د. امين باباشيخ:
إن هذه الحرب (الحالية)، في العام ٢٠٢٦، مع اسباب اندلاعها، ليست حدثا مفاجئا، بل نتيجة تراكم الصراعات الجيوسياسية والتوترات العسكرية والامنية التي دامت لاكثر من اربعة عقود بين إيران من جهة والولايات المتحدة الامريكية وإسرائيل من جهة اخرى. ومن اهم هذه الاسباب التاريخية: الخلافات المتراكمة بين الولايات المتحدة الامريكية وإيران منذ تاسيس الجمهورية الإسلامية في العام ١٩٧٩، والصراع والعداء الجيوسياسي بين اسرائيل وإيران حول النفوذ الاقليمي ، والخلاف حول ملف البرنامج النووي الإيراني التي ادت إلى توترات امنية وازمات سياسية، وتطورت في ما بعد من الحروب بالوكالة إلى الإصطدامات العسكرية المباشرة بينهما، ومن ثم اصبحت حربا إقليمية ذات ابعاد جيوسياسية وإقتصادية.
انتج انتهاء مرحلة الحرب الباردة في العام ١٩٩١، واحداث ١١ سبتمر/ايلول ٢٠٠١ تاثيرات وتغييرات جوهرية في السياسة الخارجية للولايات المتحدة الامريكية على الساحة الدولية بشكل عام، وفي منطقة الشرق الاوسط بشكل خاص، لانها تعد من المناطق الحيوية ضمن استراتيجية امن مصالحها القومية. بعد هذه الاحداث، اتبعت الولايات المتحدة الامريكية في سياستها الخارجية تجاه منطقة الشرق الاوسط، سياسات تدخلية في شؤون دول المنطقة، واحيانا هجومية. ولاهمية هذه الاحداث التاريخية وتاثيرها على مجريات الحرب الامريكية الإسرائيلية ضد إيران، يمكن تلخيصها كمتغيرات تاريخية في السياسة الدولية والاقليمية، كما ياتي:
-الحدث الاول:
شكلت احداث انهيار الإتحاد السوفيتي في العام ١٩٩٠-١٩٩١ وانتهاء حقبة الحرب الباردة، تحولا كبيرا في النظام العالمي ثنائي القطبية، فتمَ تكريس انتصار النظام الراسمالي العالمي الليبرالي. واصبحتْ الولايات المتحدة الامريكية القوة العظمى بلا منازعٍ في ظل النظام الدولي احادي القطبية. وبالتزامن مع هذا التحول، احتل الجيش العراقي دولة الكويت في العام ١٩٩٠، فقادت الولايات المتحدة الامريكية تحالفا ضم اكثر من ثلاثين دولة لطرد القوات العراقية بالقوة العسكرية وتحرير دولة الكويت. في حرب الخليج الثانية ١٩٩١، قدمت الولايات المتحدة الامريكية نفسها كقوة عالمية عظمى من دون منافس، وذالك بغياب التوازن الدولي. ومنذ ذلك الحين، بدا التواجد العسكري الامريكي يتزايد في منطقة الشرق الاوسط، لاسيما في دول منطقة الخليج، فاعتبرت إيران هذا التواجد الامريكي تهديدا لمصالحها القومية ونفوذها الاقليمي، وحاولت مواجهته عبر إنشاء محاور المقاومة في المنطقة.
-الحدث الثاني:
ادت الهجمات الارهابية في ١١ سبتمبر/ايلول ٢٠٠١ على برجي مركز التجارة العالمية ووزارة الدفاع الامريكية الى إعلان "الحرب على الإرهاب دوليا"، وإعلان الحرب ضد نظام طالبان في افغانستان ٢٠٠١، ومن ثم إعلان الحرب ضد نظام صدام حسين في العراق العام ٢٠٠٣، واحتلالهما وتغيير النظام فيهما. وفي اثر هذه الاحداث، صنفت الولايات المتحدة الامريكية في وثيقة استراتيجية امنها القومي في العام ٢٠٠٢ كل من (العراق وايران وكوريا الشمالية) ضمن "دول محور الشر". ووصفت الوثيقة هذه الدول بانها تهدد الامن والسلم الدوليين، وتسعى الى تطوير الاسلحة المحظورة دوليا، وترعى الإرهاب الدولي، ولا تلتزم بقرارت مجلس الامن الدولي.
