الاستقرار في سوريا..بين الدبلوماسية والهمجية
الاستقرار والسلم الاهلي والتعايش والاخوة والوئام بين مكونات بلد متعدد القوميات ليست شعارات اخلاقية، بل ركائز تأسيسية لصقل دولة قوية ومستقرة وامنة، فالدولة لا تبنى بتغليب السلاح على السياسة، ولا بفرض الغلبة القومية او المذهبية، بل بصناعة عقد وطني يشعر فيه الجميع انهم شركاء لا ضحايا.
ومن هنا يبرز السؤال الجوهري:ايهما يضمن الامن والاستقرار والتعايش الحقيقي بين مكونات المجتمع؟جولة حرب عسكري همجي، ام نصر سياسي دبلوماسي مسؤول، مصقول بالحوار والتفاهم وتبادل التنازلات؟
ما يجري اليوم في سوريا يقدم نموذجا بالغ الحساسية، فالتغيرات الاخيرة في المعادلات والتوازنات اسهمت في تحقيق نصر عسكري لصالح حكومة الشرع. غير ان السؤال الاخطر لا يتعلق بتحقيق النصر، بل بطبيعته وتداعياته:هل هذا النصر العسكري كفيل بتثبيت الاستقرار؟ ام انه يؤسس لدورة جديدة من الصراع المؤجل؟
لقد كانت مناطق الادارة الذاتية، رغم كل الملاحظات عليها، من اكثر المناطق هدوءا واستقرارا في سوريا خلال سنوات الفوضى. وكان من المنطقي، بل من الحكمة السياسية، العمل على حماية هذا الاستقرار وديمومته، والانطلاق منه كرافعة لمد الاستقرار الى بقية الجغرافيا السورية، لا الانقضاض عليه وتفكيكه بمنطق القوة والغلبة.
ان تدمير تجربة قائمة، مهما كانت ناقصة، دون تقديم بديل وطني جامع، لا يعني استعادة السيادة، بل نقل الازمة من شكل الى اخر، فالهمجية العسكرية لا تنتج وحدة وطنية، بل تزرع جروحا عميقة في الذاكرة الجمعية، وخصوصا بين قوميتين عاشتا تاريخا طويلا من الشك والخذلان المتبادل.
التاريخ القريب يقدم دروسا قاسية، صدام حسين ارتكب ابشع الجرائم بحق الكورد، مستخدما منطق القوة والاخضاع، ولم يحصد في النهاية سوى السقوط والاعدام، وبقي الجرح مفتوحا في جسد الدولة العراقية. ونظام الاسد، بمختلف مراحله، اعتمد المقاربة ذاتها، فكانت النتيجة دولة منهكة، ومجتمع ممزق، وشرعية مهزوزة.
قد يسجل الشرع نصرا عسكريا، وقد يشعر اردوغان بالارتياح لتفكيك الادارة الذاتية ضمن ارض وسيادة سوريا، لكن السؤال المصيري يبقى:ماذا يكسب الوطن عندما يشعر مكون اساسي بانه تعرض للغدر من مكون اخر؟هل يمكن بناء دولة على احساس الخديعة والاقصاء؟وهل يمكن فرض التعايش بقوة السلاح؟
النصر الحقيقي ليس في اسكات البنادق، بل في كسب ثقة الناس وليس في كسر الخصوم، بل في تحويلهم الى شركاء، اما النصر العسكري غير المصحوب بتسوية سياسية عادلة، فغالبا ما يكون نصرا مؤقتا، يؤجل الانفجار ولا يمنعه.
سوريا اليوم لا تحتاج الى غالب ومغلوب، بل الى دولة تعترف بتعددها القومي والثقافي، وتدير خلافاتها بالحوار لا بالمدافع فالاوطان لا تنهض فوق انقاض الغدر، ولا تستقر فوق ذاكرة مثقلة بالجراح والكراهية.
|