×


  تركيا و الملف الکردي

  فورين بوليسي : ترامب يعزز منطق السلطوية والقومية في تركيا



*خليل كارافيلي

مجلة "فورين بوليسي"الامريكية/الترجمة والتحرير: محمد شيخ عثمان

كتب الكثير عن كيفية سعي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتطبيق أجندة سلطوية داخليا بينما يحتضن الديكتاتوريين في الخارج. لكن حتى هذا النقد لا يلتقط بالكامل الطريقة التي أعاد بها تشكيل النظام العالمي لتعزيز منطق السلطوية ذاته.

 

ولاية ترامب الثانية

يمكن رؤية النتائج بوضوح مؤسف في تركيا، حيث الرئيس رجب طيب أردوغان هو المستفيد الرئيسي من الفوضى الدولية القائمة على القوة التي عززها ترامب. في الوقت نفسه، ندد أردوغان بالولايات المتحدة وتقارب مع ترامب، بينما يجسد القوة الوطنية التي تعتمد عليها تركيا في عالم فوضوي وغير ليبرالي. في المقابل، تتغذى المعارضة التركية على إيمان مثالي بالنظام الليبرالي المتراجع وتعد بالتخلي عن السياسة الخارجية القومية لأردوغان. ما لم تعيد النظر وتضاعف اعتمادها على القومية، سيعود الناخبون الأتراك إلى أردوغان.

 

أردوغان يقدم نفسه

أردوغان يقدم نفسه كتحقق لطموحات تركيا في القوة الإقليمية والعالمية. لقد دعا منذ فترة طويلة إلى نظام عالمي متعدد الأقطاب لا تهيمن عليه القوى الكبرى، قائلا: "العالم أكبر من خمسة" في إشارة إلى الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي. سعيا وراء هذه الرؤية، أقامت أنقرة علاقات قوية مع الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. عندما تم اعتقال مادورو من قبل القوات الأمريكية في يناير، صرح مستشار أردوغان الرئيسي محمد أوجوم: "لا يوجد خيار سوى الصراع القائم على القوة ضد العدوان الإمبريالي".

في الوقت نفسه، تصرف أردوغان كحليف متعاون لترامب يسعى للتعاون مع الولايات المتحدة حين يخدم مصالحه. إذ بينما أدان مستشاره العدوان الإمبريالي، امتنع أردوغان عن التعبير عن أي نقد لعملية مادورو. وبعد محادثة مع ترامب في 27 يناير، قال أردوغان: "سنواصل تطوير التعاون بين الولايات المتحدة وتركيا"، مضيفا: "من مصلحتنا المشتركة أن تتقدم العلاقات في جميع المجالات". قبلت تركيا الدعوة للانضمام إلى مجلس السلام الأمريكي، بينما رفض معظم حلفاء الناتو.

العلاقة التي يتمتع بها أردوغان مع ترامب توفر لتركيا فرصا لتعزيز مصالحها الوطنية بالتوازي مع الولايات المتحدة. وفقا لاستطلاع حديث لمجلس العلاقات الخارجية الأوروبي، يرى 11 بالمئة فقط من الأتراك الولايات المتحدة كحليف يشتركون معه في القيم، بينما يرى 42 بالمئة أنها شريك ضروري يجب على تركيا التعاون معه استراتيجيا.

 

هذا النهج الانتهازي

يساعد هذا النهج أردوغان على جعل تركيا فاعلا جيوسياسيا مهما، قادرا على إسقاط القوة العسكرية والاقتصادية من الشرق الأوسط والبلقان إلى أفريقيا وآسيا الوسطى. وقد وصفه النقاد على أنه تعبير عن وهم إمبريالي، لكن توسيع النفوذ التركي يعد مصدرا للفخر الوطني وورقة قوة لا شك فيها لأردوغان في عالم اليوم غير المستقر.