منذ ذلك الحين، قدمت الولايات المتحدة الامريكية ملفات منطقة الشرق الاوسط، ولاسيما إيران من ضمن اولويات سياستها الخارجية، وبدات عمليا بمتابعة نشاطات برنامجها النووي، ومواجهة سياساتها الإقليمية. ولكن، على الرغم من العداوة التاريخية بينها واختلافهما في الكثير من الملفات، إلا ان الدولتين تعاونتا في الحرب ضد نظام طالبان في العام ٢٠٠١ في افغانستان، وبعد احتلال العراق في العام ٢٠٠٣ قادتا صراعات معقدة وعنيفة عن طريق وكلائهما المحليين في العراق حول النفوذ، لكنهما اتفقتا على محاربة الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، وقادتا تفاهمات سياسية وامنية حول صيغة إدارة الدولة في العراق.
بعد احداث ١١ سبتمبر/ ايلول ٢٠٠١، اصبحت السياسة الخارجية للولايات المتحدة الامريكية مكان جدل واسع في الاوساط العلمية والسياسة الدولية، لاسيما تجاه منطقة الشرق الاوسط، لانها اتبعت سياسات تدخلية وقادت حروبا عديدة، من دون الشرعية الدولية، التي ادت الى تقسيم المجتمع الدولي، وتازيم العلاقات بين دول المنطقة. وكانت اهدافها الاستراتيجة في كثير من الاحيان غامضة وغير واضحة حتى لحلفائها الذين كانوا يشاركونها الحروب الدموية والصراعات السياسية. إن احتلال افغانستان والعراق، واقتراب القوات الامريكية من ايران، ادت الى ازمة جديد بينهما، بالإضافة الى الازمات والخلافات الاخري. منذ ذلك الحين، كان هذا الملف محل نقاش في الكثير من الاوساط السياسة والعلمية، وكانت تُطرح دائما الاسئلة الآتية: متى ستحدث المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة الامريكة وإيران؟ وكيف ستكون مجرياتها وتداعياتها على المنطقة؟ وكم ستكون كلفتها المادية والبشرية؟
مع الجدل المستمر والبحث عن الإجابة عن هذه الاسئلة، تازم الصراع، واخذ ابعادا جيوسياسية وامنية معقدة، امتدت الى اجزاء واسعة من منطقة الشرق الاوسط، إلى ان بدا الاصطدام العسكري المباشر في الاعلام من ١٣ إلى ٢٤ يونيو/حزيران ٢٠٢٥، بشن القوة الجوية الإسرائيلية هجوما مباغتا على بعض المواقع والاهداف الاستراتيجية في إيران، ما عرف في ما بعد بـ(حرب الاثني عشر يوما). توسعت بقعة هذه الحرب الى بعض دول المنطقة مثل لبنان وفلسطين (غزة) واليمن والعراق، وادت الى تصعيد التوترات الامنية والازمات السياسية في منطقة الشرق الاوسط برمتها.
في الايام الاولى من حرب الاثني عشر يوما في العام ٢٠٢٥، استهدفت اسرائيل بالتعاون مع الولايات المتحدة الامريكية المواقع الحيوية والمنشآت النووية في ايران، وعددا من قادتها البارزين. ردت الجمهورية الاسلامية في إيران على الهجوم الإسرائيلي-الامريكي بالصواريخ الباليستية والمسيرات على اهداف في إسرائيل. على الرغم من ان هذه الحرب كانت مدتها قصيرة، لكنها كانت مميزة بالمقارنة بالحروب التقليدية الاخري، لان الولايات المتحدة الامريكية وإسرائيل اعتمدتا فيها على استخدام القوة الذكية التي تجمع بين القوة الصلبة والناعمة ، وذلك لتحقيق الاهداف السياسية والعسكرية باقل تكلفة واعلى فعالية.
