صمام أمان العراق.. سنوات على الرحيل وسؤال الدولة
في الثالث من تشرين الأول 2017، لم يفقد العراق رئيس جمهورية سابقا فقط، بل فقد شخصية سياسية تشكلت في زمن الحروب والثورات والانقسامات، ثم استطاعت أن تنتقل من المعارضة إلى الدولة، ومن القضية الكردية إلى الرئاسة العراقية، ومن العلاقات الحزبية إلى الدبلوماسية الإقليمية والدولية.
وبعد تسع سنوات على رحيله، لا تستعيد العودة إلى تجربة مام جلال مجرد سيرة رئيس عراقي سابق، ولا تستهدف إعادة إنتاج صورة تأبينية لشخصية سياسية كبيرة، بقدر ما تطرح سؤالا يتعلق بالدولة نفسها:ماذا يفقد نظام سياسي متعدد القوميات والمذاهب والمصالح عندما يغيب رجل استطاع أن يجمع في تجربته بين الهوية الكردية والانتماء العراقي، وبين العمل الحزبي ومؤسسات الدولة، وبين العلاقات الإقليمية والدولية، وبين الخصومة السياسية والقدرة على الحوار؟
هذه الأسئلة تكتسب أهمية خاصة في الحالة العراقية، حيث لم تكن التحديات التي واجهت الدولة بعد عام 2003 ناتجة عن الخلاف السياسي وحده، وإنما عن تداخل قضايا الهوية والشراكة والسلطة والثروة والعلاقة بين المركز والإقليم، فضلا عن التدخلات الإقليمية والدولية.
وفي هذا السياق، تبدو تجربة جلال طالباني جديرة بالقراءة من زاوية الوظيفة السياسية التي أداها، لا من زاوية المناصب التي شغلها فقط.
فالأمم المتحدة، في نعيها له عام 2017، وصفته بأنه قائد سياسي وطني ورجل دولة، ورمزا للوحدة العراقية، وصوتا للاعتدال والحوار والتفاهم المتبادل بين مختلف المجتمعات العراقية. كما أشارت إلى إسهامه في الديمقراطية والحوار والتفاهم، وإلى دوره في عراق موحد وفيدرالي وديمقراطي.
ولا تعني هذه الشهادات أن تجربة طالباني كانت خالية من الأخطاء أو التناقضات أو المواقف القابلة للنقد، فقد كان سياسيا يعمل في واحدة من أكثر المراحل تعقيدا في تاريخ العراق والمنطقة، واتخذ مواقف يمكن قراءتها ونقدها من زوايا مختلفة، لكن القراءة التاريخية المتوازنة لا تتجاهل في المقابل الوظيفة التي أداها داخل النظام السياسي العراقي، ولا سيما في سنوات ما بعد 2003.
وسيط وموازن وجسر بين قوى
إن القيمة السياسية والتاريخية لمام جلال لا تختصر في المناصب التي شغلها، وإنما في الدور الذي أداه كوسيط وموازن وجسر بين قوى ومكونات ومصالح متعارضة، وفي قدرته على إبقاء قنوات الحوار مفتوحة في لحظات كان يمكن أن تتحول فيها الخلافات السياسية إلى أزمات أعمق.
وهنا نستعرض عدة محاور من المواقف المتعلقة بهذه التجربة، بما يشمل عمله في الدولة والبرلمان، وقضايا كركوك والعلاقة بين بغداد وأربيل، والدبلوماسية العراقية، والتعايش، والعلاقات الإقليمية والدولية.
المحور الأول: من الدفاع عن الحقوق الكردية إلى المشاركة في بناء الدولة
تكمن إحدى أهم سمات تجربة الرئيس مام جلال في انتقاله من موقع المعارضة والنضال من أجل الحقوق الكردية إلى موقع المشاركة المباشرة في بناء مؤسسات الدولة العراقية الجديدة، من دون أن يعني ذلك التخلي عن القضية الكردية أو عن هويته السياسية.
