×


  کل الاخبار

  الحروب التي تلت الحرب.. لماذا قد تستمر إسرائيل وإيران في القتال؟



*دانيال بايمان

مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية/الترجمة والتحرير: محمد شيخ عثمان   

 

قد تكون نهاية الحرب الدائرة في الشرق الاوسط وشيكة ، مع ما تشهده من غارات جوية امريكية وإسرائيلية مكثفة على إيران، وهجمات إيرانية على حلفاء الولايات المتحدة الإقليميين وسفن الخليج. ومع ذلك، حتى في هذه الحالة، قد لا تتوقف الاعمال العدائية.

 احد السيناريوهات المستقبلية المحتملة هو ان يبقى النظام الإيراني وإسرائيل في حالة صراع محدود يشمل هجمات إلكترونية وتخريبا وإرهابا، وضربات عسكرية صريحة بين الحين والآخر، وربما تنضم الولايات المتحدة إليها من وقت لآخر. بالنسبة لإسرائيل، ستكون هذه وسيلة لإبقاء إيران ضعيفة وغير مستقرة، بينما سترد طهران بدافع الانتقام، وإضفاء الشرعية على نظامها المتداعي، واستعادة قوة الردع.

مستقبل النظام الإيراني غامض، لكن احد السيناريوهات المحتملة - وربما الاكثر ترجيحا - هو خروجه من الحرب ضعيفا لكن صامدا، وربما اكثر تطرفا. تغيير النظام ممكن لكنه مستبعد ، وقرار اختيار مجتبى خامنئي، نجل المرشد الاعلى الراحل علي خامنئي، خليفة له، يُشير إلى تحدٍ ودورٍ بارزٍ للحرس الثوري الإسلامي المتشدد.

قد يتراجع هذا النظام إلى زاويةٍ ليلعق جراحه، لكنه قد يسعى ايضا للانتقام. فبمساعدة الاستخبارات الامريكية، لم تقتل إسرائيل علي خامنئي فحسب، بل قتلت ايضا وزير الدفاع الإيراني، وقائد الحرس الثوري، ومسؤولين كبارا آخرين، وهذه الوفيات تُضاف إلى العدد الكبير من المسؤولين الامنيين الذين قتلتهم إسرائيل خلال حرب الايام الاثني عشر عام 2025.

 كما قضت إسرائيل على قيادات وكلاء رئيسيين، مثل حزب الله اللبناني. وفي عام 2012، ردت إيران وحزب الله على اغتيال علماء إيرانيين بتفجير حافلة تقل سياحا إسرائيليين في بلغاريا. ومؤخرا، سعت إيران لاغتيال مسؤولين امريكيين كبار متورطين في اغتيال قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، عام 2020، ضمن مخططات انتقامية اخرى. ونظرا للنطاق الاوسع بكثير لعمليات الاغتيال في عامي 2025 و2026، والشخصيات البارزة للقتلى، فإن دوافع إيران للرد قوية.

إذا لم يكن الانتقام دافعا كافيا، فقد يكون الدافع هو الرغبة في استعادة قوة الردع. عموما، من المرجح ان يعتقد المسؤولون الإيرانيون انه لا حيلة لهم في تخفيف العداء الامريكي والإسرائيلي، لذا عليهم بدلا من ذلك ردع اعدائهم او إضعافهم قبل تلقي ضربة قاضية. قبل سلسلة الصراعات التي اشعلها هجوم حماس الإرهابي على إسرائيل في 7 اكتوبر/تشرين الاول 2023، اعتمدت إيران على ترسانتها الصاروخية الضخمة وجماعاتها الوكيلة القوية لردع الهجمات الامريكية والإسرائيلية.

منذ ذلك الحين، قضت إسرائيل على حزب الله وحماس، وهما من اهم وكلاء إيران، كما دمرت حربا 2025 و2026 او اضعفتا جزءا كبيرا من القوات الصاروخية الإيرانية. عسكريا، إيران ضعيفة وتبدو تحت رحمة خصومها. قد تستمر إيران في دعم وكلائها واستخدام مخزونها المحدود لضمان ان تعلم إسرائيل والولايات المتحدة وغيرهما من المعتدين انهم سيدفعون ثمنا باهظا إذا ما هاجموا إيران.