تركت حرب الاثني عشر يوما في العام ٢٠٢٥ تداعيات ذات ابعاد جيوسياسية، وادت الى تازيم الصراعات السياسية والتوترات الامنية في منطقة الشرق الاواسط، ولاسيما بين إيران من جهة وإسرائيل وامريكا من جهة اخري، حيث تعرضت المنشآت العسكرية والنووية الإيرانية الى اضرار او تدمير بعضها، بالإضافة الى مقتل عدد من قادتها البارزين. وفي المقابل، الحقت هذه الحرب اضرارا جسيمة بإسرائيل وبعض القواعد العسكرية الامريكية مثل قاعدة العديد في قطر.
كانت الولايات المتحدة الامريكية ولا تزال تشعر، بان إيران تشكل تهديدا مباشرا لامن مصالحها القومية في منظمة الشرق الاوسط، ولاسيما امن دولة إسرائيل الذي يعد احد المرتكزات الثابتة والاستراتيجية في سياستها الخارجية، وبالإضافة الى امن دول منطقة الخليج الذي يعد ايضا مسالة استراتيجية واقتصادية بالنسبة إليها، لاهميتها في مجال امن الطاقة (النفط والغاز)، وتدفقهما الى الاسواق العالمية، التي تسيطر عليها وتحدد اسعارها الى حد كبير. إن تدفق النفط الى الاسواق العالمية والتحكم في اسعاره يخدم امن مصالحها الاقتصادية، ولذلك تحاول الولايات المتحدة الامريكية منع الاضطرابات والتوترات الامنية في هذه المنطقة، وتحاول تامين حماية الممرات البحرية الحيوية، وخاصة مضيق هرمز الذي يلعب دورا مهما لتدفق موارد الطاقة من دول منطقة خليج الى الاسواق العالمية.
إن ظهور النفط واستخراجه، في منطقة دول الخليج، كان عاملا رئيسيا لبناء العلاقات الاستراتيجية بينها وبين دول العالم، وخاصة الولايات المتحدة الامريكة التي ابرمت العديد من الاتفاقيات الامنية مع هذه الدول بعد الحرب العالمية الثانية (1939 - 1945)، ومن ثم تطورت العلاقات بينهما إلى بناء تحالفات سياسية واقتصادية وإنشاء قواعد عسكرية لمواجهة التهديدات الامنية.
عزلة دولية
اما العلاقات الدبلوماسية للجمهورية الإسلامية في ايران، فهي، منذ تاسيسها، في العام 1979 تعاني من عزلة دولية، ولم تجد سوى عدد قليل من الدول التي كانت تتعامل معها وتساندها دبلوماسيا وسياسيا على الساحة الدولية، ولم تكن لديها تحالفات استراتيجية حصينة على الصعيدين الإقليمي والدولي. ومنذ تاسيسها في العام ١٩٧٩ والى العام 2022 لم تظهر استعدادها بجدية لبناء تحالفات مع الدول، او العمل على تجاوز عزلتها الدولية، التي استمرت لاكثر من ثلاثة عقود من حكمها، اِلا في العام 2022 عندما حاولت تحسين علاقاتها مع روسيا بشكل مفاجئ وغامض في المجال العسكري. واما علاقاتها مع الصين، فبدات بصورة جدية عندما توسطت الصين في التقارب بين إيران والمملكة العربية السعودية في مارس / اذار 2023. وبعد ذلك، بدات العلاقات الصينية الإيرانية تتطور بالدرجة الاولى في المجالات العسكرية، التي تضمنت اتفاقيات النفط مقابل الاسلحة والتكنلوجيا العسكرية (المحدودة).