فبعد سقوط النظام السابق، شارك مام جلال في مؤسسات المرحلة الانتقالية، ثم أصبح رئيسا للعراق، وأسهم في صياغة المسار السياسي والدستوري الجديد.
وهنا تظهر إحدى القضايا المركزية في تجربته:هل يمكن الجمع بين تثبيت الحقوق القومية الكردية والحفاظ على وحدة العراق؟ كان جوابه السياسي والعملي، في مراحل عديدة، يقوم على صيغة العراق الاتحادي الديمقراطي، بحيث تتحول الحقوق إلى حقوق دستورية ومؤسساتية داخل الدولة، لا إلى مشروع يقوم على إلغاء الدولة أو تفكيكها.
وفي مقابلة مع صحيفة واشنطن بوست عام 2006، قال طالباني بوضوح إن العراق سيبقى موحدا وفيدراليا، مؤكدا أن الكرد، مثل السنة والشيعة، معنيون بوحدة العراق.
وتكتسب هذه الرؤية أهمية عند قراءتها في سياق ملفات شديدة التعقيد مثل كركوك والمادة 140، والعلاقة بين بغداد وإقليم كردستان، ومسألة الفيدرالية، وتوزيع الصلاحيات والثروات.
فالوثائق المتعلقة بهذه الملفات تكشف أن مام جلال لم يتعامل مع القضية الكردية باعتبارها منفصلة عن مستقبل الدولة العراقية، بل باعتبارها جزءا من إعادة بناء الدولة على أساس دستوري.
وهنا يمكن تسجيل التحول الأهم في تجربته:انتقل مام جلال من تمثيل قضية إلى المشاركة في بناء دولة تستوعب القضية.
المحور الثاني:مام جلال وفلسفة التوافق
لم تكن رئاسة الجمهورية في النظام البرلماني العراقي بعد 2003 هي مركز السلطة التنفيذية، ولذلك فإن تفسير تأثير مام جلال لا يمكن أن يستند إلى الصلاحيات الدستورية وحدها.
القوة السياسية الأبرز التي ظهرت في تجربته كانت في قدرته على استخدام موقعه وعلاقاته وشبكة اتصالاته لإدارة الخلافات وفتح قنوات التفاوض.
كان العراق في تلك المرحلة يواجه انقسامات سياسية ومجتمعية عميقة، وكان تشكيل الحكومات، وتوزيع السلطات، والعلاقة بين المكونات، والعنف الطائفي، وقضايا الأمن، والعلاقة بين بغداد وأربيل، كلها ملفات تتطلب أكثر من مجرد التصويت البرلماني.
وتظهر وثائق تلك المرحلة أن مام جلال دعا بصورة متكررة إلى حكومة تمثل مختلف أطياف المجتمع العراقي، وربط معالجة الأزمات بالحوار والمشاركة السياسية. ففي عام 2006، دعا إلى حكومة وحدة وطنية، معتبرا أن تشكيل حكومة تمثل مختلف العراقيين يمكن أن يساعد في معالجة الأزمة الأمنية والسياسية.
كما تدخل في أزمات سياسية وأمنية مختلفة، ودعا إلى وقف العنف الطائفي والحوار السياسي والمصالحة.
ومن هنا تأتي أهمية علاقاته مع المرجعيات والقوى والشخصيات السياسية العراقية، بما فيها لقاءاته مع المرجع السيد علي السيستاني، وعلاقاته مع عمار الحكيم وبحر العلوم وشخصيات سياسية ودينية مختلفة.
وتكشف هذه العلاقات عن نمط سياسي لم يكن قائما على تطابق المواقف، وإنما على إبقاء خطوط الاتصال قائمة حتى في حالات الاختلاف.
وهنا تحولت الرئاسة، في جانب من ممارسة مام جلال لها، إلى مساحة للوساطة بين القوى السياسية أكثر من كونها مجرد موقع دستوري.
