×


  بحوث و دراسات

  التحالف الديموقراطي الاجتماعي في العالم العربي بين الصراعات الداخلية والتحديات الاقليمية



*نوزاد المهندس

 

  تأسس المنتدى الديموقراطي الاجتماعي في العالم العربي، الذي سُمي لاحقا تحالف الديموقراطي الاجتماعي في العالم العربي، عام ٢٠١٢ بمبادرة من عدة أحزاب، منها حزب فتح الفلسطيني، والحزب الاشتراكي اليمني، والحزب الاشتراكي التقدمي اللبناني، والاتحاد الوطني الكردستانى ،بالإضافة إلى أحزاب أخرى من مصر والمغرب وتونس.

   ومنذ تأسيسه، انخرط التحالف في عدد من الصراعات الداخلية التي أعاقت و جمدت عمله، لا سيما بعد مؤتمر السليمانية الذي استضافه الاتحاد الوطني الكردستاني في الفترة من ٢٧ إلى ٣٠ أغسطس/آب 2025. وتعود هذه الصراعات إلى اختلاف المصالح بين((الوضع الوطني)) و((مصالح الأحزاب)).

 من اجل التغلب على هذا الجمود وإحياء الأهداف، يمكن اعتبار الخطوات التالية حلا :

 

 التمييز بين المبادئ العامة والمشاكل الداخلية

   يجب على التحالف العمل على أساس "أرضية مشتركة واسعة" (مثل العدالة الاجتماعية، ومعالجة البطالة، والديمقراطية) وتجنب التدخل في الصراعات الحزبية الداخلية التافهة أو النزاعات الحدودية بين الدول الأعضاء. يجب إعطاء الأولوية "للمصالح الإقليمية" على "المصالح الحزبية".

 

 إنشاء أمانة عامة مستقلة وفعّالة

   تكمن إحدى المشكلات في أن معظم هذه التحالفات لا تجتمع إلا خلال اجتماعات موسمية. ويكمن الحل في تشكيل لجنة تنفيذية تضم ممثلين عن الشباب وخبراء تكنوقراط من الأحزاب، وليس فقط قادة الأحزاب، لضمان استمرار العمل بشكل يومي ومتواصل.

 

  تحويل الخطاب إلى "مشروع اقتصادي" بدلا من مجرد خطاب سياسي

   يزداد تعطش شعوب المناطق العربية للإصلاح الاقتصادي. إذا استطاع هذا التحالف وضع "خارطة طريق اقتصادية اشتراكية" للمنطقة (مثل مشروع للتأمين ضد البطالة أو توحيد حقوق العمال المهاجرين)، فسيكون له موقف شعبي قوي يُلزم الأحزاب بالالتزام به.

 

 تفعيل دور منظمات المجتمع المدني

   غالبا ما يؤدي الاعتماد كليا على "القادة السياسيين" إلى طريق مسدود. ينبغي للتحالف إقامة روابط مباشرة مع النقابات العمالية، واتحادات الطلاب، والمنظمات النسائية. سيمنع هذا الضغط الشعبي صراع القيادة من تعطيل الائتلاف.

 إنشاء "مركز أبحاث مشترك بدلا من الاجتماعات السياسية، ينبغي إنشاء مركز فكري يُعنى بدراسة القضايا المشتركة كالفقر والفساد والبيئة. عندما تكون الحلول علمية، تقل احتمالية نشوب صراعات عاطفية وسياسية.

الاستفادة من تجربة الأحزاب الاشتراكية الأوروبية (PES):

     تمكن الأوروبيون من تجاوز الخلافات بين الأحزاب الألمانية والفرنسية والإسبانية من خلال البرلمان الأوروبي والفصائل المشتركة. يمكن لهذا التحالف العربي استخدام النموذج نفسه لإنشاء ما يشبه "برلمانا موازيا" تُتخذ فيه القرارات بالتوافق أو بالأغلبية.

