*احمد السيد الحلو
*مركز المستقبل للابحاث والدراسات المتقدمة
ادت الحرب التي شنتها الولايات المتحدة الامريكية وإسرائيل على إيران في 28 فبراير 2026، وما تبعها من اغتيال المرشد علي خامنئي وعدد من كبار القيادات العسكرية والامنية؛ إلى إدخال الشرق الاوسط في مرحلة جديدة من التصعيد غير المسبوق.
وفي خضم هذه التطورات، برز الغياب الروسي بوصفه احد ابرز ملامح الازمة الحالية. فعلى الرغم من ان موسكو تُعد، خلال السنوات الاخيرة، من اهم الشركاء الاستراتيجيين لطهران؛ فإن هذا الغياب، خاصة على المستوى العسكري، يطرح تساؤلات مهمة حول طبيعة الحسابات التي حكمت الموقف الروسي، والعوامل التي حددت سقف تحركه، وكذلك الاسباب التي دفعت موسكو إلى الامتناع عن تقديم دعم مباشر لإيران.
موقف موسكو:
في اول رد فعل على الضربات العسكرية الامريكية الإسرائيلية على إيران، ادانت وزارة الخارجية الروسية هذه الضربات ووصفتها بانها "عمل عدواني مسلح مخطط له مسبقا وغير مبرر" ضد دولة ذات سيادة وعضو في الامم المتحدة. كما حملت موسكو كلا من واشنطن وتل ابيب المسؤولية الكاملة عن التداعيات المحتملة للتصعيد، محذرة من ان استمرار العمليات العسكرية قد يقود إلى كارثة إنسانية واقتصادية، وربما إشعاعية.
وفي سياق آخر، حرصت روسيا على التشكيك في المبررات التي قدمتها الولايات المتحدة وإسرائيل للحرب، مشيرة إلى ان الحديث عن البرنامج النووي الإيراني لا يمكن ان يشكل مبررا لضربة عسكرية واسعة، وان هذا الملف يُستخدم – بحسب الخطاب الروسي– غطاء سياسيا لهدف اوسع يتمثل في محاولة تغيير النظام في إيران. ومن خلال هذا المنظور، سعت موسكو إلى نزع الشرعية عن الحرب وإبرازها باعتبارها انتهاكا لقواعد النظام الدولي، والتحذير من ان هذا التصعيد قد يطلق سلسلة من التفاعلات غير القابلة للضبط، والتي قد تمتد آثارها إلى امن المنطقة واستقرار اسواق الطاقة العالمية.
ويمكن القول إن الموقف الروسي قد تشكل عبر ثلاثة مسارات متوازية؛ بدءا بالإدانة السياسية والقانونية الحادة للهجوم الامريكي الإسرائيلي، والدعوة الفورية إلى وقف إطلاق النار والعودة إلى المسار الدبلوماسي، مع طرح موسكو نفسها طرفا قادرا على اداء دور الوسيط في احتواء هذه الازمة؛ ومن ثم حاولت روسيا، من خلال تبني هذا النهج، الموازنة بين دعم إيران من جهة، وتجنب الانخراط المباشر في الصراع من جهة اخرى.
وعلى الرغم من حدة الخطاب الروسي؛ فإن التحركات العملية بقيت ضمن الإطار الدبلوماسي دون تجاوز ذلك نحو الانخراط العسكري. ويعكس هذا النهج محاولة روسية لإدارة الازمة من خارج الميدان؛ إذ تبنت موسكو خطابا قويا دفاعا عن مبادئ السيادة والقانون الدولي؛ لكنها في الوقت ذاته ابقت تحركاتها ضمن حدود محسوبة تحفظ لها هامش المناورة الاستراتيجية. كما شددت موسكو على ان المسار الدبلوماسي يظل الخيار الوحيد القادر على منع اتساع الصراع، محذرة من ان امتداد الحرب إلى دول اخرى في المنطقة او استهداف المنشآت النووية قد يفتح الباب امام فوضى إقليمية واسعة لا يمكن احتواء تداعياتها.
