×


  کل الاخبار

  الخبر… حين يصبح جزءا من الحرب



*عماد احمد

*ترجمة: نرمين عثمان محمد/ عن صحيفة كوردستاني نوى

عندما تندلع الحروب، لا يكون الجنود وحدهم من يتجهون إلى ساحات القتال؛ فالكلمات والاخبار ايضا تدخل المعركة. ففي عالم اليوم لم تعد الحروب تُخاض فقط بصوت البنادق والمدافع، بل تُدار ايضا عبر عناوين الاخبار ومن خلف شاشات وسائل الاعلام. في هذا الميدان لا تقل قوة الكلمة عن قوة السلاح، فهي قادرة على التأثير في عقول الناس ومشاعرهم، وعلى توجيه الرأي العام وتحديد اتجاهاته.

في اوقات السلم تبدو وسائل الاعلام كالنهر الذي يجري بهدوء في جسد المجتمع، حاملا المعرفة والتنبيه والمعلومات. لكن حين تندلع الحروب يمكن لهذا النهر نفسه ان يتحول إلى فيضان جارف، يعيد تشكيل افكار الناس ومشاعرهم ووعيهم.

 

 تعزيز الروح المعنوية لدى الناس

في مثل هذه الظروف يصبح الخبر قوة مؤثرة في توجيه الرأي العام. ويشهد تاريخ البشرية على أن الحروب لا تُحسم بالاسلحة وحدها؛ فكثيرا ما تدور المعركة الحقيقية داخل عقول الناس ونفوسهم. ففي الحروب العالمية الكبرى، ولا سيما خلال الحرب العالمية الثانية، تحولت الاذاعة ووسائل الاعلام إلى أدوات مهمة لتعزيز معنويات الشعوب والجنود، واستُخدمت الاخبار والدعاية بصورة منظمة لصناعة صورة معينة عن الحرب وتوجيه الفكر والمشاعر العامة.

وفي حرب فيتنام، وللمرة الاولى، نقلت وسائل الاعلام صور الحرب مباشرة إلى بيوت الناس، وهو ما ترك تأثيرا عميقا في الرأي العام وفي القرارات السياسية. وتُظهر هذه التجارب أن دور الاعلام لا يقتصر على نقل الاحداث، بل يمتد ليصبح عاملا مؤثرا في توجيه الافكار وصياغة مسار التاريخ.

في فلسفة الحرب تبرز مقولة معروفة مفادها: «إن الحرب هي استمرار للسياسة بوسيلة اخرى». وتوضح هذه الفكرة أن الحرب ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل هي امتداد للصراع السياسي بأدوات مختلفة، حيث تتحول الخلافات والمصالح المتعارضة من ساحة التفاوض إلى ساحة القتال.

 

 تكوين صورة معينة

وفي عصرنا الحاضر، إذا كانت الحرب امتدادا للسياسة، فإن الاعلام اصبح بدوره جزءا مؤثرا من هذه السياسة. فالاخبار والتحليلات لا تكون دائما مجرد نقل للمعلومات، بل قد تتحول احيانا إلى وسيلة لصياغة صورة معينة للاحداث وتوجيه الرأي العام.

وفي حروب اليوم لم يعد ميدان الصراع يقتصر على الحدود والاراضي؛ فقد اصبحت شاشات التلفزيون ومنصات التواصل الاجتماعي ساحات اخرى للمعركة. وفي هذا الفضاء تتحول الاخبار المضللة والدعاية وإخفاء الحقائق إلى اسلحة نفسية تُستخدم للتأثير في افكار الناس ومشاعرهم. فكثيرا ما يكون خبر كاذب واحد كافيا لإثارة الخوف، ونشر الفوضى، واضعاف المعنويات العامة.

ولهذا فإن حرية الصحافة في مثل هذه الظروف لا تنفصل عن المسؤولية؛ فكل كلمة تُكتب في زمن الحرب يمكن ان تكون إما نورا يضيء الطريق، أو ظلاما يزيد من تعقيد الواقع. وفي ظل الوضع الحساس في منطقة الشرق الاوسط، حيث تتواصل الازمات والصراعات الجيوسياسية، تزداد اهمية دور الاعلام والصحافة، وتتعاظم الحاجة إلى الدقة والمهنية في نقل الحقيقة وتفسير الاحداث.

 

إيجاد نهج متوازن

وفي التاريخ السياسي لكوردستان شهدت المنطقة مرارا حروبا وأزمات، لكن السعي كان دوما لإيجاد توازن بين الصراع والحوار. وفي هذا السياق، ينبغي للإعلام أن يكون مصباحا للحقيقة، لا أداة للدعاية وإثارة الفوضى.

وفي الختام، ففي زمن الحرب ليست الأسلحة وحدها من يحدد مصير المجتمعات؛ فكثيرا ما تمتلك الكلمات القوة ذاتها والتأثير نفسه. فالخبر المضلل قادر على بث الخوف وإبعاد وعي المجتمع عن طريق الحقيقة. لذلك، فإن حماية الحقيقة في وسائل الإعلام ليست مجرد مهمة مهنية، بل مسؤولية وطنية.

وكما كان يؤكد الزعيم الراحل مام جلال: «إن كردستان أهم من كل شيء»، ولهذا، في أوقات الحرب والأزمات، حين يعلو صوت السلاح، تظل الكلمة الصادقة القادرة على إنارة وعي المجتمع والحفاظ على مستقبل كوردستان.


12/03/2026