×


  کل الاخبار

  الكتلة الاكبر: اي تفسير؟



*ژینۆ حمه خورشيد

  

إن الجدل الذي اثير مؤخرا بشان تفسير المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 لا يمكن عزله عن السياق السياسي الدقيق الذي تمر به البلاد، في ظل استمرار إخفاق مجلس النواب في انتخاب رئيس للجمهورية ضمن المدة الدستورية، وما ترتب على ذلك من تعطيل لتكليف مرشح الكتلة النيابية الاكثر عددا بتشكيل مجلس الوزراء.

غير ان القراءة الموضوعية للازمة تكشف ان تعثر انتخاب رئيس الجمهورية لم يكن وليد خلاف بين الحزبين الكرديين فحسب، بل كان في جوهره نتيجة مباشرة لعدم اتفاق قوى «الإطار التنسيقي» على مرشح لرئاسة مجلس الوزراء، قبل ان يتم ترشيح السيد نوري المالكي باغلبية رؤساء القوى المنضوية في الإطار. وهو ما اضاف تعقيدا سياسيا جديدا إلى معادلة انتخاب رئيس الجمهورية، ومن ثم تشكيل الحكومة.

وفي خضم مشهد إقليمي شديد الحساسية، يتسم بتصاعد التوتر بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة اخرى، وما يرافقه من تداعيات تمس الامن الإقليمي ودول الجوار، جاء تصريح رئيس مجلس القضاء الاعلى بشان “العدول” عن التفسير السابق للمادة (76) ليعيد فتح نقاش دستوري مؤجل، ولكن في توقيت سياسي بالغ الحساسية.

 

تنص الفقرة (اولا) من المادة (76) على ان:

“يكلف رئيس الجمهورية، مرشح الكتلة النيابية الاكثر عددا، بتشكيل مجلس الوزراء، خلال خمسة عشر يوما من تاريخ انتخاب رئيس الجمهورية”.

الإشكالية لا تكمن في وضوح النص، بل في تحديد المقصود بمصطلح «الكتلة النيابية الاكثر عددا». فهل هي الكتلة التي فازت باعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ ام الكتلة التي تتشكل داخل مجلس النواب بعد إعلان النتائج، وتُعلن رسميا في الجلسة الاولى بوصفها الكتلة الاكبر عددا؟.

من الناحية القانونية البحتة، لا يمكن اختزال التفسير الدستوري في قراءة حرفية معزولة عن طبيعة النظام السياسي، فالدستور العراقي لم يُنشئ نظاما رئاسيا قائما على حسم انتخابي مباشر للاغلبية الحاكمة، بل ارسى نظاما برلمانيا تعدديا بطبيعة توافقية، ومن ثم فإن مفهوم «الكتلة الاكبر» يجب ان يُفهم في إطار آليات بناء الاغلبية البرلمانية، لا في إطار منطق الاغلبية العددية المسبقة.

وإذا كان المقصود بـ«الكتلة الفائزة» هو الكتلة الحاصلة على الاغلبية المطلقة (50% + 1) من مجموع اعضاء مجلس النواب البالغ عددهم 329 نائبا، اي 166 نائبا، فإن الواقع الانتخابي العراقي يثبت عدم تحقق هذا الرقم لاي كتلة منفردة في الدورات الاخيرة.

اما إذا كان المقصود هو الكتلة الحاصلة على اعلى عدد من المقاعد دون بلوغ الاغلبية المطلقة، فإن ذلك لا يغني عن ضرورة التحالف مع قوى اخرى لنيل الثقة البرلمانية، وهو ما يعيدنا إلى منطق الائتلافات بوصفه جزءا اصيلا من النظام البرلماني.