حركة مقيدة:
لم يكن الموقف الروسي من الحرب على إيران وليد اللحظة الراهنة، بل جاء محكوما بمجموعة من العوامل التي تحدد سقف الحركة الروسية في هذه الازمة، ومنها الآتي:
1- القيود العسكرية والاستراتيجية:
تنخرط موسكو في حرب استنزاف طويلة في اوكرانيا، وهي حرب تستهلك قدرا كبيرا من مواردها العسكرية. وفي ظل هذا الضغط العسكري، يصبح فتح جبهة جديدة في الشرق الاوسط خيارا عالي التكلفة والمخاطر. فالتدخل المباشر إلى جانب إيران قد يضع روسيا في مواجهة دول تمتلك تفوقا واضحا في القدرات الجوية والبحرية، مثل الولايات المتحدة وإسرائيل. كما ان توفير دعم عسكري فعال يتطلب بنية قيادة وسيطرة متكاملة وسلاسل إمداد مستقرة، مع احتمال الاحتكاك المباشر مع هذه الدول؛ لذلك يعكس امتناع موسكو عن التدخل العسكري قراءة واقعية لاولوياتها الاستراتيجية؛ حيث تظل حرب اوكرانيا اولوية امنية قصوى لها.
وهكذا، يشكل الموقف الامريكي بصفة خاصة محددا اساسيا لسلوك موسكو في الحرب على إيران؛ إذ تنظر روسيا إلى هذه الحرب ضمن سياق اوسع يتداخل فيه ملف اوكرانيا والعقوبات والعلاقات مع واشنطن. وفي ظل تقديرات روسية بان العلاقات مع إدارة دونالد ترامب قد تكون اقل توترا مقارنة بالديمقراطيين؛ تحرص موسكو على تجنب اي تصعيد مباشر مع الولايات المتحدة، خاصة مع بدء وساطة امريكية في جنيف لبحث تسوية للحرب الاوكرانية، تترافق مع ضغوط على كييف لتقديم تنازلات؛ لذلك تُفضل روسيا إبقاء دعمها لإيران ضمن حدود سياسية ودبلوماسية.
كذلك حرصت موسكو خلال السنوات الماضية على الحفاظ على توازن دقيق في علاقاتها مع إسرائيل، ليس بدافع التقارب السياسي بقدر ما يرتبط بحسابات براغماتية تتيح لها هامش حركة في المنطقة وتجنبها تحول تل ابيب إلى خصم يعرقل مصالحها؛ وبالتالي فإن اي تدخل عسكري روسي مباشر لصالح إيران قد يهدد العلاقات مع إسرائيل.
2- غياب الالتزام الدفاعي الملزم:
في 17 يناير 2025، وقع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان، في موسكو، اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة؛ بهدف تعزيز التعاون بين البلدين في مجالات متعددة مثل الاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا والتعاون العسكري والامني لمدة 20 عاما. لكن من المهم الإشارة إلى ان هذه الاتفاقية ليست تحالفا عسكريا دفاعيا ملزما؛ إذ لا تتضمن بندا يلزم روسيا بالدفاع العسكري عن إيران في حال تعرضها لهجوم، ويُعد غياب هذا البند احد ابرز اسباب امتناع روسيا عن التدخل العسكري المباشر لصالح إيران. فعلى الرغم من تطور الشراكة الاستراتيجية والتعاون العسكري بين البلدين خلال السنوات الاخيرة؛ فإن العلاقة بينهما لا تفرض التزاما قانونيا يلزم روسيا بخوض حرب دفاعا عن إيران.
3- تعقيد طبيعة الحرب واتساع نطاقها:
يفرض الطابع الإقليمي للحرب على إيران قيودا إضافية على اي احتمال لتدخل روسي مباشر؛ إذ لا تقتصر المواجهة على جبهة واحدة يمكن ضبطها، بل تمتد عبر مسارح متعددة تشمل قواعد عسكرية امريكية في عدة دول بالمنطقة، إضافة إلى الساحة البحرية في الخليج العربي وبحر العرب، إلى جانب دور الوكلاء الإقليميين والممرات الاستراتيجية مثل مضيق هرمز. وفي ظل هذا التشابك وتعدد الاطراف الفاعلة؛ يصبح التحكم في مستوى التصعيد شديد الصعوبة؛ ما يرفع مخاطر انزلاق الصراع إلى مواجهة إقليمية اوسع.
4- تراجع النفوذ الإقليمي:
مثلت سوريا خلال السنوات الماضية نقطة ارتكاز استراتيجية لروسيا في الشرق الاوسط، سواء على المستوى اللوجستي ام السياسي؛ إذ وفرت لموسكو قواعد عسكرية وممرات إمداد، إلى جانب نفوذ تفاوضي وحضور ميداني منحها قدرة ملموسة على التاثير في التوازنات الإقليمية. بيد ان انهيار نظام بشار الاسد، وتراجع قدرة روسيا على فرض ترتيباتها داخل الساحة السورية، وتغير موازين القوى فيها؛ ادى إلى تقليص دورها؛ ومن ثم اصبحت قدرة موسكو على إدارة الازمات الإقليمية عبر ادوات القوة العسكرية محدودة.