التقارب الغامض
إن التقارب الغامض، مع روسيا في العام 2022، والنسبي مع الصين في العام 2023، كان يفسر بتشكيل تحالف روسي - صيني - كوري شمالي - إيراني ضد الولايات المتحدة الامريكية وحلفائها. وتم والترويج له في بعض الاوساط الإعلامية، ولاسيما العربية والإسلامية المعادية للولايات المتحدة الامريكية وإسرائيل، لكن حرب الاثني عشرة يوما في العام ٢٠٢٥ اثبتت، انه لا يوجد اي تحالف استراتيجي بينها وبين الدول الثلاثة الاخرى. وكما اثبتت ايضا ان علاقاتها مع روسيا والصين غير استراتيجية، لان كلا الدولتين النوويتين والعضوتين في مجلس الامن الدولي التابع للامم المتحدة ظلتا متفرجتان على الحرب، التي كانت تعد حربا وجودية بالنسبة إلى الجمهورية الإسلامية في إيران. واما على صعيد قدراتها العسكرية، فإنها كانت تعتمد بالدرجة الاولى على تطوير نظام صواريخها واسع النطاق، الذي قد يهدف الى حماية مستقبل برنامجها النووي. واستنادا الى معلومات وتوقعات الوكالة الدولية للطاقة الذرية والخبراء والبحاثيين المختصين في هذا المجال، لم يتم تدمير برنامجها النووي بالكامل، على الرغم من محاولة القصف الشديد للمنشآت النووية، التي كانت إسرائيل والولايات المتحدة الامريكية تعتقدان بانها تنتج وتختبئ فيها اليورانيوم المخصب. وعلى الرغم من ذلك، ظل من المرجح انه لم يتم تدميره بالكامل، لانه كان محصنا تحت الارض، ولذلك اضطرت الولايات المتحدة الامريكية في الايام الاخيرة من حرب الاثني عشر يوما إلى قصف شديد على منشاة ناطنز التي كانت تعد إحدى اهم المنشآت لإنتاج اليورانيوم المخصب في ايران. ولهذا قررت ادارة دونالد ترامب إنهاء حرب الاثني عشر يوما في العام ٢٠٢٥، لانها اعتقدت ان البرنامج النووي الإيراني قد تم تدميره، لكن إسرائيل كانت تشك في ذلك، وحاولت بكل جهودها اقناع إدارة دونالد ترامب بان البرنامج النووي الإيراني لم يتم تدميره بالكامل، وبعد مدة قصيرة من انتهاء الحرب، ستستمر إيران في تطويره.
من دون شك، تعرض البرنامج النووي الإيراني الى اضرار جسيمة من خلال الضربات الجوية الامريكية والإسرائيلية على المنشآت النووية، وخاصة بعدما تمت تصفية العديد من العلماء والخبراء النوويين الذين ساهموا في تطوير البرنامج النووي الإيراني، وبالتاكيد ستؤدي هذه الاضرار الى تاخير او تعطيل عملية حصول الجمهورية السلامية على الاسلحة النووية لسنوات عديدة، لكن مسالة تطوير برنامجها النووي ستبقى هدفا استراتيجيا للجمهورية الإسلامية، وفي الوقت نفسه، سيبقى برنامجها نقطة خلاف جوهرية مع الولايات المتعدة الامريكية وإسرائيل، إذا لم يتغير نظام الحكم في إيران.
ووفقا لما جرى في حرب الاثني عشر يوما في العام ٢٠٢٥ ومعطيات ما بعد مرحلة الحرب، وخاصة طبيعة المفاوضات التي جرت بين الولايات المتحدة الامريكية وإيران بوساطة سلطنة عمان، كان اندلاع الحرب الحالية في ٢٨/٢/٢٠٢٦ من جديد متوقعا، لان إسرائيل كانت ولاتزال تشك في تدمير البرنامج النووي، وتصر على تغيير نظام الجمهورية الإسلامية في إيران، لانها تخشى من بقائه في الحكم، واستمراره على برنامجه النووي في المستقبل.
