الاتحاد الوطني الكردستاني… صمام أمان عراق ما بعد 2003
عند اية قراءة معمقة لتاريخ العراق الحديث بعد عام 2003، لا يمكن تجاوز الدور المحوري الذي لعبه الاتحاد الوطني الكردستاني في إعادة تشكيل الدولة العراقية وصياغة معالم النظام السياسي الجديد.
فبينما ركزت دراسات عديدة، على تحليل الأحزاب السياسية العراقية من منظور نظري وسلوكي، بقيت تجربة الاتحاد الوطني الكردستاني تستحق مساحة أوسع بوصفها تجربة لم تكتفِ بالمشاركة في العملية السياسية، بل ساهمت فعليا في هندسة العراق الاتحادي الجديد.
لقد دخل الاتحاد الوطني مرحلة ما بعد سقوط النظام السابق وهو يمتلك مشروعا سياسيا متكاملا للدولة العراقية، يستند إلى الفيدرالية، والديمقراطية التعددية، وحقوق الإنسان، والشراكة الوطنية، والتوازن بين المكونات، وهذه الرؤية لم تكن طارئة أو مرتبطة بمرحلة ما بعد 2003 فقط، بل امتدادا لنهج تاريخي أسسه الرئيس مام جلال منذ انطلاق الثورة الجديدة عام 1976، حين طرح فكرة “الديمقراطية للعراق وحق تقرير المصير لشعب كردستان” في زمن كانت المنطقة غارقة في الانقلابات والحكم الشمولي.
وتبرز أهمية الاتحاد الوطني الكردستاني في كونه لم يتأسس كحزب سلطوي أو شعبوي أو عشائري، بل كحركة سياسية جماهيرية انطلقت من رحم مرحلة عصيبة أعقبت انهيار الحركة الكردية عام 1975، لتعيد تنظيم الإرادة الكردستانية ضمن مشروع وطني ديمقراطي واسع.
ولهذا ظل الحزب يعتبر الجماهير، ولا سيما الطبقات الكادحة والكفاءات الوطنية، مصدر شرعيته وقوته، الأمر الذي مكّنه من تبني شعارات السلم والديمقراطية وحقوق الإنسان وحق تقرير المصير بوصفها مبادئ نضالية لا شعارات انتخابية عابرة،وفي هذا السياق، يمكن فهم الدور الذي لعبه الاتحاد الوطني في تأسيس العراق الجديد بعد 2003، ليس كقوة كردية فقط، بل كقوة عراقية تقدمية ساهمت في منع انهيار الدولة العراقية بعد سقوط النظام السابق، ففي لحظة اتسمت بالفوضى والانقسام والتجاذبات الطائفية، برز الرئيس مام جلال بوصفه أحد أبرز الشخصيات القادرة على إدارة التوازنات العراقية المعقدة، حتى وصفته غالبية القوى السياسية العراقية وفي مقدمتهم سماحة السيد السيستاني بأنه “صمام أمان العراق”.
استطاع الاتحاد الوطني الكردستاني ان ينجح في نقل تجربته السياسية من الجبال إلى مؤسسات الدولة، ومن المعارضة إلى المشاركة في الحكم، دون أن يتخلى عن خطابه الداعي إلى التعايش والتعددية والشراكة، ومن هنا جاء دوره المركزي في كتابة الدستور العراقي الدائم، وترسيخ النظام الاتحادي، وتثبيت مبدأ الشراكة الوطنية، ومنع عودة الاستبداد المركزي.
ومن أبرز الإسهامات التي قدمها الاتحاد الوطني الكردستاني في بناء العراق بعد 2003:
أولا: ترسيخ الفيدرالية كصيغة لإنقاذ العراق
لم يتعامل الاتحاد الوطني مع الفيدرالية كمطلب كردي ضيق، بل بوصفها صيغة سياسية لحماية العراق من إعادة إنتاج الحكم الفردي والدكتاتورية. وقد لعب دورا أساسيا في تثبيت هذا المفهوم ضمن الدستور العراقي لعام 2005.
ثانيا: بناء ثقافة الشراكة الوطنية
في وقت اتجهت فيه قوى عديدة نحو الاحتكار أو المحاصصة الضيقة، عمل الاتحاد الوطني على ترسيخ فكرة التوافق الوطني بوصفها ضرورة انتقالية لحماية وحدة البلاد ومنع الانهيار الأهلي.
ثالثا: حماية المسار الديمقراطي
كان الحزب من القوى القليلة التي امتلكت خبرة سياسية وعلاقات داخلية وإقليمية ودولية ساعدته على لعب دور الوسيط بين الأطراف العراقية المتصارعة، وهو ما منح العملية السياسية قدرا من الاستقرار في أحلك الظروف والى الان تعتبر من اعمدة القوى الحامية للديمقراطية في العراق ومساره الدستوري.