5- حسابات المكانة والصورة:
تحرص موسكو على ترسيخ صورتها كقوة فاعلة في إدارة الازمات الدولية وصياغة التوازنات العالمية؛ لكنها تتجنب الانخراط المباشر في صراعات عسكرية مرتفعة الكلفة؛ لذلك تميل إلى استخدام ادوات اقل تكلفة مثل الإدانة في المحافل الدولية، والوساطة الدبلوماسية، وتفعيل دور مجلس الامن، واحيانا تقديم دعم محدود او غير معلن. وتعكس هذه المقاربة سياسة إدارة المخاطر بدل المواجهة المباشرة. ومن خلال هذا التموضع؛ تسعى موسكو إلى الحفاظ على حضورها في مسارات التسوية والتفاوض وتعزيز صورتها كفاعل مؤثر في النظام الدولي دون تحمل اعباء الصراع العسكري المباشر.
رؤية مستقبلية:
تعاملت موسكو مع اغتيال علي خامنئي بوصفه حدثا يتجاوز اغتيال شخصية سياسية ليحمل دلالات اوسع تتعلق بقواعد النظام الدولي. فقد ركز الخطاب الروسي على مبدا السيادة ورفض استهداف قيادات الدول، واعتبر العملية مؤشرا على تصاعد سياسات تغيير الانظمة بالقوة. غير ان الاهتمام الروسي ينصب اساسا على تداعيات الحدث داخل بنية النظام الإيراني؛ إذ كان خامنئي يمثل مركز التوازن بين الشرعية الدينية والسلطة السياسية والامنية، وغيابه قد يفتح مرحلة انتقالية تنتقل فيها عملية صنع القرار من نموذج القيادة الفردية إلى منظومة اكثر تعقيدا تضم عدة مراكز قوة؛ ما يزيد من درجة عدم اليقين في السياسة الإيرانية.
وتنعكس هذه التحولات مباشرة على طبيعة العلاقات الروسية الإيرانية؛ إذ إن كثيرا من التفاهمات بين البلدين كانت تمر عبر قنوات مرتبطة بمكتب المرشد الاعلى؛ وهو ما قد يتغير في مرحلة ما بعد خامنئي. وفي حال تعاظم نفوذ الحرس الثوري داخل مراكز القرار؛ فقد يؤدي ذلك إلى تعميق التعاون العسكري والتقني مع موسكو في ظل الضغوط المشتركة. غير ان هذا السيناريو قد يرفع ايضا كلفة الشراكة على روسيا إذا اتجهت إيران نحو سياسات إقليمية اكثر تشددا؛ مما قد يزيد التوتر مع دول في المنطقة.
في المقابل، لا تستبعد روسيا احتمال ان تفتح المرحلة الانتقالية الباب امام قدر من البراغماتية السياسية داخل إيران؛ بحيث تسعى القيادة الجديدة إلى تخفيف الضغوط الخارجية عبر إعادة فتح قنوات التفاوض مع الغرب. ومثل هذا المسار قد يقلل من اعتماد طهران على موسكو كشريك رئيسي. ومن منظور روسي، لا يمثل هذا السيناريو خسارة بالضرورة؛ لكنه يفرض على موسكو إعادة تموضع للحفاظ على مصالحها دون افتراض احتكار النفوذ داخل إيران.
وبصورة عامة، تنطلق الرؤية الروسية لمستقبل إيران من افتراض قدرة الدولة الإيرانية على الصمود، وان احتمال انهيار النظام يبقى محدودا؛ لذلك تركز موسكو على الحفاظ على استمرارية مؤسسات الدولة وتجنب فراغ سياسي قد يهدد الاستقرار الإقليمي. وفي هذا الإطار، يُرجح ان توسع روسيا قنوات تواصلها مع مختلف مراكز القوة داخل إيران، مع الحفاظ على التعاون الامني والتقني والتنسيق السياسي ضمن حدود محسوبة.
ختاما،
لا يعكس الموقف الروسي من الحرب على إيران تراجعا في الشراكة بين البلدين بقدر ما يكشف حدودها الواقعية في سياق دولي وإقليمي معقد. فقد جمعت روسيا بين إدانة سياسية حادة للضربات العسكرية وسلوك حذر يتجنب الانخراط العسكري. ويرتبط ذلك بقيود الحرب في اوكرانيا، وتعقيدات توازنات الشرق الاوسط، وحسابات العلاقة مع الولايات المتحدة؛ ما دفع موسكو إلى تفضيل إدارة الازمة دبلوماسيا بدل التورط في مواجهة عسكرية اوسع.
*باحث سياسي متخصص في الشؤون الآسيوية والروسية