 وقد يشمل ذلك ايضا استمرار الضربات على دول الخليج، او على الاقل التهديدات ضدها، حتى تضغط هذه الدول على الولايات المتحدة لتكون اكثر مرونة.

يبقى السؤال الاهم هو ما إذا كانت إيران ستسعى لامتلاك سلاح نووي. فمن جهة، دُفن جزء كبير من برنامجها النووي تحت انقاض الضربات الامريكية والإسرائيلية عام 2025، لكن المسؤولين الامريكيين والإسرائيليين ما زالوا قلقين من إمكانية استئناف إيران لهذا البرنامج.

 إن السعي وراء الاسلحة النووية يُعد خطوة استفزازية من جانب إيران، فبرنامجها النووي ساهم في إشعال حربين. لكن في نظر النظام، يُعد نقض الولايات المتحدة للاتفاق النووي الإيراني والهجمات اللاحقة على إيران، حتى في الوقت الذي لم يكن يُعتقد فيه ان إيران تُطور برنامجها النووي، دليلا على عداء الولايات المتحدة وإسرائيل. وقد يشعر النظام بانه سيُهاجم سواء سعى لامتلاك اسلحة نووية ام لا.

اخيرا، قد يعتقد قادة النظام ما بعد الحرب ان استمرار الصراع يصب في مصلحتهم السياسية. فحتى قبل الحرب الاخيرة، كانت إيران تعاني من تضخم جامح، وتفاقم الفقر، ومشاكل اقتصادية اخرى.

 وقد ساهمت هذه المشاكل في اندلاع الاحتجاجات الجماهيرية في جميع انحاء إيران، والتي قمعها النظام بوحشية في يناير/كانون الثاني 2026. ومن شان الدمار الذي خلفته الحرب الاخيرة ان يزيد الوضع الكارثي سوءا. إن وجود عدو خارجي، ولا سيما إسرائيل والولايات المتحدة، سيكون وسيلة للنظام لتبرير القمع في الداخل، والتنصل من المسؤولية عن المشاكل الاقتصادية المستمرة.

كما ان لإيران دوافعها لمواصلة الحرب، كذلك لإسرائيل. يسعى القادة الإسرائيليون إلى إبقاء إيران ووكلائها ضعفاء طالما بقي النظام معاديا. وقبل السابع من اكتوبر/تشرين الاول بوقت طويل، تحدث القادة الإسرائيليون عن "حملة ما بين الحربين". وتتلخص الفكرة في تعطيل قوات العدو لمنع حشدها، وتعزيز الردع لتقليل احتمالية الهجوم، وتطوير الوصول العملياتي والاستخباراتي في حال دعت الحاجة إلى مزيد من القوة. عمليا، تمثل هذا في هجمات محدودة، وسرية احيانا، شملت غارات جوية وعمليات إلكترونية، وغيرها من التدابير التي تزيد من احتمالية فوز إسرائيل في اي حرب مستقبلية. فعلى سبيل المثال، استهدفت إسرائيل صواريخ مضادة للطائرات كانت متجهة من إيران إلى حزب الله اللبناني عبر سوريا عام 2013، وشنت هجمات إلكترونية على منشآت نووية إيرانية عام 2021.

إذا رات إسرائيل ان إيران لا تزال معادية، فمن المرجح ان تستنتج ان حربا مستقبلية محتملة، وان عمليات عسكرية محدودة ضرورية لضمان إضعاف إيران وردعها، وفي حال فشل الردع، ستواجه الهزيمة في اي حرب مستقبلية. وبموجب هذا النهج، لا تحتاج إسرائيل إلى الاعتماد على التزام إيران باي وقف لإطلاق النار او اتفاق دبلوماسي. بل يمكنها ان تشعر بالامان لان خصومها ضعفاء. كما تؤكد إسرائيل على ضرورة استعادة الردع، الذي تعتقد انه فشل ، مما سمح بوقوع هجمات 7 اكتوبر. إن الاستخدام المستمر للقوة يوضح ان إسرائيل ستدافع عن نفسها.

