*د.محمد نور الدين
لا تبدو تركيا بعيدة من مشهد الاشتباكات التي اندلعت في حلب بين القوات الحكومية السورية و«قسد»، والتي لا يَظهر أنها ستجد نهايتها قريباً. فمنذ بدء كانون الأول الماضي، وجّهت أنقرة، على لسان كلّ مسؤوليها، التحذير تلو الآخر، عبر القول إنها لن تقبل بتقسيم سوريا، ولا ببقاء «قسد» خارج بنية الجيش السوري الجديد. ومع انتهاء المهلة المحدّدة لتطبيق اتفاق العاشر من آذار الموقّع بين الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، والقائد العام لـ«قسد» مظلوم عبدي، مع انتهاء العام الماضي، من دون تطبيقه، جدّد وزير الدفاع التركي، ياشار غولر، القول إنّ «سوريا يجب أن تبقى موحّدة»، محذّراً من أنّ «كأس الغضب التركي قد فاضت، وحان موعد حسم الأمور».
وعقب تصريح غولر، جاء بيان الجيش التركي، أمس، ليؤكّد استعداد أنقرة للتدخُّل. ووفقاً لِما ورد فيه، فإنّ «بلادنا ستدعم المعركة ضدّ التنظيمات الإرهابية على أساس وحدة سوريا وسلامة أراضيها، وستقدّم تركيا الدعم اللازم إذا طلبت منها سوريا ذلك».
وفي حين يَظهر أنّ القوات الحكومية السورية أعجز من أن تخوض حرباً ضدّ الكورد بمفردها، يبدو أنّ الخطّة التركية تقتضي البدء بغرب حلب بذرائع مختلفة، قبل أن يدخل الأتراك على الخطّ بعملية محدودة في المرحلة الأولى، تقتصر على حلب، لدفع الكورد إلى شرق الفرات. وفي انتظار معرفة ما إذا كانت «قسد» ستذعن لمطالب أنقرة، يكون الوقت متاحاً أيضاً لجسّ نبض الإدارة الامريكية التي لا يمكن، من دون ضوئها الأخضر، القيام بعملية تركية واسعة شرقي الفرات.
صحيفة «حرييت»
وبحسب صحيفة «حرييات»، فإنّ العملية، ورغم أنها تقتصر على حيَّين في حلب، فإنها قد تمتدّ إلى شرق الفرات. ويرى الخبير العسكري، جوشكون باشبوغ، في حوار مع الصحيفة، أنّ تركيا «تصرّفت بمسؤولية تجاه المجتمع الدولي، ومنحت الوقت الكافي للمحادثات في سوريا، لكنها لم تسفر عن نتيجة»، معتبراً أنّ «استفزازات قسد جعلت من العملية العسكرية لا مفرّ منها». وقال باشبوغ إنّ «سوريا وتركيا أطلقتا معاً العملية العسكرية بعد نفاد صبرهما. كان مفهوماً منذ البداية أنّ المحادثات لن تصل إلى نتيجة، وستصطدم بالحائط»، مؤكّداً أنّ «تمدُّد العملية إلى المناطق الحسّاسة في شرق الفرات، حيث الموارد المالية للتنظيم الإرهابي، أمر لا مفرّ منه»، مضيفاً أنّ إجلاء السكان يُعدّ مؤشراً قويّاً على أنّ الحرب ستتصاعد. وأعرب عن اعتقاده بأنّ «قوات قسد ليست قوية جداً كما يروّج، وهي ستنهار مع تمدُّد العملية. هذا ما حصل في العمليات السابقة».
رسائل عديدة
ومن جهته، اعتبر رئيس تحرير صحيفة «ميللييت»، أوزاي شاندير، أنّ عملية حلب تحمل عدّة رسائل، لعلّ أبرزها ما يلي:
1- هي ليست فقط لتأديب «قوات سوريا الديموقراطية»، بل هي رسالة مفادها بأنّ تقسيم سوريا ممنوع.
2- هي ردّ على استفزازات «قسد» في حيَّي الأشرفية والشيخ مقصود ضدّ السكان.
3- وهي عملية تتعلّق بالنظام العام ولا علاقة لتركيا بها.
4- المستهدف ليس الكورد، بل الامتداد السوري لـ«حزب العمال الكردستاني» الذي يروّع السكان، والذي لن تتوقّف العملية إلّا بعد إنهاء وجوده في حلب.
5- هدف العملية هو إضعاف قوات «قسد»، لأنّ شعورها بفائض القوّة يجعلها تمتنع عن الإذعان والتوصّل إلى أيّ اتفاق لدمج قواتها بالجيش وتسليم سلاحها.
وفي خضمّ التطورات الحاصلة في حلب، استنفرت كلّ القوى الكردية في تركيا دفاعاً عن «روجافا» (الاسم الكردي لمنطقة الإدارة الذاتية في سوريا)؛ إذ قال «حزب الديموقراطية والمساواة للشعوب» الكردي إنه «كما دافعنا عن كوباني سندافع عن حلب»، في حين اتّهم النائب عن الحزب، جنكيز تشاندار، الدولة التركية بأنها وراء الاشتباكات في المدينة، موجّهاً نداءً إلى كلّ الكورد كي «يهبّوا إلى نجدة إخوانهم في حلب».
وقال: «يبدو أنّ الولايات المتحدة قد أعطت في اجتماع باريس، الضوء الأخضر لتركيا للهجوم على حلب، في مقابل التزام تركيا الصمت على ما تفعله إسرائيل في جنوب سوريا». وتحدّث تشاندار عن معلومات خطيرة في شأن خطّة تهجير للكورد من حلب على غرار ما حصل سابقاً في عفرين، مطالباً المجتمع الدولي بالتدخّل لمنع ذلك.