*مايكل هيرش
مجلة "فورين بوليسي" الامريكية/الترجمة والتحرير:المرصد
بملامح يطبعها عبوس دائم، يبرز محسن رضائي اليوم واحدا من أبرز الوجوه المتشددة الصاعدة داخل النظام الإيراني. شغل رضائي سابقا منصبا قياديا في "الحرس الثوري"، وعمل مستشارا عسكريا لآية الله علي خامنئي، الزعيم الأعلى الذي اغتيل. ويؤدي رضائي اليوم الدور نفسه إلى جانب مجتبى خامنئي، نجل خامنئي وخليفته. وفي الأيام الأخيرة، أُفيد بأن رضائي لمح إلى أن سياسة إيران القائمة على "الصبر الاستراتيجي" وصلت إلى نهايتها، وأن طهران لن تنحني أبدا أمام الرئيس الامريكي دونالد ترمب.
لكن رضائي، شأنه شأن عدد من كبار المسؤولين الإيرانيين، سبق أن لمح إلى إمكانية بلوغ تسوية مع واشنطن، بل دافع عنها علنا. فقبل نحو عقدين، وخلال رحلة صحافية إلى إيران عام 2007، تلقيت دعوة غير متوقعة منه للقائه في فيلته الصيفية المطلة على بحر قزوين، على مسافة تقارب 240 كيلومترا شمال طهران.
لم يكن كثير الابتسام آنذاك أيضا. غير أن ما تكشف لاحقا هو أن رضائي والنظام كانا يبحثان عن مخرج يحفظ ماء الوجه من المواجهة النووية مع واشنطن، التي كانت في عهد الرئيس محمود أحمدي نجاد على قدر من التوتر يكاد يوازي ما هي عليه اليوم. وبعدما قدم لي الشاي والفاكهة في حديقته، أوحى رضائي بأن الجمهورية الإسلامية تتطلع إلى صيغة ما من الاتفاق، قائلا لي: "إذا اتبعت امريكا نهجا مختلفا بدلا من المواجهة مع إيران، فسوف تتغير تعاملاتنا بشكل جذري".
ولت تلك الأيام، بطبيعة الحال، وربما ولت بلا رجعة. فاليوم، يبدو أن رضائي ورفاقه يلمحون إلى أن إيران باتت مهيأة لخوض صراع مفتوح وطويل الأمد مع الولايات المتحدة. في المقابل، بدا موقف إدارة ترمب متذبذبا في تصريحاتها بشأن طبيعة الاتفاق الذي يمكن أن تقبل به. وفي 11 مايو/أيار، قال الرئيس إن وقف إطلاق النار المستمر منذ شهر، والذي أُعلن عنه في أوائل أبريل/نيسان، أصبح الآن "على جهاز إنعاش هائل".
ازداد المشهد وضوحا خلال عطلة نهاية الأسبوع. فبعد أيام من الترويج لاتفاق بدا وشيكا مع إيران، وجد ترمب نفسه في موقف محرج بعدما تلكأت طهران في إرسال ردها، ثم تقدمت بعرض وصفه الرئيس بأنه "غير مقبول إطلاقا". وبحسب هيئة الإذاعة والتلفزيون في جمهورية إيران الإسلامية، تتمسك طهران بأن ترفع الولايات المتحدة حصارها على الشحن الإيراني، وأن تبادر فورا إلى رفع العقوبات، ودفع تعويضات، والإفراج عن الأصول المجمدة، والاعتراف بالسيادة الإيرانية على مضيق هرمز الحيوي.
ويعكس الموقف الإيراني، الذي لا يبدو أنه يطرح سوى تنازلات محدودة في الملف الأكثر حساسية، أي برنامج طهران للأسلحة النووية، ذلك النهج المتشدد الذي عبر عنه رضائي ومسؤولون كبار آخرون خلال الأيام الأخيرة.