رابعا: تعزيز التلاحم العربي – الكردي
يُحسب للاتحاد الوطني الكردستاني أنه نقل القضية الكردية من إطارها المحلي إلى فضاء وطني عراقي وعربي أوسع. فمنذ انطلاق الثورة الجديدة، عمل الحزب على بناء علاقات نضالية مع القوى العربية والفلسطينية والتقدمية، وطرح الثورة الكردستانية باعتبارها جزءا من مشروع ديمقراطي عراقي شامل، لا مشروع انفصال أو قطيعة.
ولذلك لعب الحزب لاحقا دورا مهما في بناء التفاهمات الكردية – العربية، والكردية – الشيعية، وحتى في تقريب وجهات النظر بين القوى العربية السنية والشيعية، انطلاقا من قناعته بأن استقرار العراق لا يتحقق إلا بالشراكة والتوازن.
خامسا: تقديم نموذج “حزب الأجيال”
في مقابل الأحزاب التي تشكلت حول الزعامة أو المصالح أو الهويات الضيقة، حاول الاتحاد الوطني تقديم نفسه بوصفه “حزب الأجيال”، أي الحزب الذي يبني استمراريته على الرؤية السياسية والتنظيم الجماهيري والكفاءات والمؤسسات، لا على الشعبوية أو الولاءات المؤقتة، وهذه الفكرة تكتسب أهمية كبيرة في ضوء دراسات بشأن أزمة الأحزاب العراقية بعد 2003، حيث تحولت كثير من القوى إلى أدوات للهيمنة أو المحاصصة أو التعبئة الفئوية، بدل أن تكون أدوات لبناء الدولة والمجتمع، ولكن في المقابل نجد ان تجربة الاتحاد الوطني، رغم ما واجهته من أزمات وانتقادات، أقرب إلى الأحزاب التي حاولت الحفاظ على طابع سياسي وفكري ومؤسساتي يتجاوز الانغلاق القومي أو الطائفي.
واليوم، في ظل قيادة بافل جلال طالباني، يواجه الاتحاد الوطني تحديا جديدا يتمثل في كيفية الانتقال من دور “الشريك المؤسس للعراق الجديد” إلى دور “القوة الإصلاحية” القادرة على معالجة أزمات النظام السياسي العراقي نفسه، فالعراق بعد أكثر من عقدين على التغيير ما يزال يواجه أزمات عميقة تتعلق بالفساد، وضعف الدولة، وفقدان الثقة بين المجتمع والسلطة، وتصاعد الانقسامات الداخلية.
انطلاقا من هذه الحقائق، فإن بقاء الاتحاد الوطني ضمن الأحزاب المؤثرة مرهون بقدرته على تجديد مشروعه السياسي، والتمسك بالمبادئ التي تأسس عليها: الديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، والتعددية، والحكم الرشيد، والتعايش، وحق الشعوب في تقرير مصيرها ضمن إطار وطني مستقر.
لم يكن الاتحاد الوطني الكردستاني مجرد طرف سياسي شارك في إدارة مرحلة ما بعد 2003، بل كان أحد الأعمدة الأساسية التي ساهمت في منع انهيار العراق وإعادة صياغة فكرة الدولة على أسس التعددية والشراكة والدستور. فمن ساحات النضال ضد الدكتاتورية، إلى الانتفاضة، إلى تأسيس إقليم كردستان، وصولا إلى المساهمة في بناء العراق الاتحادي الجديد، ظل الاتحاد الوطني حاضرا بوصفه قوة سياسية تحمل مشروعا للدولة لا مجرد مشروع للسلطة ،ولهذا، فإن أي قراءة جادة للعملية السياسية العراقية بعد 2003 تبقى ناقصة ما لم تضع تجربة الاتحاد الوطني الكردستاني في صلب التحليل، لأنه لم يكن حزبا عابرا في معادلة الحكم، بل أحد أبرز القوى التي ساهمت في ترسيخ مفهوم “العراق الديمقراطي التعددي” والدفاع عنه وسط العواصف الأمنية والطائفية والإقليمية التي عصفت بالبلاد.
ومن هنا اكتسب الاتحاد الوطني صفة “صمام أمان العراق”، ليس كشعار سياسي، بل كدور تاريخي ارتبط بإيمانه العميق بالدستور، والديمقراطية، والتعايش، والتوافق الوطني، والشراكة بين المكونات. وهي مبادئ لم يتعامل معها بوصفها تكتيكا مرحليا، بل باعتبارها جوهر مشروعه السياسي وهويته النضالية، ولذلك بقي متمسكا بها رغم التحولات والأزمات، انطلاقا من قناعته بأن استقرار العراق ومستقبل كردستان لا يمكن أن يتحققا إلا في ظل دولة عادلة، تعددية، ومتوازنة تحمي الجميع دون استثناء.
|