×


  کل الاخبار

  مواجهة التحديات امام نمو الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية في الدول العربية



*نوزاد المهندس

 

 

على الأحزاب والحركات والقيادات السياسية الديمقراطية الاجتماعية في العالم العربي المجتمعة ضمن اطار ((التحالف الديمقراطي الاجتماعي فى العالم العربي)) ، إيلاء المزيد من الاهتمام لنشر الوعي الديمقراطي والحريات، وترسيخ مبادئ العدالة الاجتماعية، وبناء مجتمع الرفاه

 

   من الواضح أن النهج والفكر الديمقراطي الاجتماعي له تاريخ قديم يمتد لأكثر من 150 عام، وقد شهد خلال هذا الوقت مراحل عديدة ومختلفة من الصعود والنزول والانفصال والتفتت ثم التوحيد وتولي السلطة في بعض البلدان، وخاصة في أوروبا.

    من البديهي أن النهج الديمقراطي الاجتماعي يرتكز على ثلاث قيم أساسية: الحرية، والعدالة الاجتماعية، والتضامن.

   ومن البديهي أن هذا النهج والفكر سيتطور ويتقدم في ظل نظام حكم ديمقراطي، ويمكن أن يصبح موضع أمل وثقة الجماهير والمجتمع بأسره، ويمكنه تحقيق شعاراته وأهدافه في التنمية السياسية وبناء نظام اقتصادي اجتماعي و خلق مجتمع رفاه و مزدهر.

  اكتسبت أيديولوجية الديمقراطي الاجتماعي ثقة معظم شرائح المجتمع بفضل أيديولوجيتها السياسية المعتدلة( وإن كان ذلك لا يخلو من عيوب) .ما بين  ايدولوجيتى الماركسية (الشيوعية) والرأسمالية، لان كلا النهجين منحازتان في معتقداتهما ومبادئهما وقيمهما لجزء معين من المجتمع و ليس الكل، ولذلك أصبحا داعمين وحماة أو خدمًا لطبقة معينة في المجتمع. وبالتالي، فقد كلاهما قوتهما وقدراتهما وتطورهما وإنسانيتهما.واصبحوا موضع نقد و استنكار من قبل اغلبية الجماهير والمجتمعات.

  من الواضح أن أي فكر أو أيديولوجية سياسية لكي تبقى وتستمر وتتدفق وتتعمق في المجتمعات، بما في ذلك الأفراد والأسر. ولكي تصبح محل ثقة الأغلبية في مختلف المراحل، لا بد لها من تغيير برنامجها السياسي وفكرها ونهجها باستمرار من أجل التكيف مع التحديات والمتغيرات، وخاصة في هذه المرحلة والعصر الذي تشهد فيه التغيرات السياسية والاقتصادية والأمنية سرعة كبيرة. بسبب التقدم المذهل في وسائل الاتصالات والتكنولوجيا الذكية مثل أجهزة الكمبيوتر و شبكة الإنترنت والهواتف المحمولة والذكاء الاصطناعي، وبفضل نظام العولمة الذي جعل العالم قرية صغيرة.

  يحتاج الديمقراطيون الاجتماعيون في جميع مجتمعات العالم، وخاصةً في العالم العربي، إلى عدد من الأسباب التي تُهيئ لهم بيئةً ومناخًا ملائمين للنموّ والوصول إلى السلطة، وهي:

السلام: هذا مهم جدًا لكل حزب سياسي، وخاصةً الديمقراطيين الاجتماعيين. ففي ظلّ استقرار سياسي واقتصادي وأمني واجتماعي هادئ وسلمي، يُمكن إرساء نظام حكم ديمقراطي، وتحقيق شعارات وقيم الديمقراطيين الاجتماعيين في الحرية والعدالة الاجتماعية والتضامن والتعاضد.

