*ا.د. اوميد رفيق فتاح
*افتتاحية العدد (4) من مجلة (الدراسات الاستراتيجية)
تمر السياسة الدولية بمرحلة عدم اليقين والاضطراب التام، إذ إن التغيير في تصنيف الحلفاء والخصوم اصبح من سمات القوى الكبرى، وقد شهدت السياسة الخارجية للولايات المتحدة واستراتيجيتها للامن القومي تحولات كبيرة لم تكن معهودة في السنوات السابقة، فالادوات والمناطق التي كانت تعد من ثوابت (اسبقيات) السياسة الخارجية سابقا، لم تعد تحتفظ بالقيمة نفسها اليوم.
فيما يخص الشرق الاوسط، وكما ورد في الفقرة (د) من برامج استراتيجية الامن القومي الامريكي، لم يعد الارث السابق قائما بعد مرور خمسين عاما، فقد غيرت الولايات المتحدة الامريكية سياستها الخارجية تجاه اوربا وتحالفها العسكري فيها بشكل كامل، وانسحبت من معظم المنظمات والتحالفات والاتفاقات التي كانت الدول تلتزم بها عن طريق المنظمات الدولية والإقليمية، وهي تسعى حاليا، الى حماية علاقاتها ومصالحها من خلال ضمان امن بعض الدول التي ترغب في ان تشكل قوة إقليمية كبرى.
إن ديناميكية التغييرات في الشرق الاوسط سريعة، والمعادلات تتغير خلال فترة قصيرة، والمحورية الإقليمية هي سمة السياسة الدولية، والآن باتت سلسلة إعادة التموضع (التبدلات المحورية) واضحة، وهي بدورها تؤدي الى تغييرات جذرية في بنية المحورية الإقليمية.
وفي المرحلة الراهنة، بدات ملامح ظهور تحالفات عسكرية وامنية واقتصادية جديدة في الشرق الاوسط، وذلك ادى الى تغيير المعادلات السياسية والعسكرية، ولم تعد توازنات القوى على حالها الى حد كبير، إنه زمن إعادة التشكل وبناء الشراكات الجديدة على اساس المشاركة والتكامل وتحديد خريطة المصالح الموائمة للتغييرات الواقعية والعملية.
إن الولايات المتحدة، في تعاملها مع هذه التغييرات، وبدلا من بناء سياستها وفق تصنيفاتها المسبقة، تفتح الباب لاحتمال ان الحركة تجعل مصالحها في نهاية المطاف عرضة للمخاطر ام لا.
إن التغييرات في اليمن الصومال والسودان وسوريا، وكذلك التحولات في معادلة القوة في لبنان والمخاطر المحدقة بالعراق، تمثل مؤشرات واضحة على تعاظم معادلة إقليمية اخرى وترسخ مكانة وقوة فاعل إقليمي جديد، فإذا كانت دوافع اي طرف تتمثل في الطاقة والقوة الاقتصادية واشتداد تنافس القوى الكبرى، فإن ادوات هذه المنافسة تتمثل بصورة مباشرة في القوى الإقليمية نفسها.