والنتيجة التي يمكن استخلاصها من هذا المسار ليست أن مام جلال كان قادرا على حل جميع الأزمات، وإنما أن أسلوبه السياسي كان يقوم على محاولة نقل الخلاف من الشارع إلى طاولة الحوار، ومن القطيعة إلى التفاوض.
المحور الثالث:دبلوماسية التوازن: شبكة العلاقات بوصفها أداة من أدوات الدولة
امتلك الرئيس مام جلال قبل توليه رئاسة الجمهورية شبكة علاقات إقليمية ودولية تراكمت خلال عقود من العمل السياسي، وبعد انتقاله إلى موقع رئاسة الجمهورية، أصبحت هذه العلاقات جزءا من أدوات العمل السياسي والدبلوماسي العراقي.
تعامل مع الولايات المتحدة، واحتفظ بعلاقات تاريخية مع إيران، وفتح قنوات مع تركيا، وانخرط في التواصل مع الدول العربية والقوى الدولية، كما شارك في المحافل الدولية.
وتظهر الوثائق أن مام جلال لم ينظر إلى الدبلوماسية باعتبارها اختيارا بين محور وآخر، وإنما باعتبارها توسيعا لمساحة الحركة العراقية.
ومن الأمثلة المهمة اتصالاته مع إيران في فترات كانت فيها العلاقة الإيرانية–الأمريكية نفسها شديدة التوتر، وكذلك اتصالاته مع الأطراف الأمريكية في الوقت الذي كان فيه العراق يعيش صراعا داخليا حادا.
وفي عام 2006، توجه مام جلال إلى طهران طالبا المساعدة في دعم الأمن والاستقرار في العراق، في خطوة عكست استخدام قنواته السياسية والإقليمية في محاولة معالجة الأزمة العراقية.
وفي الوقت نفسه، كان يتحدث مع واشنطن حول مستقبل العراق، والجيش العراقي، والسيادة، والوجود العسكري الأمريكي.
كما أن مواقفه لم تكن دائما متطابقة مع الموقف الأمريكي؛ ففي ديسمبر 2006، انتقد تقرير مجموعة دراسة العراق، معتبرا أن بعض توصياته تمس سيادة العراق ودستوره، ودافع عن حق العراقيين في إدارة شؤونهم الأمنية والسياسية بأنفسهم.
وهذا يعكس جانبا آخر من تجربته:القدرة على التواصل مع أطراف متعارضة من دون أن يعني التواصل بالضرورة التطابق السياسي معها.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم الدبلوماسية الشخصية لطالباني باعتبارها رصيدا سياسيا للدولة العراقية في مرحلة كانت الدولة فيها لا تزال تعيد بناء مؤسساتها وعلاقاتها الخارجية.
المحور الرابع:التعايش والوحدة الوطنية: عراق يتسع للجميع
كان العراق الذي تحدث عنه مام جلال باستمرار عراقا موحدا، لكنه لم يكن عراقا يقوم على إنكار تعدده فالتنوع القومي والمذهبي والديني كان، في رؤيته السياسية، حقيقة ينبغي للدولة أن تديرها بالدستور والشراكة والحوار، لا أن تحاول تجاوزها بالقوة.
وفي هذا السياق، تبرز مواقفه بشأن الوحدة الوطنية، ورفض العنف الطائفي، والمشاركة السياسية، والعلاقة بين مكونات المجتمع العراقي.
وفي مايو 2006، وفي ذروة العنف الطائفي، دعا مام جلال إلى وقف العنف والتحرك السياسي السريع، محذرا من عمليات القتل على أساس الهوية.
كما ارتبطت تجربته بفكرة العراق الاتحادي الديمقراطي، وبضرورة أن تكون الدولة إطارا مشتركا للعرب والكرد والتركمان والمسيحيين والإيزيديين والصابئة وسائر المكونات.
وهنا تظهر إحدى الأفكار الأساسية في إرثه السياسي:قوة العراق لا تقوم على تشابه مكوناته، وإنما على قدرة مؤسساته على حماية اختلافاتها داخل إطار وطني مشترك.