  • الديمقراطية: إن وجود وترسيخ نظام حكم ديمقراطي في أي مجتمع هو ضمان لتحقيق أهداف الديمقراطيين الاجتماعيين وقيمهم الجوهرية في الحرية والعدالة الاجتماعية والتضامن بين جميع الطبقات. بشكل طوعي وتلقائي وبعيدًا عن مراقبة وتقييد الحريات السياسية والتجارية والاقتصادية والاجتماعية، يستحيل على الديمقراطيين الاجتماعيين تحقيق أهدافهم دون نظام حكم ديمقراطي حقيقي.
  • الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي: يلعب دورًا هامًا في تطور الديمقراطيين الاجتماعيين، إذ إن أهدافهم وشعاراتهم تتمحور جميعها حول الوعي السياسي وتنشئة اقتصاد اجتماعي وبناء مجتمع الرفاه. وهم قادرون فى ظل هذا المناخ على توفير جميع الحقوق السياسية والمدنية، والتنمية الاقتصادية المستدامة، وتحسين مستوى معيشة المجتمع.

       لكن إذا دققنا النظر في الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي في المجتمعات العربية، نجد أننا لا نرى أيًا من الأسباب الثلاثة المذكورة. ولذلك، لم يتمكن الديمقراطيون الاجتماعيون من أن يصبحوا منقذين لمجتمعاتهم ولا يستطيعون الوصول إلى السلطة السياسية مستقبلًا. للأسباب التالية:

     

  • الفقر: يُعدّ الفقر، كظاهرة اجتماعية واقتصادية، داءً قاتلاً لجميع المجتمعات البشرية، وخاصةً للديمقراطيين الاجتماعيين، إذ يعجز الأفراد والأسر والطبقات عن الحصول على احتياجاتهم الأساسية من الغذاء والتعليم و التربية والوعي السياسي بحقوقهم. فكلما افتقر مجتمعٌ ما، انتشرت ظواهر التخلف والأمية والجهل والجريمة والظلم والتشتت، وعجز عن اتخاذ خطوات نحو التقدم والابتكار.

       في تقرير صادر عن اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا التابعة للأمم المتحدة( اسكوا)، اعلن بحلول عام 2022، سيعيش ثلث سكان الدول العربية تحت خط الفقر (أي ما يعادل 35% من سكانها). ((الفقر المدقع هو عندما يكسب الشخص أقل من 1.25 دولار أمريكي في اليوم)). وعلى الرغم من زيادة النمو الاقتصادي بنسبة 4.5% في عام 2023 و3.4% في عام 2024، فمن المتوقع أن يصل التضخم إلى 14% بحلول عام 2022، أي ما يعادل حوالي 130 مليون شخص من أصل 390 مليون نسمة في العالم العربي، باستثناء دول الخليج العربي وليبيا.

     

       من البديهي أن البطالة هي أساس الفقر، وقد سُجِّلت في عام ٢٠٢٢ أعلى معدل في الدول العربية، بينما بلغت عالميًا ١٢٪ فقط. ومن أسباب ظاهرة البطالة هذه ضعف مشاركة المرأة، التي تُشكِّل نصف المجتمع، في القوى العاملة.  بحيث لا تتجاوز مشاركة المرأة في المناصب الإدارية العليا للشركات ٥٪. ويُعَدُّ معدل مشاركة المرأة في القوى العاملة في الدول العربية منخفضًا جدًا، إذ بلغ ١٩.٩٪ في عام ٢٠٢٢، بينما يبلغ معدل مشاركتها عالميًا ٤٦.٦٪.

        وايضا، وصلت معدل بطالة النساء في الدول العربية إلى 22% بحلول عام 2022، بينما بلغ معدل البطالة العالمي 6% فقط. ويصل هذا المعدل إلى 44% بين الفتيات الصغيرات اللواتي تتراوح أعمارهن بين 15 -24 سنة، بينما يصل إلى 22.8% بين الفتيان. ومقارنةً بمعدل البطالة العالمي، يبلغ معدل البطالة بين الفتيات 15.2%، بينما يبلغ معدل البطالة بين الفتيان 14.5% فقط.

     

       هناك أسباب عديدة لهذه المعدلات المرتفعة من الفقر في العالم العربي، منها:

     • تفشي فيروس كورونا عام ٢٠٢٠ وآثاره السلبية في السنوات القادمة.

     • اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية عام ٢٠٢٢ وارتفاع أسعار السلع الأساسية كالغذاء والوقود.