ويرى كثير من الخبراء الإيرانيين أن النظام، بعد أكثر من شهرين من الهجمات الامريكية الإسرائيلية المدمرة، بات أكثر تماسكا وتشددا من أي وقت مضى. والأرجح أنه سيظل على هذا النهج، وخصوصا بعدما اكتشف ورقة ضغط قوية لم يسبق أن استخدمها، تتمثل في إغلاق طهران لمضيق هرمز، بما يرفع أسعار الطاقة عالميا، ويشعل ارتدادا سياسيا ضد ترمب في الداخل، ويساهم في زعزعة الاقتصاد العالمي. وفي ظل اقتصاد إيراني يرزح تحت تضخم مفرط، ويتدهور بوتيرة غير مسبوقة تحت وطأة الحصار الامريكي، يسود اعتقاد واسع بأن الجمهورية الإسلامية قادرة على الصمود أطول من قدرة ترمب على الانتظار، حتى لو استأنف الأعمال القتالية.
وقال جون غازفينيان، مؤلف كتاب "امريكا وإيران: التاريخ من 1720 إلى الحاضر" الصادر عام 2021: "يبدو أن معظم أوراق القوة باتت في يد إيران في الوقت الراهن. فبعد سنوات من الانتكاسات العسكرية والداخلية، منح ترمب النظام، من نواح كثيرة، طوق نجاة".
ويمكن أن تكون الحرب التي أشعلها ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عززت، في الواقع، موقع النظام على المستويين الدولي والداخلي، ولو في الوقت الراهن على الأقل. ففي الداخل، قمع "الحرس الثوري" أي صوت معارض بعنف شديد. إلى جانب ذلك، يعتقد أن الهجمات الامريكية الإسرائيلية على مدرسة في ميناب، وعلى البنية التحتية الإيرانية والمراكز السكانية، أثارت غضب كثير من المعارضين الإيرانيين أنفسهم. ومن خلال إحكام السيطرة على مضيق هرمز، وضعت الجمهورية الإسلامية نفسها فجأة في صميم الجغرافيا السياسية العالمية.
وقال حسين بناي من جامعة إنديانا، وهو أحد مؤلفي تقرير صدر عام 2022 عن العلاقات بين إيران والغرب بعنوان "جمهوريات الأسطورة: السرديات الوطنية والصراع الامريكي-الإيراني": "سبق أن وجدت إيران نفسها في أوضاع أشد سوءا، داخليا ودوليا، في ظل حالة الجمود التي امتدت من عهد الرئيس الامريكي رونالد ريغان إلى عهد باراك أوباما. لكن ترمب غيّر ميزان هذه المعادلة لمصلحة إيران في لحظة الجمود الراهنة".
وقال أيضا: "بما أن الغالبية الساحقة حول العالم ترى أن هذه الحرب خيار سيئ اتخذ من دون إعداد كاف، يراهن النظام في طهران على أن كلفتها الاقتصادية لن تكون أشد وطأة عليه مما يعانيه أصلا".
ولا يبدو أن هناك ما يشير أيضا إلى تفكك في القيادة داخل طهران، كما كان ترمب وفريقه يرددون، رغم مقتل خامنئي وعدد كبير من كبار المسؤولين. وفي الرد الذي نشره على منصة تروث سوشيال في 10 مايو/أيار، وصف ترمب النظام الذي ما يزال قائما بأنه "ما يسمى بممثلي إيران".
وقال رايان كروكر، السفير الامريكي السابق في المنطقة، والذي أشرف على عدة مفاوضات مع إيران بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول ويعرف معظم اللاعبين الحاليين: "بحسب ما أعرف، تبدو القيادة الحالية متماسكة، ويجمع بين أفرادها انتماء مشترك إلى خلفية الحرس الثوري". وأضاف: "إنهم رجال شديدو الصلابة، وجميعهم أيضا من قدامى محاربي الحرب الإيرانية العراقية. ومن السذاجة الاعتقاد أن القصف قد يدفعهم إلى الاستسلام".
وقال غازفينيان إن أكثر ما ينبغي أن تخشاه واشنطن والمجتمع الدولي في هذه المرحلة هو "الثقة المفرطة" التي قد يستند إليها النظام الإيراني.
وأضاف: "هذا ميل واضح لدى العناصر الإيرانية المتشددة، التي تؤمن إيمانا عميقا بأيديولوجيا الثورة في الجمهورية الإسلامية. ويبدو أن هذه العناصر باتت اليوم الأكثر نفوذا". وتابع قائلا إن أكثر قادة الجمهورية الإسلامية تشددا درجوا تاريخيا على المبالغة في تقدير قوتهم، وإلى التمسك "بمطالب قصوى".