ومن هذه الزاوية، لم تكن العلاقة بين بغداد وأربيل قضية ثنائية منفصلة عن مستقبل العراق، بل كانت في جزء كبير منها اختبارا لقدرة الدولة الاتحادية على إدارة التنوع والشراكة.
المحور الخامس: رجل الدولة في ميزان الشهادات
منهجيا، لا يمكن أن تستند دراسة عن شخصية سياسية إلى الانطباع وحده. ولذلك فإن الشهادات التي صدرت عن مام جلال ، أو عنه، تكتسب أهمية عندما توضع إلى جانب الوثائق والمواقف والأحداث.
وفي حالة مام جلال، تبرز أهمية خاصة للشهادات التي جاءت من جهات وشخصيات مختلفة سياسيا وفكريا وجغرافيا.
أولا: الشهادة الأممية
في الثالث من تشرين الأول 2017، وصف الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في العراق، يان كوبيش، مام جلال بأنه قائد تاريخي، ورجل دولة، ووطني ذو حكمة وبعد نظر، وصوت للاعتدال والحوار والتفاهم والاحترام المتبادل في السياسة العراقية المعاصرة وأكد أن مام جلال جمع بين الدفاع عن الحقوق الكردية والعمل من أجل عراق حر وموحد وفيدرالي وديمقراطي.
وفي اليوم التالي، وصف الأمين العام للأمم المتحدة مام جلال بأنه قائد سياسي متعاطف ورمز للوحدة العراقية، وأسهم بصورة مهمة في الديمقراطية والحوار والتفاهم المتبادل بين مختلف المجتمعات العراقية.
ثانيا: الشهادات العراقية
تكتسب شهادات المرجعيات الدينية والقوى السياسية والشخصيات العراقية أهمية أخرى، لأنها جاءت من داخل البيئة السياسية والاجتماعية التي عمل فيها مام جلال.
ومن بين أبرز ما يوثق في هذا المجال مواقفه وعلاقاته مع المرجعية الدينية في النجف، وشخصيات سياسية ودينية عراقية، فضلا عن الشهادات التي ظهرت بعد رحيله حول دوره في معالجة الأزمات وتقريب وجهات النظر.
ثالثا: الشهادات الدبلوماسية والدولية
تكشف شهادات عدد من الدبلوماسيين والمسؤولين الأجانب عن صورة مام جلال باعتباره شخصية تمتلك قدرة استثنائية على التواصل مع عواصم متعددة، وعلى إدارة علاقات مع أطراف متنافسة.
رابعا: القراءة الأكاديمية
أما الدراسات الأكاديمية، فتفتح الباب أمام قراءة تجربته من خلال مفاهيم التوافق السياسي، والدبلوماسية الشخصية، وإدارة التعدد، والعلاقة بين الدولة والمكونات، ودور الشخصيات الوسيطة في الأنظمة السياسية المنقسمة.
وعند جمع هذه المستويات المختلفة من الشهادة، لا يصبح وصف مام جلال بـ«رجل الدولة» مجرد صياغة تأبينية، بل يصبح وصفا يمكن مناقشته وتحليله استنادا إلى سجل سياسي ووثائقي متعدد المصادر.
المحور السادس:ماذا فقد العراق برحيل مام جلال؟
هذا هو السؤال الذي ينقل دراسة تجربة مام جلال من الماضي إلى الحاضر فالأهمية التاريخية لرجل الدولة لا تقاس فقط بما فعله وهو في السلطة، وإنما أيضا بما يظهر بعد غيابه من وظائف كان يؤديها بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
وبرحيل مام جلال فقد النظام السياسي العراقي شخصية كانت تمتلك، بحكم تاريخها وعلاقاتها، قدرة واسعة على الوصول إلى أطراف مختلفة.
يمكن تحديد هذه الوظائف في سبعة مستويات:
أولا: فقد وسيطا سياسيا وطنيا.