إن القول بان التحالفات يجب ان تتشكل قبل الانتخابات، او ان تشارك القوى السياسية في الانتخابات وهي متحالفة سلفا حتى يُعتد بها بوصفها «الكتلة الاكبر»، يطرح تساؤلا جوهريا: هل ينسجم هذا الطرح مع طبيعة الديمقراطية او مع منطق النظام البرلماني؟

الإجابة، من منظور دستوري مقارن، هي بالنفي، فجوهر النظام البرلماني يقوم على حرية النواب والقوى السياسية في إعادة تشكيل الاصطفافات داخل البرلمان استنادا إلى النتائج المعلنة، وبما يعكس موازين القوى الحقيقية بعد الانتخابات، لا قبلها.

كما ان افتراض وجوب التحالف المسبق يُقيد الإرادة السياسية ويصادر حق الكتل في التفاوض بعد الانتخابات، ويحول العملية الانتخابية إلى إطار جامد لا ينسجم مع الطبيعة التفاعلية للانظمة البرلمانية، فالناخب في نظام تعددي يدرك ان تشكيل الحكومة يتم عبر مفاوضات وائتلافات لاحقة للانتخابات، وان النتائج لا تُترجم حكما إلى حكومة احادية، بل إلى ترتيبات سياسية تُبنى داخل قبة البرلمان.

وبالتالي، إذا وُجد في النص الدستوري تعبير يحتمل اكثر من معنى، فإن التفسير الاصح هو ذلك الاقرب إلى واقع النظام السياسي الذي ارساه الدستور، لا التفسير الاقرب إلى مزاج سياسي او ظرف مرحلي معين. فالتفسير الدستوري الرصين يجب ان يكون منسجما مع البنية العامة للنظام، ومع فلسفته التوافقية التي شكلت اساس العقد الدستوري العراقي.

إن التفسير الذي اعتمدته المحكمة الاتحادية العليا عام 2010 – والقاضي باعتبار الكتلة الاكبر هي التي تتشكل في الجلسة الاولى لمجلس النواب، سواء اكانت قائمة انتخابية واحدة ام تحالفا نيابيا – لم يكن اجتهادا منفصلا عن النص، بل كان استجابة منطقية لطبيعة النظام البرلماني العراقي، وهو تفسير استقر عليه العمل السياسي والدستوري منذ ذلك التاريخ، دون ان يطرا اي تعديل على شكل النظام السياسي او بنيته الدستورية حتى يومنا هذا.

ومن ثم، فإن العدول عن تفسير مستقر دون تعديل دستوري صريح يغير طبيعة النظام او يعيد تعريف مفهوم الاغلبية، قد يفتح الباب امام اضطراب دستوري لا مبرر له، فالنظام السياسي ثابت من حيث بنيته منذ عام 2010 وحتى الآن، واي تلاعب في تفسير قواعد تشكيل الحكومة قد يؤدي إلى مزيد من التعقيد، بل إلى شلل اعمق في عملية تشكيل السلطة التنفيذية، في وقت تحتاج فيه الدولة إلى اكبر قدر من الاستقرار المؤسسي.

إن الاجتهاد الدستوري، وإن كان قابلا للمراجعة من حيث المبدا، إلا انه ليس اداة لإعادة هندسة التوازنات السياسية تبعا للازمات، بل هو ضمانة لترسيخ قواعد مستقرة تحكم التنافس السياسي ضمن إطار معلوم سلفا، واي تعديل في هذا المسار ينبغي ان يتم عبر تعديل دستوري واضح وصريح، لا عبر تبديل الاتجاه التفسيري في خضم نزاع سياسي.

إن الدستور ليس نصا معزولا عن الواقع، لكنه ايضا ليس اداة لإعادة تشكيل الواقع وفق ضرورات آنية، وبين القراءة الحرفية الجامدة والتاويل السياسي المتعجل، يبقى التفسير المتوازن، المنسجم مع طبيعة النظام البرلماني التوافقي، هو الضمانة الحقيقية لصون الشرعية الدستورية وحماية الإرادة الشعبية، والحفاظ على استقرار الدولة ومؤسساتها.

*صحيفة"العالم الجديد"


12/03/2026