في بداية هذه الحرب، استهدفت الولايات المتحدة الامريكية وإسرائيل، من خلال الضربات جوية المشتركة، السيد علي خامني المرشد الاعلى للثورة الإسلامية في إيران في 28/2/2026، ولكن مقتله لا يعني، بان الحرب قد حسمت وانتهى التصعيد العسكري والتورات الامنية والازمات السياسية في منطقة الشرق الاوسط. على الرغم من مقتل المرشد الاعلى للجمهورية الإسلامية ومجموعة من قادتها البارزين، واضعاف حلفائها الإقليميين، وتوسع رقعة الحرب الى دول المنطقة، وتعطيل عملية تدفق النفط الى الاسواق العالمية، إلا ان موضوع تغيير النظام في ايران (الى يومنا هذا) مكان جدل وخلاف بين الولايات المتحدة الامريكية وإسرائيل، إذ تسعى إدارة دونالد ترامب إلى إضعافه بهدف فرض شروطها عليه، من دون تغييره، لانها تخشى من الفوضى التي قد تندلع، ولانها لا تريد تكرار ما حدث في العراق بعد الحرب في العام 2003، ولكن حليفتها إسرائيل، على نقيضها، تسعى إلى تغيير النظام، لانها تعده تهديدا لجودها، وترى هذه الحرب فرصة تاريخية لتغييره، وربما لا تتكرر هذه الفرصة مرة اخرى.
حتى الآن، تعول الولايات المتحدة الامريكية بالتنسيق مع إسرائيل، على استخدام القوة الجوية والصواريخ ضد إيران بهدف اضعاف قدراتها العسكرية والامنية، التي قد تمنح الفرصة لقيادات الاحتجاجات والمظاهرات في الداخل، والمعارضة الإيرانية في الخارج لموجهة نظام الحكم في إيران وتغييره، لكن مجريات حرب الاثني عشر يوما في العام ٢٠٢٥، والحرب (الحالية) ومعطياتهما تشيران، الى ان إضعاف الجمهورية الإسلامية في ايران ممكنا، لكن اسقاطها ليست بهذه السهولة، كما يتوقع بعض اعدائها ومعارضيها او بعض الباحثين والمراقبين السياسيين. ولنفترض ان نظام الجمهورية الإسلامية في إيران قد فقد السيطرة على بعض اجزاء من البلاد بعد الضربات الجوية الامريكية والإسرائيلية، ولاسيما بعد مقتل المرشد الاعلى للثورة الإسلامية وقادتها البارزين، او لنفترض، ايضا، ان النظام في إيران يشهد الاسابيع الاخيرة من حكمه، فهل يتوافق ذلك مع مجريات الحرب؟
ثلاث عوامل واقعية
إن هذه الفرضيات التي تُناقش في بعض الاوساط الإعلامية والسياسية، لا تتوافق مع مجريات الحرب، ولا مع المؤشرات والمعطيات الحالية للسياسة الخارجية للولايات المتحدة الامريكية، ولا مع القدرات الداخلية والاقليمية للجمهورية الاسلامية في إيران، التي تتسم بثلاث عوامل واقعية تتعارض مع هذه الفرضيات المتداولة:
1.لا يمكن تجاهل الاحتجاجات والمظاهرات التي جرت في المراحل الماضية، وخاصة المظاهرات الاخيرة التي شهدتها إيران قبل هذه الحرب الحالية. ولا يشك احد في ان الاحتجاجات والمظاهرات التي جرت في الاعوام ٢٠١٩ و٢٠٢٢ و٢٠٢٣ و٢٠٢٦، كانت تدل على مدى ياس اجزاء كبيرة من المجتمع الإيراني في مواجهة الاوضاع الاقتصادية والسياسية والامنية، ولاسيما المظاهرات الاخيرة التي هزت الجمهورية الإسلامية في إيران. وبالتزامن مع هذه التطورات الداخلية، اصطدمت إيران بحرب الاثني عشر يوما في العام ٢٠٢٥، والحرب الحالية التي تقودها الولايات المتحدة الامريكية وإسرائيل والتي تعتقد بانها ستشكل التهديد الخارجي لاستكمال التهديد الداخلي، الذي قد يؤدي الى تغيير النظام في إيران. لا ينفي احد، ان كلا التطورين الداخلي والخارجي اضعفا النظام، لكن الإضعاف لا يعني السقوط، بموجب مجربات إدارة الوضع الداخلي ومعطيات مقاومة التهديد الخارجي لهذه الحرب الحالية.