كان يمتلك القدرة على التواصل مع قوى تختلف في مواقفها ومصالحها، وهو ما جعل حضوره مفيدا في لحظات الأزمات السياسية.
ثانيا: فقد جسرا بين بغداد وأربيل.
كانت تجربته السياسية قائمة على الجمع بين انتمائه الكردي وموقعه العراقي، ولذلك شكل وجوده أحد قنوات الاتصال السياسية بين المركز والإقليم.
ثالثا: فقد شبكة دبلوماسية شخصية.
العلاقات التي تراكمت على مدى عقود لا يمكن نقلها آليا إلى المؤسسات، ولا يمكن إعادة إنتاجها بسرعة.
رابعا: فقد شخصية عابرة للانقسامات.
لم يكن حضوره محصورا في وظيفة قومية أو حزبية واحدة، بل امتد إلى مساحة عراقية وإقليمية ودولية أوسع.
خامسا: فقد ذاكرة سياسية متراكمة.
حمل طالباني خبرة عقود من الحروب والصراعات والمفاوضات، وكان شاهدا ومشاركا في مراحل متعاقبة من تاريخ العراق والمنطقة.
سادسا: فقد قناة غير رسمية لإدارة بعض الأزمات.
ففي الأنظمة السياسية المعقدة، لا تتحرك الأزمات دائما عبر القنوات المؤسساتية وحدها؛ وقد لعبت الاتصالات الشخصية في العراق دورا مهما في مراحل مختلفة.
سابعا: فقد شخصية ارتبط بها مفهوم التوازن.
ولهذا ظهرت بعد رحيله تعبيرات تصفه بأنه «صمام أمان»، وهي عبارة ينبغي فهمها لا باعتبارها حكما مطلقا، وإنما باعتبارها توصيفا للدور الوسيط الذي ارتبط بشخصيته في مرحلة معينة من الحياة السياسية العراقية.
هنا تبرز النتيجة الأهم
لا ينبغي أن يقود غياب مام جلال إلى البحث عن شخص يكرر تجربته، بقدر ما ينبغي أن يدفع إلى التفكير في بناء مؤسسات قادرة على استيعاب الوظائف التي كان يؤديها شخصيا فالدولة المستقرة لا ينبغي أن تعتمد على وجود رجل واحد كي تمنع الخلاف من التحول إلى أزمة.
بغداد وأربيل.. أحد الاختبارات الكبرى لإرث مام جلال
لا يمكن قراءة إرث مام جلال العراقي من دون التوقف عند العلاقة بين بغداد وأربيل، فالرجل الذي حمل القضية الكردية لعقود أصبح لاحقا رئيسا لجمهورية العراق، وهي تجربة جعلته في قلب واحدة من أكثر القضايا حساسية في النظام الاتحادي العراقي.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة إرثه باعتباره محاولة مستمرة للجمع بين حماية الحقوق الدستورية لإقليم كردستان، والحفاظ على وحدة الدولة العراقية وهذا التوازن لا يزال أحد الاختبارات الأساسية للنظام السياسي العراقي،فالعلاقة بين بغداد وأربيل ليست مجرد ملف إداري أو مالي أو سياسي، وإنما هي جزء من بنية الدولة العراقية نفسها.
ولهذا فإن استعادة تجربة مام جلال لا تعني استعادة مواقفه حرفيا، بل استعادة المنهج الذي كان يقوم على إبقاء الخلاف داخل إطار الدولة والدستور والحوار.
رحل الرئيس مام جلال.. وبقيت الحاجة إلى رجل الدولة
كان الرئيس جلال طالباني، في جانب مهم من تجربته، رجل دولة بالمعنى الذي يتجاوز المنصب.
لم تكن قوته الأساسية في امتلاك السلطة التنفيذية، وإنما في القدرة على الوصول إلى المختلفين.
ولم تكن وظيفته السياسية تقوم دائما على فرض الرأي، وإنما على إقناع الخصوم بأن الحوار يمكن أن يكون أقل كلفة من الصراع.
