*عماد أحمد
بعد نشر مقالي السابق (مع مام جلال، حزن ورؤى)، اتصل بي بعض الأصدقاء والرفاق عبر الهاتف والواتس آب، سواء بالمكالمة أو إرسال رسالة، منهم من يقول: ستتحقق مقولة كاك دلير سيد مجيد إن شاء الله، ومنهم من يدعو لتوضيح سبل معالجة الحلول، حيث قطعتُ في رؤياي وعدا للراحل مام جلال بأننا نبذل جهودا جادة من أجل حل الخلافات التي يمر بها إقليم كوردستان.
خلاصة القول: إنهم (الأصدقاء) كانوا يريدون أن أكتب لهم حول عملية الإصلاحات وأوضح كيف نحُلُّ الخلافات ونطبع الأوضاع؟ وهنا أود طرح رأيّ الشخصي بصراحة ووضوح، فإن أصبتُ فليّ ثوابان وإن أخفقتُ فواحد، سيرا على المذهب الجعفري في الإسلام. وعليه دخلتُ مكتبتي وجلستُ أمام تمثال مام جلال الجديد المنصوب قرب نافذة الغرفة وخطرتْ لي كتابة هذه الأسطر، ثم بدأتُ الكتابة بإبهامي يديّ على دفتر ملاحظات هاتفي وكأني أتحدث إلى مام جلال بنفسه وعينه. علينا البدء بالانتقاد وانتقاد الذات. نعيش في بلد تعصف به مشاكل الرواتب ونقص الطاقة والمياه والجفاف والاضطراب والأزمات. فمن جهة قلما نرى وحدة صف وموقف الأطراف السياسية على الساحة في إقليم كوردستان، وعلاقةُ السلطة بالمعارضة أسوأ ما تكون، وثقةُ الشعب بالسلطة معدومة، ومن جهة أخرى تزايدت التدخلات الإقليمية، والإعلامُ بشكل عام يؤدي دورا سلبيا في تغطية الأحداث. نحن نعيش في إقليم يُقدّرُ عدد سكانه بنحو 6 ملايين و400 ألف نسمة، يقع معظمهم على خط الفقر، وهذا أحد أوجه المسألة، أما وجهها الآخر فيتمثل في توظيف آلآف العمال والخدم الأجانب للعمل في منازل بعض السكان والقطاع الخدمي بالمدينة، في وقت نعاني نحن من بطالة عشرات الآلآف من أبنائنا، وبالإضافة إلى الفقر فإن الآلآف من سكان الإقليم يقصدون سنويا دول الخارج بهدف السياحة والسفر أو أداء المراسم الدينية، هذا هو واقع الحال في إقليمنا. ومثلما يتردد دائما وسط كوادر الاتحاد الوطني الكودرستاني: وما التدبير؟ وما الحل؟ أولا أن ما نمر به هو نتاج سلوكياتنا وسياساتنا بالدرجة الأساس. ولكن السؤال هو: هل تتعدل الأوضاع الراهنة وتتطبع أم أن الحل ضرب من المحال؟ هل سيغدو أمرا نسير معه إلى أبد الدهر أم لا يزال هناك أمل للنجاة؟
في الحقيقة لا ينبغي أن نقطع الأمل، لأنه مع تفجر أي مشكلة فإن الحل ينبثق من جوهر المشكلة نفسها. من الواضح أن في كثير من الأحيان تندلع أزمة شديدة من مشكلة بسيطة وتافهة، وبخلاف ذلك فإنه لربما تبدأ تفكيك أزمة خانقة من خطوات بسيطة وناعمة.
ولحل الخلافات التي نعاني منها اليوم في الإقليم، نحتاج إلى إرادة فولاذية والعمل التضامني وخريطة طريق قصيرة وبعيدة المدى، عبر الاستفادة من المستشارين الأجانب وخبرائنا وأكاديميينا في الداخل. علينا أن نبدأ من أنفسنا (ابدأ من نفسك) والخوض في عمليتنا التربوية ومناهج التعليم في مدارسنا ومعاهدنا وكلياتنا وجامعاتنا، ووضع برامج إصلاحية لجميع مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، مثلما فعلت سنغافورة في شمال شرق آسيا ورواندا في أفريقيا وبدأتا مسيرة التطور بعيدا عن مصادر النفط والغاز وتحولتا من بلد تملؤه المشاكل والفقر إلى بلد متطور ومستقر ومنعم بالرفاهية والسلم.
الإصلاحات والتطور لا يتم بالتثاقُل والتباطُؤ والكِبر، وبتقليد الآخرين والاعتماد على إيرادات النفط والغاز، بل بتسخير ثروات البلد الوطنية وتنويعها، ولا سيما تنمية قطاعات الزراعة والتجارة والصناعة والسياحية والاستثمار فيها. هذا من الوجهة الاقتصادية، أما في الوجهة السياسية فعبر إصلاح العلاقة بين الإقليم وبغداد، ضمن الأطر الدستورية وتقليل النفقات غير الضروية وزيادة مصادر الدخل وتنويعها.
لا ينبغي علينا أن نكون مثل البعض من الطائفة الشيعية التي تعتقد أنها كلما انتشر الفساد واللاعدالة في المجتمع، كلما عجل من ظهور الإمام الثاني عشر المهدي المنتظر عليه السلام، ليعم بعد ذلك السلام والمساواة والرفاهية.
لا شك أن الكورد أمة مقاتلة ومضحية، مرت بالعديد من العقبات والعوارض، وهي قادرة على النهوض في هذه الكَرَّةِ أيضا، على أن يقودها قائد حكيم وموثوق ومستحق، صحيح أن معظم مسؤولية الوضع الراهن في الإقليم تقع على عاتق قيادة كوردستان العليا، إلا أن الشعب ليس مستثنى من المسؤولية أيضا لأنهم نفسهم من يصوتون في الانتخابات التشريعية لأطراف أوصلت كوردستان إلى الوضع الحالي.
وبينما أكتبُ السطور السابقة، كنتُ جالسا وحيدا في غرفتي أمام محكمة ضميري، أفكر في ماضي كوردستان ومستقلبها، الوضعُ الراهن قد أحزنني كليا وجفّ معه حلقي ويبِس، كنتُ أحس بالعطش الشديد، الباب فتح على حين غره وإذا بحفيدي (شا) ابن الثامنة ممسكا بكأس من الماء، وقال: جدي، لقد أتيتُ بهذا الكاس من الماء البارد إليك، فقبلته وشكرته وشربت الماء فتحسرت، لفت نظري تمثال مام جلال ثانية، وقلت في هذا المرة: متفائل لأن عندنا تجاربك وخبرتك، لذا لن نكف حتى نصلح الوضع ونظفر بالنصر والنجاح، إن شاء الله.
*الترجمة : المسرى