لكن الصورة لم تكن دائما على هذا النحو. فعلى مدى عقود، غضت واشنطن الطرف عن أكثر من عرض للتقارب قدمه معتدلون داخل إيران. أما أنجح تلك المحاولات، أي الاتفاق النووي الذي أبرمه باراك أوباما عام 2015، فقد أطاح به ترمب في ولايته الأولى. ومنذ عرض التقارب الذي قدم بعد فترة وجيزة من هجمات 11 سبتمبر، شعر الإصلاحيون داخل الجمهورية الإسلامية مرارا بأن واشنطن تقطع الطريق على مساعيهم. ففي تلك المرحلة، تعاون النظام بفاعلية مع الحملة الامريكية ضد طالبان، قبل أن يدرجه الرئيس جورج دبليو بوش لاحقا ضمن "محور الشر".
وكانت حصيلة هذه الدينامية تهميش المعتدلين، وترسيخ الشكوك العميقة لدى المتشددين، وفي مقدمتهم "المرشد الأعلى" نفسه. وفي هذا السياق قال بناي: "كانت تلك الفرصة المهدرة كارثة أكبر على المدى الطويل، لأنها أبعدت خامنئي عن مسار التطبيع".
أما غازفينيان فكتب: "كلما حاول الإصلاحيون فتح باب التواصل، كان الرد الامريكي هو تلقف التنازل، ثم زيادة العداء، ثم تغيير قواعد اللعبة". وأضاف أن القادة الإيرانيين باتوا اليوم مقتنعين، أكثر من أي وقت مضى، بأن الملف النووي لم يكن سوى ذريعة، وأن الهدف الحقيقي للولايات المتحدة هو إضعاف الجمهورية الإسلامية وعزلها، وربما القضاء عليها إن أمكن.
وعندما التقيت رضائي في يونيو/حزيران 2007، كان برنامج إيران لتخصيب اليورانيوم لا يزال أقل تقدما بكثير مما هو عليه اليوم. وكان محمد البرادعي، الذي رأس الوكالة الدولية للطاقة الذرية آنذاك، طرح فكرة "وقت مستقطع" أو توقف متبادل، تقوم على تجميد تطوير البرنامج النووي الإيراني، في مقابل تعليق الضغوط الاقتصادية التي كانت واشنطن تمارسها في الوقت نفسه.
وأبدى رضائي تأييدا حذرا للخطة، قائلا: "لا بد من حل القضية النووية الإيرانية عبر نوع جديد من الحلول كهذا".
وكان ذلك مؤشرا مبكرا إلى وجود هامش للتسوية، تنبأ بشكل أو بآخر بما أصبح لاحقا اتفاق أوباما عام 2015. فبموجب ذلك الاتفاق، وافقت إيران على تقييد التخصيب بدرجة كبيرة لمدة 15 عاما، ونقل معظم اليورانيوم عالي التخصيب إلى خارج البلاد، وتفكيك معظم أجهزة الطرد المركزي، وإخضاع منشآتها لرقابة غير مسبوقة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
فما الذي يعنيه ذلك بالنسبة إلى آفاق مفاوضات ترمب اليوم؟
يمكن أن يبقى التوصل إلى اتفاق ما أمرا ممكنا، لكنه سيتطلب من ترمب قدرا أكبر من المرونة، وقبولا بشروط تقترب كثيرا مما حققه أوباما. غير أن الإدارة لم تقدم حتى الآن تصورا واضحا لما يمكن أن تقبل به. فقد أفيد بأن فريق ترمب التفاوضي اقترح تجميدا مؤقتا للتخصيب لمدة 20 عاما، بينما أصر الرئيس نفسه على أن تتخلى طهران بالكامل عن برنامجها النووي.
وفوق ذلك، ظل ترمب ونتنياهو، على مدى الشهرين ونصف الشهر الماضيين، يدعوان إلى إسقاط النظام. ويبدو أن هذه الدعوات، إلى جانب الحرب نفسها، أطاحت بما تبقى داخل إيران من أمل في أن تكتفي واشنطن، وخصوصا في عهد ترمب، بما هو أدنى بكثير من المطلب السابق للرئيس، وهو "الاستسلام غير المشروط".
