×


  قضايا كردستانية

  وحدة الكرد ضمانة نجاحنا في بغداد



*سعدي أحمد بيره

 

*الترجمة : نرمين عثمان محمد

يمثل التاريخ الطويل لنضال الشعب الكردي القومي في مراحله المختلفة محطات مليئة بالتجارب والأحداث التي يمكننا أن نستخلص منها اليوم الكثير من العبر والدروس، لاسيما في هذه المرحلة التي اضطرت فيها القيادة الكردية إلى الدخول في حوارات ومفاوضات مع المركز من أجل نيل الحقوق المشروعة لأمتنا.

 

غياب الانسجام والوحدة ألحق بنا الأذى

على مدار سنوات النضال الكردي التحرري، كانت القيادة الكردية تسعى، إلى جانب الكفاح المسلح، إلى اتباع نهج دبلوماسي وسياسي لتحقيق حقوق الشعب الكردي عبر الحوار والمفاوضات. ولكن، في كثير من الأحيان، كانت محاولاتها تُواجه بعقبات كبيرة وتُمنى بالفشل بسبب غياب الانسجام والوحدة الكردية، مما جعل الطرف الكردي غالبا ما يخرج خاسرا من المفاوضات، بينما استفاد الطرف المقابل من هذا الوضع.

لدينا العديد من الأمثلة على ذلك، خصوصا في مرحلة النضال المسلح، فعلى امتداد سنوات ثورة شعبنا الجديدة، أُتيحت أكثر من مرة فرصة التفاوض مع بغداد، بدءا من مفاوضات لجنة التحذير التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979، مرورا بمفاوضات قيادة الاتحاد الوطني الكردستاني عام 1983، حيث شكّلت كلتاهما مثالآ واضحا على فشل المفاوضات الكردية، إذ كانت القيادة الكردية وقتها غير متفقة ومتناحرة على الخط السياسي للنضال التحرري، بل إنّ آثار الحرب الداخلية كانت لا تزال تخيّم على سماء كردستان.

 

نجاحنا جاء عندما توحدنا

في المقابل، كان أبرز نموذج لنجاح الكرد في المفاوضات هو بعد سقوط نظام البعث، عندما ذهبت القيادة الكردية لأول مرة إلى بغداد موحدة ومتماسكة، واستطاعت حينها تحقيق مكاسب كبيرة للشعب الكردي، أبرزها المشاركة في صياغة دستور جديد للعراق، وهو أحد أهم المكاسب التاريخية للقيادة الكردية. كما شكّل وجود الراحل مام جلال (جلال طالباني) في بغداد كرئيس لجمهورية العراق عاملا كبيرا في تعزيز الدور الكردي في العملية السياسية العراقية، وكان بمثابة مظلة جمعت جميع القوى والأطراف السياسية، ليس فقط الكردية، بل على مستوى العراق كله. ولهذا السبب أطلق عليه المرجع الأعلى للشيعة في العالم، السيد علي السيستاني، لقب "صمّام أمان العراق"، وهو وصف كان واقعيا إلى حد كبير، لأن العراق اليوم مختلف تماما عن عراق الأمس الذي كان فيه "صمّام الأمان" قادرا على حل أزمات البلاد الكبرى.

 

سياسة بافل طالباني نحو الوحدة

اليوم، يستمر الاتحاد الوطني الكردستاني، برئاسة الرفيق بافل طالباني، في أداء الدور ذاته الذي كان يلعبه مام جلال في العملية السياسية، ومحاولاته الناجحة لضمان رواتب ومعيشة موظفي وعوائل كردستان تعبّر عن التزامه بمبادئ مام جلال المتعلقة بالوحدة. وإنّ سياسة بافل الحالية، ومساعيه لتعزيز الوحدة على المستوى الداخلي، والعمل من أجل موقف موحد ومتفق عليه في العلاقات مع بغداد، تعدّ امتدادا مباشرا للدور الكبير الذي اضطلع به الراحل مام جلال.من هنا ندرك أن وحدة القيادة الكردية هي الضمانة الأهم لتحقيق النجاح في بغداد وفي جميع العلاقات، سواء الداخلية أو الخارجية، فكلما زاد تماسك ووحدة الموقف الكردي، زادت المكاسب التي يمكن أن تُحقق لصالح الشعب والأمة الكردية.

 

الكرد شاركوا في كتابة الدستور العراقي

وجدير بالذكر أن الدستور الذي شاركنا ككورد بدور رئيسي في صياغته، يتضمن المادة 140 التي تتعلق بإعادة المناطق المتنازع عليها  إلى كردستان وإنهاء آثار السياسات الشوفينية البعثية التي هجّرت وعرّبت الكرد في أراضيهم التاريخية. إلا أنّ القيادة الكردية لم تستطع  بسبب غياب التماسك والوحدة أن تضغط بشكل منسق لتنفيذ هذه المادة، فمرت عشرون سنة على إقرار الدستور دون تنفيذ المادة 140. والأسوأ من ذلك، أن القوى الشوفينية بدأت مؤخرا بتنفيذ ذات السياسات القديمة من تعريب وتهجير، حيث يُطرد الكرد من بيوت أجدادهم، وتُصادر أراضي الفلاحين الكرد.

 

ضغوط بغداد على الإقليم

إنّ الضغوط التي تمارسها الحكومة الفيدرالية على إقليم كردستان، من قطع الموازنة ووقف إرسال النفط إلى حد حرمان موظفي الإقليم من لقمة عيشهم، كلها تعكس عدم احترام لحقوق الكرد. ففي الوقت الذي يُشكّل فيه الكرد قوة مؤثرة في المعادلة السياسية العراقية ولهم دور كبير في العملية السياسية، نرى أن بغداد بعدما استعادت أنفاسها وقوتها  بدأت بممارسة ضغوطات ممنهجة تهدف إلى إضعاف الكيان الدستوري للإقليم.

تسعة أشهر بعد الانتخابات... ولا حكومة جديدة

وهذه ليست فقط أزمة تهدد كيان الإقليم، بل هي أيضا، في رأيي، أزمة تتعلق بتأخرنا في تشكيل حكومة داخلية جديدة، حيث أننا وبعد مرور قرابة تسعة أشهر على إجراء انتخابات البرلمان، لم نتمكن حتى الآن من تشكيل حكومة شرعية فعالة ومتوازنة وشاملة. وهذا يُعد نقطة ضعف كبيرة في مسيرتنا، يستغلها أعداء الإقليم والجهات المناوئة لنا لإضعاف كياننا أكثر فأكثر.

رغم أننا أجرينا العديد من جولات الحوار وشكلنا لجانا متعددة، وجرى تبادل وثائق عدة، إلا أننا لم ننجح حتى اليوم في التوصل إلى اتفاق حقيقي يجمع الجميع تحت مظلة واحدة. والحال أن "الحوار" في جوهره  الفلسفي يعني "العطاء والأخذ"، أي أنك حين تدخل مفاوضات ينبغي أن تقدم شيئا لتكسب شيئا، لكن مع الأسف، لا تزال بعض الأطراف السياسية تتجاهل هذه الحقيقة عمدا، ولا تصغي إلى صوت العقل.

 

برلمان فعّال وحكومة متوازنة

نحن بحاجة إلى برلمان فعّال، وحكومة قوية، موحدة، منسجمة، لكي نتمكن من التفاوض مع بغداد بصوت واحد، ونطالب بكل حقوقنا الدستورية. وكما قال الشاعر شوقي:

"وما نيلُ المطالبِ بالتمنّي

ولكن تؤخذُ الدنيا غِلابا"


14/08/2025