   إذا تجنبت الأحزاب الأعضاء في التحالف روح الصراع والأنانية الداخلية، فسيتحقق العديد من الفوائد والإنجازات الهامة على المدى الطويل، على المستويين المحلي والإقليمي. فيما يلي أهم فوائد هذا التحالف:

 

*تعزيز الهوية السياسية والخطاب المشترك :

   يساعد هذا التحالف على صياغة خطاب سياسي موحد يُركز على "العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان والديمقراطية". وهذا يُعطي هذه الأحزاب موقفا أقوى في مواجهة الحركات السياسية الأخرى (مثل الحركات المحافظة أو الليبرالية).

 

*تبادل الخبرات والمعارف :

    يمكن للأحزاب الديموقراطية الاجتماعية في مختلف البلدان الاستفادة من خبرات بعضها البعض في المجالات التالية:

* كيفية إدارة الحملات الانتخابية.

* صياغة مشاريع القوانين المتعلقة بحقوق العمال والتأمين الصحي.

* كيفية التعامل مع الأزمات الاقتصادية من منظور ديمقراطي أجتماعي.

 الضغط والتأثير الدولي

    عندما تتحد مجموعة من الأحزاب في تحالف، يُصبح صوتها مسموعا بشكل أكبر في المحافل الدولية، مثل الأممية الاشتراكية. وهذا سيؤدي إلى:

* كسب الدعم الدولي للقضايا المحلية.

* الضغط على الحكومات لتنفيذ إصلاحات ديمقراطية.

 

*تطوير مشاريع اقتصادية واجتماعية إقليمية

يمكن للتحالف أن يكون منصة لاقتراح مشاريع مشتركة تخدم الفقراء والطبقات المتوسطة في المنطقة، مثل:

* تشجيع الأعمال التجارية التي تحمي حقوق العمال.

* إيجاد حلول مشتركة لمشكلة البطالة بين الدول العربية.

 

مكافحة التطرف :

يمكن للديمقراطية الاجتماعية، كخيار ثالث، أن تُشكّل بديلا قويا للتطرف السياسي والديني. فمن خلال

التركيز على التنمية البشرية والمساواة، تستطيع هذه التحالفات تهيئة بيئة تُقلّل من التطرف.

 

  دمج المواقف الوطنية والدولية :

    في القضايا الحاسمة في المنطقة، يُسهم وجود كتلة سياسية ديمقراطية اجتماعية في جعل المواقف أكثر دقة وفعالية، لا تقتصر على الشعارات العاطفية فحسب، بل تستند أيضا إلى استراتيجيات سياسية واقتصادية.  

   باختصار، تكمن الميزة الرئيسية لهذا التحالف في تعزيز "القوة الناعمة" لهذه الأحزاب، وتحويلها من قوة مهمشة إلى قوة مؤثرة قادرة على إحداث تغييرات حقيقية في الأنظمة السياسية والاقتصادية لبلدانها.

    و هنا يُثار التساؤل: هل سيُحقق هذا التحالف، بكل ما فيه من صراعات وتحديات، أي فوائد سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية لبقاء  الاعضاء و خاصة الاتحاد الوطني الكردستاني كعضو مؤسس رئيسي في التحالف، أم العكس؟

     بطبيعة الحال، يستفيد الاتحاد الوطني الكردستاني، بوصفه عضوا فاعلا في الأممية الاشتراكية، وعضوا رئيسيا في التحالف  التقدمي العالمي ، وأحد مؤسسي التحالف الديمقراطي الاجتماعي في العالم العربي، استفادة كبيرة من هذا البقاء. ويمكن تلخيص هذه الفوائد في النقاط الرئيسية التالية:

 

*الاعتراف الدولي والشرعية السياسية

 إن بقاء الاتحاد الوطني الكردستاني ضمن هذه التحالفات يمنحه هوية عالمية و"ديموقراطية اجتماعية". وهذا ما يجعله يُنظر إليه من قِبل الدول الغربية والمنظمات الدولية كحزب ذي برنامج مدني وتقدمي، وليس مجرد قوة محلية أو إقليمية.