علاوة على ذلك، أدت التغيرات الدولية إلى دمج قضية الإسقاط الدولي للقوة مع قضية القوة في السياسة الداخلية لأردوغان.

 

الفلسفة السلطوية

الفيلسوف توماس هوبز رأى أن السيادة يجب أن تتمتع بقوة غير مقيدة في عالم فوضوي. وقد تبنى القوميون المتطرفون الأتراك، الذين تحالف معهم أردوغان لعقد من الزمن، رؤية هوبزية للوجود البشري كحرب كل ضد كل. سقوط الدولة العثمانية وكاد يقضي على الدولة التركية بعد الحرب العالمية الأولى دفع القوميين الأتراك لتمجيد القوة الغاشمة كوسيلة للبقاء، واحتقروا الحريات المدنية. وصرح الكاتب نهال أتسيز، رمز القوميين المتطرفين الأتراك: "الأتراك لا يحتاجون إلى حرية مفرطة لحياة كريمة". فالنجاة والكرامة تعتمد على النقاء العرقي والقوة الخام.

اليوم، القومية تصاعدت في تركيا، خاصة بين الشباب. ومع ذلك، ليس من الواضح ما إذا كان القوميون الشباب سيقبلون استمرار الحكم السلطوي. وفقا لاستطلاع حديث، لا يبدو أن قومية الشباب التركي تحمل طبقات يمينية متطرفة مضادة للديمقراطية كما في معظم الدول الأخرى. وهذا يشير إلى أن الحكم السلطوي قد أعطى جيل الشباب من القوميين مناعة نسبية ضد السلطوية. ومع ذلك، سيبحث الناخبون القوميون المحافظون عن قيادة قوية، ليست بالضرورة سلطوية، تخدم مصالح القوة الوطنية، ما يضع المعارضة الليبرالية غير القومية ومرشحها الرئاسي في موقع ضعف.

 

المعارضة الليبرالية تحت الضغط

إكرم إمام أوغلو، مرشح حزب الشعب الجمهوري والمعتقل منذ مارس 2025 بتهم فساد، حرص على استمالة ممثلي أوروبا، وهو ما أثار انتقادات واسعة عند لقائه السفير البريطاني في 2022. وأصبح أكثر عرضة للاتهامات بعدم الاهتمام بأمن تركيا الوطني واستعداده لتقديم تنازلات للحلف الغربي.

في محاولة لكسب الدعم الغربي، تعهد إمام أوغلو بجعل تركيا حليفا موثوقا في الناتو، منضما إلى الرأي الغربي الذي شكك في ولاء تركيا للتحالف الغربي. وانتقد الحكومة التركية لتأخير انضمام السويد وفنلندا للناتو، واعتبر أن تركيا واليونان متساويان في المسؤولية عن استمرار تقسيم قبرص، ودعا لمراعاة الحلفاء الغربيين، خاصة اليونان، في شرق المتوسط.

 

الدروس من الماضي

نجحت المعارضة الاجتماعية الديمقراطية في السبعينيات لأن زعيمها الجذاب بولنت أجاويت، كأردوغان، كان يتمتع بعلاقة فريدة مع الطبقات الشعبية. دعا للعدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الثروة، لكنه لم يكن ليتجاوز مقاومة الفقراء المحافظين الجذور ثقافيا ودينيا لليسار لو لم يكن أيضا رمزا للقومية التركية.

في عالم ترامب القائم على القوة، ستلقى القومية صدى لدى الناخبين أكثر من الليبرالية. وسيتأثر صراع حزب الشعب الجمهوري ضد الاستبداد إذا فشل في طمأنة الناخبين بأنه سيحمي مصالح الدولة. للبقاء ذا صلة، ستضطر المعارضة التركية للتخلي عن إيمانها بالغرب الديمقراطي واحتضان خطاب أردوغان حول القوة التركية.

*زميل أول في مركز آسيا الوسطى والقوقاز وبرنامج دراسات طريق الحرير المشترك


15/02/2026