وأشار عدد من خبراء الشأن الإيراني الذين تحدثت إليهم من أجل هذا المقال إلى أن القيادة الحالية في طهران، حتى بصورتها الراهنة، "يمكن أن تكون برغماتية وغير أيديولوجية" في بعض الملفات، كما قال كروكر. أما غازفينيان فقد قال: "لن يطول الوقت قبل أن يبدأ صبر الحكومات الأوروبية وغيرها بالنفاد حيال إيران، بفعل التداعيات السلبية على أسواق النفط. ومع ذلك كله، ربما لا تزال إيران تراهن على قدرتها على الصمود حتى رحيل ترمب، والأرجح أنها قادرة على ذلك".
وكانت محادثاتي السابقة مع متشددين وإصلاحيين داخل إيران تشير إلى أن طهران، حتى في عهد أحمدي نجاد المتشدد، ربما كانت مستعدة للتوقف عند حد امتلاك القدرة النووية من دون المضي إلى تصنيع قنبلة، لتصبح بدلا من ذلك "دولة على العتبة النووية" على غرار اليابان.
وفي حديثه معي، قال محمد حسين عادلي، السفير الإيراني السابق لدى بريطانيا، إن إيران "تريد امتلاك التكنولوجيا، وهذا وحده يكفي للردع".
لكن رضائي عبر آنذاك، كما يفعل اليوم، عن الشكوك التي تساور كثيرا من المتشددين الإيرانيين، ومفادها أن جوهر المشكلة يكمن في عجز واشنطن عن إقناع نفسها بإمكان التفاوض على تسوية مع إيران.
إنه "توتر" ظل يسري في السياسة الخارجية الامريكية على مدى ما يقرب من نصف قرن، كما كتب فريد زكريا، كاتب العمود في "واشنطن بوست"، الأسبوع الماضي. وأضاف: "من جهة، لدى الولايات المتحدة ملفات محددة تريد حلها، من عودة الرهائن إلى فرض القيود النووية. ومن جهة أخرى، تريد إسقاط النظام، لا مجرد التفاوض معه".
وبعد مغادرته المنصب، عبر وزير الخارجية الامريكي الأسبق كولن باول هو الآخر عن إحباطه من زملائه المتشددين السابقين في إدارة جورج دبليو بوش، الذين لم يكونوا مستعدين للنظر في أي خيار سوى استسلام طهران غير المشروط بشأن برنامجها النووي وموقعها الاستراتيجي.
وفي مقابلة أجريتها معه قبل وفاته عام 2021، قال لي باول: "لا يمكنك أن تتفاوض وأنت تطلب من الطرف الآخر، قبل بدء المفاوضات، أن يمنحك ما يفترض أن تفضي إليه في نهايتها".
ولا شك أن رضائي كان دائما من المتشددين. ففي ثمانينات القرن الماضي، كان من أبرز الرافضين لإبرام هدنة مع عراق صدام حسين. ومن الواضح أنه، شأنه شأن متشددين آخرين داخل النظام، بحث في مرحلة ما عن مخرج من الحرب مع الولايات المتحدة. وكما قال لي رضائي عام 2007، كانت واشنطن "عالقة عند مفترق طرق" بين المواجهة والانخراط، و"غير قادرة على حسم خيارها".
وأضاف: "لدينا مثل فارسي يقول إن الطفل حين يمشي في الظلام، يبدأ بالغناء أو يرفع صوته لأنه يخشى الظلام. والامريكيون يخشون التفاوض مع إيران، لذلك يثيرون كثيرا من الضجيج".
ويمكن القول إن الولايات المتحدة تسير من جديد في ظلام الشرق الأوسط. فبين تشدد إيران والتقلب الحاد في موقف ترمب من المفاوضات، يبدو استمرار الصراع اليوم أرجح بكثير من التوصل إلى اتفاق قابل للحياة.
*مايكل هيرش فهو كاتب عمود في المجلة، ومؤلف كتابين هما:«الجريمة الكبرى: كيف سلم حكماء واشنطن مستقبل امريكا إلى وول ستريت» و«في حرب مع أنفسنا: لماذا تبدد امريكا فرصتها لبناء عالم أفضل».