 

 ممارسة الضغط السياسي في بغداد:

 نظرا لنفوذ معظم الأحزاب الأعضاء في التحالف في بلدانها وعلى المستوى العربي، يستطيع الاتحاد الوطني الكردستاني استغلال هذه العلاقات من أجل:

*نقل مطالب إقليم كردستان إلى الدول العربية بلغة سياسية مشتركة.

* بناء نوع من الضغط مع الأحزاب العراقية التي تتبنى هذه الفكرة، لحل القضايا العالقة بين أربيل وبغداد. •  تبادل الخبرات في مجال الحوكمة والإصلاح

    بصفته حزبا مشاركا في حكومة إقليم كردستان وبغداد، يمكن للاتحاد الوطني الكردستاني الاستفادة من تجارب الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية، مثل تونس والمغرب، في المجالات التالية:

* صياغة قوانين العمل والتأمينات الاجتماعية.

* تعزيز دور المرأة والشباب في مراكز صنع القرار.

* كيفية التعامل مع نظام اقتصاد السوق مع حماية حقوق الفقراء.

 

 كسر الحصار السياسي والدبلوماسي

    تشهد المنطقة تغيرات مستمرة وصراعات. ويُشكل وجود الاتحاد الوطني الكردستاني ضمن تحالف يضم 20 حزبا مظلة واقية. ففي أوقات الأزمات الداخلية أو الإقليمية، يمكنه استخدام هذه المنصة لشرح مواقفه وكسب الدعم السياسي.

 

 توازن القوى في إقليم كردستان :

    في خضم الصراع السياسي الداخلي في المنطقة، يُعزز تصوير الاتحاد الوطني الكردستاني كحزب ذي علاقة "استراتيجية وفكرية" مع العالم الخارجي والبيئة العربية من معنوياته، ويُرسخ مكانته كلاعب رئيسي في الدبلوماسية.

    لذلك، بالنسبة لحزب مثل الاتحاد الوطني الكردستاني، فإن البقاء في هذا التحالف ليس مجرد "بروتوكول"، بل هو أيضا "ضرورة دبلوماسية" من أجل تجاوز الدائرة المحلية وإحداث تأثير على المستوى الإقليمي.

لكن عندما ننظر إلي عمل وخطاب التحالف، وإلى الصراعات العلنية والخفية بين أعضائه، نشك في قدرة هذا التحالف علي تحقيق جميع أهدافه ومهامه.لذا، نتساءل: هل استطاع الاتحاد الوطني الكردستاني توظيف هذه العلاقات عمليا لحل المشاكل الداخلية للمنطقة و خاصة اقليم كردستان؟

    من الواضح أن هناك فرقا شاسعا بين "الدبلوماسية على الورق" و"الواقع السياسي". ويمكن تلخيص أسباب هذا الإخفاق في النقاط التالية:

 

 هيمنة الصراع الداخلي:

    أدت المشاكل السياسية والمالية الداخلية لاقليم كردستان، والعلاقات المعقدة بين الأحزاب الاعضاء في التحالف، إلى تركيزها على "البقاء" و"التنافس الداخلي" بدلا من توظيف العلاقات الدولية لإجراء إصلاحات جوهرية.

  • ضعف مؤسسات التحالف: كما ذكرنا سابقا، عندما يكون التحالف نفسه في صراع بين الأحزاب العربية، فإنه لا يستطيع أن يكون سندا قويا لأعضائه، بما في ذلك الاتحاد الوطني الكردستاني.
  • غياب التوافق في اقليم كردستان: لكي تكون العلاقات الخارجية فعّالة، يجب استخدامها كورقة ضغط. وعندما يغيب التوافق الداخلي، لا تأخذ الأطراف الخارجية هذه العلاقات على محمل الجد.

    هذا يدل على أن "العضوية" وحدها لا تكفي، بل يجب تحويل هذه العلاقات من مجرد شعارات إلى "مشاريع مشتركة" تؤثر في حياة المواطنين.