2.لا توجد مؤشرات واضحة وعلنية، حتى الآن، إلى انقسامات او صراعات داخل اجهزة نظام الحكم وقاعدته مثل الجيش والحرس الثوري واجهزة الامن والاستخبارات والشرطة المدنية والبسيج (الخ.). استطاعت النخبة الحاكمة وقاعدتها التي تقود نظام الجمهورية الاسلامية في إيران البقاء موحدة ومصممة الى الآن، لذلك ستقاوم التهديد الخارجي، وستحاول بشتى الاساليب والسياسات للسيطرة على الوضع الداخلي في إيران. وقد يعود هذا الى عدم وجود معارضة موحدة ومنظمة في الداخل والخارج، تمتلك القدرات والمؤهلات لتغيير النظام في إيران، او تصبح بديلا له في يوم ما. على الرغم من محاولات إبن الشاه الاخير (محمد رضا شاه) بجذب المزيد من الانظار السياسية لنظام الشاه كبديل للنظام الحالي خلال الاحتجاجات والمظاهرات التي جرت في المراحل الاخيرة، إلا انه لا يمتلك مقومات النظام البديل للنظام الحالي، ولا يحظى بشعبية في الداخل على الإطلاق، ولا بمصداقية داخل صفوف المعارضة الإيرانية في الخارج، ما يمكن ان يمنحه الفرصة لتوحيد صفوف المعارضة المتشتتة وقيادتها في عملية تغيير النظام في إيران. اما في ما يخص دور المعارضة الكردية التي تمثل المكون الكردي من الناحية السياسية والشرعية، وتتمتع بخبره سياسية، وتمتلك القدرات العسكرية الى حد ما، وتحظى بمصداقية دولية اكثر من الاطراف الاخرى للمعارضة الإيرانية، ستبقى الطبيعة الجيوسياسية لموقع الشعب الكردي في المنطقة تلعب دورا مهما في صيغة مشاركته في هذه الحرب الإقليمية ومتغيراتها المستقبلية، لان مجريات هذه الحرب غير التقليدية تطرح تساؤلات جوهرية، مثل: كيف ستتصرف المعارضة الكردية في ايران مع مجريات هذه الحرب؟
وكيف سيحافظ اقليم كردستان العراق على مكتسباته التاريخية وكيانه الدستوري في ظل هذا التصعيد العسكري والمخاوف من تفكيك الشرق الاوسط وترسيمه من جديد؟
كيف سيتصرف الكرد في سوريا (غرب كردستان) بعد الاشتباكات العسكرية والاتفاقيات السياسية الاخيرة مع الحكومة المؤقتة في سوريا؟
وهل ستستمر المفاوضات الجارية بين الحكومة التركية والكرد حول حل القضية الكردية في تركيا (شمال كردستان)؟
إن البحث عن إجابات هذه الاسئلة، يحتاج الى مراجعة سريعة لبعض الاحداث التاريخية التي تمت استهداف الشعب الكردي فيها، ومقارنتها مع التصعيد العسكري والتوترات الامنية الحالية في المنطقة.
ولهذا، سوف يكون خطا تاريخيا وفادحا، إذا تجاهلت القيادات السياسية الكردية مجريات الإتفاقيات والمؤامرات التي استهدفت الشعب الكردي في المنطقة، مثل؛ اتفاقية سايكس بيكو في العام ١٩١٦، ومؤامرة القضاء على جمهورية مهاباد الكردية في العام ١٩٤٧ في ايران، واتفاقية الجزائر بين الحكومة الايرانية والعراقية في العام ١٩٧٥، وقمع انتفاضة الشعب الكردي في العام ١٩٩١ في العراق، الذي ادى الى الهجرة المليونية، والابادة الجماعية للايزيديين في ٣/٨/٢٠١٤، ومحاولة الاستفتاء على استقلال كردستان العراق في العام ٢٠١٧، ومحاولة اجهاض التجربة الكردية في (غرب كردستان) في بداية هذا العام في سوريا.
