتمع العراقي المتنوّعة، بل هناك أوجه أخرى ينبغي تسليط الضوء عليها ونقدها، وهي تلك التي يُخفيها خطاب التعددية نفسه، وما لا يقوله في تفسيره لتعدّد الأحزاب بهذه الكمية وبهذه الكيفية المتردية.
بعبارة أخرى: هناك أسباب أخرى تقف وراء هذه الظاهرة وتحولها إلى حالة مرضية مقلقة، خصوصا إذا علمنا أن عدد الكيانات السياسية المشاركة في انتخابات 2025 قد تجاوز 150 كيانا، وأن عدد الأحزاب المسجّلة منذ تأسيس دائرة الأحزاب عام 2015 حتى الآن يزيد عن 338 حزبا، فضلا عن 61 حزبا قيد التأسيس، بحسب المفوضية العليا للانتخابات العراقية.
السبب الأبرز الذي يفسر هذه الظاهرة هو أننا، خلافا لما ندّعي ونصرّح به إعلاميا، أخفقنا تماما في بناء أسس وطنية وعقلانية تبرّر تشكيل هذا العدد الضخم من الأحزاب. كما أننا عاجزون عن فهم “تعدديتنا المفرطة” رغم أن مشكلاتنا السياسية متقاربة إلى حدّ كبير إن لم تكن واحدة.
هذا الإخفاق في تنظيم حياتنا السياسية لا يمكن تبريره بالأسباب الموضوعية فقط، بل يعود إلى افتقارنا لثقافة الحوار، ولعدم قدرتنا على البحث عن القواسم المشتركة، وعدم احترامنا للآخر المختلف، واعتقادنا أن الحقيقة حكرٌ علينا وحدنا، وأن من لا يتماهى معنا فهو خصم أو عدو أو خائن. وتعود هذه الظاهرة أيضا إلى الطابع الانغلاقي للفئات المؤسسة لهذه الأحزاب، وإيمانها بأنها على “الصراط المستقيم” والآخرون على “الضلال”. ويكفي أن نستعرض خطابات العديد من هذه الأحزاب لنجد تقييمات ثنائية قاتلة، كأن يصف حزبٌ نفسه بالوطني وغيره بالعميل، أو بالمدافع عن الإسلام وغيرُه بالمرتد، أو بالليبرالي والديمقراطي والبقية بالفاشيين والشوفينيين.
هذه الاعتقادات السائدة في الوسط السياسي العراقي، والتي تعبّر عن عقلية إقصائية، لا تنتج لنا إلا مزيدا من التشرذم والانقسام، ولا تمهّد لأي تفاهم وطني أو حوار ديمقراطي حقيقي، بل كانت سببا في العديد من الصراعات بين التيارات السياسية، ولا تزال محفزا على المزيد منها.
لهذا، يمكننا القول باختصار: إن التعددية السياسية السائدة في العراق ليست تعددية صحية، بل إنها محمّلة بإشكاليات خطيرة، ويجب على كل حزب أو تيار سياسي أن يعيد النظر في مبرّرات وجوده الضعيف، وأن يراجع أسس تأسيسه في ضوء التحديات الراهنة التي تمر بها البلاد، وحاجتها الملحّة إلى التوافق، والتصالح، والتلاحم الوطني.
*عن صحيفة" الصباح"