   وهنا أيضا، تنشأ شكوك حول قدرة الاتحاد الوطني الكردستاني على الاستفادة كحزب سياسي كردي داخل التحالف بسبب المشاكل الداخلية داخل التحالف، أو بسبب "ضعف الخطاب الديمقراطي الاجتماعي" في المنطقة؟

    من الواضح أن الخطاب الديموقراطي الاجتماعي في الشرق الأوسط والعالم العربي يواجه، عمليا، "أزمة هوية". لهذا الضعف في الخطاب عدة أبعاد رئيسية جعلت هذا التحالف اسمية فقط:

 

 الصراع بين "الخبز" و"الديمقراطية"

    في منطقة تعاني من أزمة اقتصادية وفقر، غالبا ما يبدو الخطاب الديموقراطي الاجتماعي خطابا "نخبويا "  .يميل الناس إلى البحث عن حلول سريعة لتأمين معيشتهم، بينما تتطلب الديمقراطية الاجتماعية مؤسسات قوية واستقرارا سياسيا غير متوفرين في معظم هذه البلدان.

 

 هيمنة الخطاب الشعبوي والديني

    دائما ما يقع الخطاب الديموقراطي الاجتماعي بين خيارين:

  1. الحركات الإسلامية: التي تحظى بشعبية واسعة من خلال الشعارات الدينية والأعمال الخيرية.
  2. الأنظمة الاستبدادية: باسم القومية والأمن، تعيق هذه الأنظمة تطور أي حوار مدني وديمقراطي. وقد حال هذا دون أن تصبح الديمقراطية الاجتماعية "طريقا ثالثا" حقيقيا.

 

سوء فهم "الاشتراكية" في تاريخ المنطقة

   غالبا ما اختلطت الاشتراكية بالأنظمة الديكتاتورية  في المنطقة .وقد دفعت هذه الخلفية التاريخية الجيل الجديد إلى النظر بعين الريبة إلى أي خطاب يحمل لاحقة "اجتماعي" أو "اشتراكي"، على الرغم من أن النموذج الجديد (الديمقراطية الاجتماعية) يؤكد أيضا على الحرية الفردية والسوق الحرة.

 

 غياب "حزام نقابي" قوي

    بُنيت الديمقراطية الاجتماعية في أوروبا على أكتاف النقابات العمالية ومنظمات المجتمع المدني. أما في بلداننا، فالنقابات إما ضعيفة أو متخلفة عن الأحزاب الحاكمة. وبدون هذه القوة الجماهيرية، سيبقى الحوار حبيس أروقة وبين القادة، ولن ينتشر إلى الشوارع.

 

بخصوص الاتحاد الوطني الكردستاني والأحزاب المماثلة:

    عندما يضعف الخطاب على المستوى الإقليمي، تُضطر هذه الأحزاب إلى اللجوء إلى "مصالح قبلية أو إقليمية أو عرقية ضيقة" لتجنب فقدان شعبيتها. وهذا يجعل "الهوية الديمقراطية الاجتماعية" مجرد ستار للمناسبات الدولية، لا برنامج عمل داخلي.

    وأخيرا، تكمن المشكلة الرئيسية في ضعف عمل التحالف وخطابه وعدم فعاليته في غياب "آلية تنفيذ" فما دام التحالف مجرد "نادي حوار"، ستتفاقم الصراعات الداخلية. ويكمن الحل في "إضفاء الطابع المؤسسي" على الصراعات ونقلها إلى مشاريع وعمل ميداني.من خلال وجود لائحة او نظام داخلي فعال للتحالف وهيكلية تنظيمية منسجمة مع الواقع و تحديد الصلاحيات و مهام و اختصاصات بشكل واضح و صريح لكل هيئات واللجان  الفنية و الاتحادات النوعية او مهنية. علي النقيض من ذلك، إذا لم تُتخذ هذه الإجراءات، فقد يتجه مستقبل هذا التحالف نحو حلّ أعضائه.سيؤدي ذلك إلي إنهاء نضال جميع الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية في المنطقة، وقد تستعيد الأحزاب الليبرالية والمحافظة والديكتاتورية السلطة، مما قد يدفع المنطقة نحو مزيد من الحرب والصراعات المتطرفة.


14/05/2026