تُطبق إسرائيل هذا النهج بالفعل في لبنان وسوريا. فرغم انتهاء الحرب الشاملة بين إسرائيل وحزب الله عام ٢٠٢٤، واصلت إسرائيل غاراتها الجوية وعمليات الاغتيال، فضلا عن الحفاظ على وجود بري محدود في لبنان، والذي ازداد في جولة الصراع الاخيرة. وفي مناطق سورية قريبة من الحدود الإسرائيلية، شن الجيش الإسرائيلي غارات واستولى على اسلحة، كما قصفت القوات الجوية الإسرائيلية الدفاعات الجوية والبنية التحتية العسكرية واهدافا اخرى في انحاء سوريا.

في المستقبل، قد تُسهم العمليات الإسرائيلية المحدودة في تقليص مخزونات الاسلحة الإيرانية، وتدمير البنية التحتية القيادية، واغتيال العلماء والقادة الإيرانيين.

ويمكن تحقيق كل ذلك إلى حد كبير عبر الغارات الجوية، مما يُسفر عن خسائر إسرائيلية قليلة نسبيا، ويتجنب التكاليف الدبلوماسية والتعقيدات الميدانية المصاحبة لاحتلال الاراضي. كما يُمكن للقادة الإسرائيليين تعديل هذه العمليات وفقا لظروفهم السياسية الداخلية ومدى تقبل الشركاء الدوليين لها.

إلا ان هذا النهج يستلزم شن هجمات إضافية مع مرور الوقت في ظل إعادة بناء إيران لقواتها. وقد تُطور إيران، على غرار حماس التي خططت لهجوم 7 اكتوبر، اساليب جديدة لمواجهة إسرائيل لا تستطيع الدفاعات الحالية التصدي لها. كما ان استراتيجية إسرائيل المتمثلة في الضربات الوقائية المتكررة تُنذر بتغذية الخطابات المتطرفة داخل إيران، وتُشوه سمعة المعتدلين الذين قد يُعارضون النظام الإيراني لولا ذلك.

بالنسبة للولايات المتحدة، فإن "حروب ما بعد الحرب" ستزيد من حدة معضلة إدارة التحالفات المالوفة. قد تفضل إسرائيل استراتيجية الضربات الوقائية المتكررة لإبقاء إيران ووكلائها ضعفاء، بينما قد يرغب شركاء الخليج في ان تحمي الولايات المتحدة الملاحة البحرية وتردع إيران حتى يتمكنوا من استعادة مكانتهم كملاذات آمنة للتجارة والاستثمار . في الوقت نفسه، من المرجح ان يرغب شركاء الخليج في ان تكبح واشنطن جماح إسرائيل بما يكفي لتجنب تصعيد لا نهاية له يقوض التجارة والاستثمار والاستقرار الداخلي.

حتى لو حاولت الولايات المتحدة الناي بنفسها عن جولات المواجهة المستقبلية، فإن اعتقاد إيران بان الولايات المتحدة وإسرائيل تعملان بتنسيق تام يزيد من المخاطر التي تواجه واشنطن. وستظل القواعد الامريكية والشبكات التجارية والدبلوماسيون والشحن، وربما الوطن نفسه، عرضة للمضايقات والانتقام المتكرر.

اخيرا، تُشكل هذه الصراعات مصدر إلهاء استراتيجي لواشنطن. فمن شان صراع إسرائيلي إيراني محدود ان يُعيد واشنطن إلى المنطقة مرارا وتكرارا عبر الدفاع الجوي والصاروخي، والحماية البحرية، والدعم الاستخباراتي، والدفاع السيبراني، والضربات الجوية بين الحين والآخر. وهذا يعني استمرار استنزاف اهتمام كبار صانعي السياسات، ومواردهم العسكرية، وذخائرهم، في وقت تُحدد فيه الاستراتيجية الامريكية الرسمية الدفاع عن الوطن وردع الصين كاولويات قصوى.

*دانيال بايمان هو مدير برنامج الحرب والتهديدات غير النظامية والإرهاب في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن العاصمة.

*مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، وهو مؤسسة خاصة ، تُعنى بقضايا السياسة العامة الدولية. وتتميز ابحاثه بالحيادية وعدم الاحتكار.


12/03/2026