وبموجب الخلفيات التاريخية والجيوسياسية لصراعات منطقة الشرق الاوسط، ومجريات الحرب الحالية وتداعياتها على دول المنطقة، لن يحدث تغيير جذري من دون تجارب واحداث صادمة وكبيرة. لذلك، من الطبيعي ان يحاول الشعب الكردي البقاء موحدا وحذرا من التحولات السريعة في سياسات القوى الاقليمية والدول الكبري، التي تعطي دائما الاولوية القصوى لامن مصالحها القومية قبل القيم الإنسانية والعلاقات العاطفية.
3-بما ان الاهداف الاستراتيجية للولايات المتحدة الامريكية لهذه الحرب غير واضحة، ولا تعول على إدارة دونالد ترامب في ظل مبادئها "امريكا اولا" و"السلام من خلال القوة"، فإنها ستستمر في استخدام ادوات القوة الذكية التي تكمن في مجالات القوة الجوية والتكنلوجيا العسكرية، وستحاول تجنب الخسائر البشرية بعدم استخدام القوات البرية.
وبما ان إسرائيل ايضا ليست في وضع يسمح لها ان تستخدم القوات البرية، فإن كلاهما تحاولان دعم المعارضة الإيرانية، ولاسيما الكردية في مواجهة القوات العسكرية للجمهورية الإسلامية ميدانيا، وعلى الرغم من ان الإمكانيات العسكرية للمعارضة الإيرانية محدودة، لكن مع ذلك، هناك الكثير من المؤشرات تدل على ان إضعاف الجمهورية الإيرانية من الناحية العسكرية ممكن، لكن هزيمتها او تغيير نظامها ليس سهلا، كما يعتقد البعض.
وفي هذه الحالة، ستحاول إيران، او ربما ستضطر ان تستمر على برنامجها النووي بشتى الطرق والاساليب، ولن تتوقف عن دعم حلفائها في دول المنطقة، ولاسيما حزب الله في لبنان و(حماس) في غزة والحوثيين في اليمن وفصائل الحشد الشعبي في العراق بهدف إحياء محور المقاومة في المنطقة وتقويته من جديد. كما انها ستراجع علاقاتها الإقليمية والدولية بعد هذه الحرب، التي قد ستدفع دول الخليج ودول اخرى الى تعزيز تحالفاتها مع الولايات المتحدة الامريكية وإسرائيل اكثر من ذي قبل. بالإضافة الى موقف الدول الاوروبية الذي سيتجه نحو التضامن مع الولايات المتحدة الامريكية وإسرائيل من جهة ودول منطقة الخليج من جهة اخري، لان ازمة الطاقة (النفط والغاز) قد تؤدي فجاة الى اختلال كبير في الاسواق العالمية، وخاصة في اسواق الدول الاوربية والآسيوية التي لا تمتلك موارد الطاقة مثل الولايات المتحدة الامريكية وروسيا، إذا لم تتوقف الحرب.
إن ما يجري الآن في منطقة الشرق الاوسط، قد لا تكون مجرد حرب ذات اهداف محدودة، بل قد تكون لها ابعاد استراتيجية بعيدة المدى تخدم امن المصالح القومية للولايات المتحدة الامريكية وإسرائيل، ولاسيما تحقيق اهداف الإتفاقيات الإبراهيمية التي ابرمت في البيت الابيض في العام ٢٠٢٠، والتي تهدف الى التطبيع مع إسرائيل، وتؤكد على اهمية إعادة صياغة منطقة الشرق الاوسط ثقافيا، والاعتراف بوجود شعوب المنطقة، وتعزز اهمية السلام والتسامح، واحترام كرامة الانسان، وحرية المعتقد والدين، ولا تمنح الفرصة لإحياء الامبراطوريات البائدة والانظمة التي اضطهدت الشعوب والاقليات الدينية من جديد.