*عماد أحمد
*ترجمة: نرمين عثمان محمد/ عن صحيفة كوردستاني نوى
في تاريخ الشعوب، هناك لحظات تضطر فيها الأمم إلى الوقوف أمام بوابة معرفة الذات وتقييمها، ليس من أجل إحراق الماضي، بل من أجل بناء المستقبل، واليوم يقف كوردستان أيضا أمام واحدة من تلك اللحظات، لحظة لا ينبغي أن يتحول فيها النقد إلى سلاح للتمرد، كما لا ينبغي للسلطة، خوفا من النقد، أن تغلق أذنيها عن صوت المجتمع.
في المقالتين السابقتين تحدثنا عن أن النقد، إذا انطلق من الضمير والمسؤولية، يمكن أن يكون مصباحا هاديا. أما سؤال اليوم فهو: ماذا بعد النقد؟
والجواب باختصار هو: معرفة الحدود الفاصلة بين الحق والواجب.
فالحرية من دون مسؤولية، سرعان ما تتحول إلى فوضى، كما أن الواجب من دون حقوق يتحول إلى قمع. والمجتمع السليم هو ذلك المجتمع الذي يستطيع فيه المواطنون أن يتحدثوا وينتقدوا ويطرحوا الأسئلة، لكن في الوقت نفسه يجب أن ندرك أن الوطن هو الخط الأحمر للجميع، وهناك تتحول اختلافات الرأي إلى ثروة، لا إلى خطر.
يقول الحكماء:(الحرية ليست أن تفعل كل ما تشاء، بل أن تكون قادرا على اتخاذ القرار بعقل).
ولهذه المقولة معنى عميق في واقعنا، لأن كوردستان تحتاج إلى تنافس سياسي، لكن ليس على أساس الشخصنة وتبادل الاتهامات، بل على أساس البرامج والرؤى ونماذج الحكم والإدارة.
لا أعلم إن كان ذلك في الخيال أم في الواقع، لكنني أرى هذا الحوار:
• (ما الذي يمكن أن تفعله كل هذه المشاحنات والانتقادات؟ نحن بحاجة إلى القوة لا إلى الكلام.)
• (القوة التي لا تستند إلى العقل، تتحول سريعا إلى قصرٍ مشيّدِ فوق الرمل).
• (الناس فقدوا الثقة، والشباب يهاجرون، ولا شيء يتغير).
• (الأمم لم تُبنَ بتمهيد الطرق، بل بإرادة شق الطريق وسط الضباب) .
هذا الحوار ليس مجرد حديث بين بضعة أشخاص، بل هو صورة لما يدور في أعماق مجتمعنا،اليوم تمر المنطقة بتحولات كبرى، من الحروب والصراعات الداخلية إلى التشكلات الجديدة للتوازنات الدولية، وفي خضم هذا التعقيد، إذا لم يتمكن كوردستان من ترتيب بيته الداخلي، فإن المخاطر ستزداد، إن فقدان الناس للثقة، ولا سيما هجرة الشباب، يشكل جرس إنذار،لأن الشاب حين يفقد الأمل ويرفع يده عن تراب وطنه، فإن ذلك لا يعني هجرة فرد فحسب، بل هجرة جزء من مستقبلنا.
وهنا يبرز دور الاتحاد الوطني الكوردستاني وجميع القوى الوطنية، فالاتحاد الوطني الكوردستاني ، بوصفه قوة لعبت دورا في إشعال الثورة في تاريخ كوردستان الحديث، وأسهمت في تأسيس الإقليم ومؤسساته، تقع على عاتقه مسؤولية تاريخية في فتح طرق الحوار، وقبول الرأي المختلف، وتعزيز التعاون بين الإقليم والحكومة المركزية من أجل حل المشكلات، لأن نجاح الفيدرالية في العراق ليس مجرد نجاح قانوني، بل هو نجاح للشراكة والثقة المتبادلة.
وكان الرئيس مام جلال يقول:(السياسة هي فن إيجاد الطريق المشترك)، وهذا القول يحمل اليوم معنى أكبر من أي وقت مضى.
وكما يقول الشعراء:(ذلك القلب الذي لا يعشق الوحدة، لن ينجو من الانكسار).
ويمكن تلخيص المقالات الثلاث كلها في هذه الفكرة:
إن النقد، إذا اقترن بالمسؤولية والتعددية والإرادة الوطنية، يمكن أن يتحول من صرخة احتجاج إلى خريطة خلاص،إن كوردستان اليوم لا تحتاج إلى قلم متطرف، بل إلى ضمير قوي، لا تحتاج إلى صوت مرتفع، بل إلى عقل متأمل وفهم عميق.
هناالوطن يشبه الشجرة، لا تكبر ولا تثمر في يوم واحد، بل تنمو بالصبر، وبماء الثقة، وعلى تربة الشراكة والتعايش،وإذا استطعنا أن نحول اختلافاتنا إلى أساس للقوة، لا سببا للانقسام، فإن المستقبل ما زال بين أيدينا، وستصبح نهاية الطريق بداية للفخر والكرامة لنا ولأمتنا.