ولم يتخل، عندما أصبح رئيسا للعراق، عن هويته وقضيته الكردية؛ وفي الوقت نفسه لم يجعل القضية الكردية بديلا عن الدولة العراقية.
وهنا تكمن إحدى أهم سمات تجربته:حاول أن يجعل الدفاع عن الحقوق الكردية جزءا من مشروع العراق الاتحادي، لا مشروعا خارج الدولة.
وبالمثل، لم ينظر إلى الوحدة العراقية باعتبارها إلغاء للتنوع، بل باعتبارها قدرة الدولة على إدارة هذا التنوع بالشراكة والدستور والحوار.
رسائل متعددة
إلى الكرد في العراق، يقول إرث تجربته إن الحقوق الدستورية يمكن أن تكون جزءا من قوة الدولة العراقية، لا نقيضا لها.
وإلى العرب، تقول تجربته إن استقرار العراق لا يمكن أن يقوم على شعور أي مكون بأنه غريب عن الدولة.
وإلى الشيعة والسنة والكرد وسائر القوى السياسية، تقول تجربته إن الخصومة السياسية لا ينبغي أن تتحول إلى قطيعة وطنية.
وإلى التركمان والمسيحيين والإيزيديين والصابئة وسائر المكونات، فإن الدولة التي كان يتحدث عنها طالباني هي دولة تتسع لتنوع مواطنيها وتحمي حقوقهم ضمن إطارها الدستوري.
وإلى بغداد وأربيل، يبقى أحد أبرز دروس تجربته أن استقرار كل منهما يرتبط باستقرار الآخر، وأن الخلاف بينهما لا ينبغي أن يتحول إلى قطيعة بين أجزاء الدولة.
أما إلى الدولة العراقية نفسها، فربما تكون الرسالة الأهم:لا تبحثوا عن رجل واحد يقوم بدور صمام الأمان مرة أخرى؛ ابنوا مؤسسات تكون قادرة على أن تؤدي وظيفة صمام الأمان للجميع.
فهذا هو التكريم الأكثر عمقا لإرث مام جلال و ليس أن نقول إنه كان عظيما فحسب، بل أن نفهم ما الذي جعله مؤثرا، وما الوظائف السياسية التي كان يؤديها، ولماذا احتاج العراق إلى تلك الوظائف، ولماذا بدا غيابه واضحا بعد رحيله.
لقد كان من السياسيين الذين لا يقاس أثرهم بعدد المناصب التي شغلوها، وإنما بقدرتهم على إبقاء الجسور قائمة عندما تكون القطيعة أسهل، وعلى جمع المختلفين عندما يصبح الحوار أكثر صعوبة.
ومن هنا فإن السؤال في الذكرى التاسعة لرحيله لا ينبغي أن يكون من كان مام جلال؟ بل ماذا فقد العراق عندما غاب مام جلال؟
والجواب الذي تتيحه الوثائق والشهادات والمواقف يبدو أكثر وضوحا:فقد العراق شخصية سياسية امتلكت خبرة طويلة في إدارة التوازنات، ووسيطا بين قوى ومكونات مختلفة، وجسرا بين بغداد وأربيل، وشبكة علاقات إقليمية ودولية، وذاكرة سياسية تشكلت عبر عقود من الصراع والتفاوض.
ولهذا فإن وصفه بـ«صمام أمان العراق» لا ينبغي أن يقرأ بوصفه مجرد عبارة رثائية؛ وإنما بوصفه توصيفا لدور سياسي ارتبط بقدرته على الوساطة والحوار وإدارة التناقضات في مرحلة شديدة التعقيد من تاريخ العراق الحديث.
لقد رحل مام جلال ، لكن السؤال الذي تركه وراءه ما زال قائما:كيف يمكن للعراق أن يحول إرث رجل الدولة من ذاكرة شخصية استثنائية إلى مؤسسات دولة لا تحتاج إلى رجل استثنائي كي تتوازن؟
|