    ارتفاع أسعار الطاقة في الأسواق العالمية.

    استمرار العقوبات الاقتصادية على روسيا لأكثر من ثلاث سنوات.

     • الانهيار الاقتصادي لبعض الدول العربية.

    استمرار الصراعات والحروب الأهلية في الدول العربية، وعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ونزوح السكان.

    اندلاع الحرب بين إسرائيل وحماس في ٧ أكتوبر/تشرين الأول عام 2023.

      زيادة البطالة.

  • التغيرات البيئية الخطيرة كالجفاف والفيضانات والتصحر وارتفاع درجات الحرارة وإزالة الغابات والأمطار والفيضانات والغبار، وغيرها.
  • زيادة وتراكم الديون الخارجية.

    وهكذا تعيش المجتمعات العربية مرحلةً صعبةً لا تُشكّل بيئةً مناسبةً لتطور الفكر الديمقراطي الاجتماعي. ويتجلى ذلك في جملةٍ من المعوقات الكبرى والخطيرة التي باتت تُعيق برنامج وأهداف واستراتيجية نضال الأحزاب الاجتماعية الديمقراطية، ومنها:

غياب نظام حكم ديمقراطي حقيقي في الدول والمجتمعات العربية. فالعالم العربي غارق في أنظمة حكم ديكتاتوري وعائلي وقمعي لا يؤمن إيمانًا كاملاً بتطبيق النظام الديمقراطي وترسيخه وضمان الحريات.

 • عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني والاجتماعي. وتسود الأفكار الدينية والطائفية والعرقية المتطرفة في المجتمع، بدلًا من الشعارات والبرامج المعتدلة، والخيرية، والسلام، والعمل الجماعي، والتعايش بين مختلف الطبقات والجنسيات.التي يتجلى ذلك في شعارات وقيم الديمقراطيين الاجتماعيين.

 • محاولات ترسيخ انظمة حكم وراثي من قِبل العائلات الحاكمة تحديدًا، وحتى الأنظمة الجمهورية عموما.

 • تصاعد واستمرار الإرهاب والعنف والترهيب في العالم العربي.

الفقر المدقع والبطالة في المجتمعات.

 • استمرار الصراعات والحروب الأهلية داخل الدول العربية.

قلة الاهتمام بدور وتأثير منظمات المجتمع المدني في توعية المجتمعات.

 • قلة الاهتمام بالوعي السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وضعف خطط تطوير التعليم و التربية واستخدام التقنيات الحديثة.

 • عدم الاهتمام بالتغيرات البيئية  المخيفة ومحاولة حلها ووضع خطط علمية وواقعية للوقاية منها.

 • عدم الاهتمام بدور وتأثير المرأة والشباب في المجتمع ومشاركتهما في الحياة الحزبية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، في حين أن كلاً من المرأة والشباب هما الركيزة الأساسية لسياسات وبرامج وخطط الديمقراطيين الاجتماعيين.

    وهكذا، يواجه عمل ونضال الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية في العالم العربي تحديات جسيمة ومؤثرة وخطيرة، أصبحت عوائق أمام تطور فكرها ونهجها وأيديولوجيتها. لذا، من واجب جميع الأحزاب والحركات والقيادات السياسية الديمقراطية الاجتماعية في العالم العربي المجتمعة ضمن اطار ((التحالف الديمقراطي الاجتماعي فى العالم العربي)) ، إيلاء المزيد من الاهتمام لنشر الوعي الديمقراطي والحريات، وترسيخ مبادئ العدالة الاجتماعية، وبناء مجتمع الرفاه، والعمل معًا على وضع برامج وخطط مستقبلية علمية وواقعية، بما يعزز نفوذها وهيمنتها في مراكز صنع القرار في بلدانها. وأن يكونوا أقرب إلى هموم ومطالب المواطنين، وأن يكونوا صادقين في ترسيخ شعاراتهم وبرامجهم وأهدافهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية على ارض الواقع.

 

**ممثل الاتحاد الوطني الكردستاني وعضو لجنة التنظيم والعضوية في التحالف الديمقراطي  الاجتماعي في العالم العربي


30/08/2025