×

  رؤا

بين مسدس ستارمر... والسلاح المنفلت في العراق-1-

16/07/2026

ليست كل الهدايا بريئة، وليست كل الأسلحة أدوات للقتل. فبعضها يتحول، من حيث لا يدري أصحابها، إلى مرآة تعكس طبيعة الدول، وإلى امتحان يكشف ما إذا كانت السلطة تُدار بالقانون أم بالقوة.

في قمة حلف شمال الأطلسي الأخيرة، أهدى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قادة الدول مسدسات صُنعت خصيصا لهم، ونُقشت عليها أسماؤهم. بدت الهدية للوهلة الأولى تعبيرا بروتوكوليا عن التقدير، لكنها سرعان ما تحولت إلى قصة سياسية أكبر من قطعة سلاح مزخرفة.

ففي بريطانيا، لم يكن رئيس الوزراء كير ستارمر حرا في أن يحمل المسدس إلى طائرته ويعود به إلى لندن. لم يشفع له منصبه، ولم تمنحه رئاسته للحكومة امتيازا استثنائيا. القانون البريطاني كان صاحب الكلمة الأخيرة. فالمسدسات تخضع لقيود صارمة تكاد تجعل حيازتها المدنية مستحيلة، ولذلك بقيت الهدية في تركيا إلى أن تُعطل بصورة نهائية، ثم تُستكمل الإجراءات القانونية الخاصة بنقلها.

قد يبدو المشهد بسيطا، لكنه في الحقيقة يختصر فلسفة الدولة الحديثة.

فالدولة لا تُعرف بعدد مؤسساتها، ولا بضخامة جيوشها، ولا بثراء اقتصاداتها، وإنما بقدرتها على إخضاع الجميع لسلطان القانون حين يُجبر القانون رئيس الحكومة على ترك هدية تلقاها من رئيس دولة أخرى، فإن الرسالة لا تتعلق بالسلاح، بل بمن يحكم الدولة حقا. هناك، لا يحكم الأشخاص القانون، بل يحكم القانون الأشخاص.

هنا يبدأ السؤال العراقي، فالدستور لم يترك مساحة للتأويل عندما جعل احتكار السلاح من اختصاص الدولة. لكن النصوص، مهما بلغت دقتها، لا تصنع واقعا إذا بقيت حبرا على ورق. فالعراق، بعد أكثر من عقدين على التغيير، لا يزال يعيش مفارقة قاسية؛ دولة ينص دستورها على احتكار القوة، بينما تتوزع القوة عمليا بين جهات متعددة، بعضها سياسي، وبعضها عشائري، وبعضها مسلح، وبعضها لا يعترف أصلا بسلطة الدولة إلا بقدر ما تخدم مصالحه.

أما إقليم كردستان، الذي حقق تجربة مؤسساتية أكثر استقرارا من كثير من مناطق العراق، فما زال هو الآخر يواجه التحدي ذاته. فقيام المؤسسات لا يكتمل ما لم يصبح السلاح، بكل أشكاله، جزءا من المنظومة القانونية للدولة وحدها، لا امتدادا لمراكز نفوذ متوازية.

إن أخطر ما يفعله السلاح المنفلت أنه يعيد تعريف السلطة. فبدلا من أن تكون الدولة هي مصدر القوة، تصبح القوة هي مصدر الدولة. وعندها يتراجع القانون إلى مرتبة النص، بينما ترتفع فوهة البندقية إلى مرتبة القرار.

ولعل الأخطر من انتشار السلاح هو الثقافة التي تمنحه شرعية اجتماعية. فعندما يتحول المسدس إلى هدية، والبندقية إلى رمز للمكانة، والسلاح إلى وسيلة للتفاخر، فإن المجتمع يعتاد رؤية القوة بوصفها قيمة، لا استثناء تنظمه الدولة. وهنا تبدأ الهزيمة الحقيقية للدولة، لأنها تفقد احتكارها للهيبة قبل أن تفقد احتكارها للقوة.

لقد اختارت كندا أن تُسلم المسدس المهدى إلى شرطة الخيالة الملكية، تمهيدا لعرضه في مؤسسة رسمية أو متحف بعد تعطيله. أما بريطانيا، فأصرت على ألا تطأ الهدية أرضها قبل أن تفقد وظيفتها كسلاح. إنها ليست مبالغة قانونية، بل احترام لفكرة تأسيسية مفادها أن السلاح لا يكتسب شرعيته من صاحبه، بل من القانون.

 

فهل يستطيع العراق أن يقرأ الرسالة؟

ليس المطلوب مصادرة تقاليد المجتمع، ولا تحويل الهدايا إلى قضية سياسية، بل إعادة الاعتبار لفكرة الدولة نفسها. فالدولة التي تسمح بأن يصبح السلاح رمزا اجتماعيا، ستكتشف عاجلا أم آجلا أن رمزية الدولة نفسها بدأت تتآكل.

إن الطريق إلى الدولة لا يبدأ من مخازن الأسلحة، بل من الوعي بأن القوة لا تمنح الشرعية، وإنما الشرعية هي التي تمنح القوة معناها وحدودها. وحين يصبح القانون هو السلاح الوحيد الذي لا ينافسه سلاح آخر، عندها فقط يمكن القول إن الدولة قد انتصرت.

أما ذلك المسدس الذي لم يغادر تركيا، فقد كان، على الأرجح، أكثر بلاغة من آلاف الخطب السياسية؛ لأنه أثبت أن أعظم سلاح في الدولة الحديثة ليس المسدس... بل القانون.

 

 

  مواضيع أخرى للمؤلف
←  ترجمات:إحياء لذكرى ليندسي غراهام
←  ​بين مسدس ستارمر... وثراء السلطة في العراق-2-
←  بين مسدس ستارمر... والسلاح المنفلت في العراق-1-
←  وقائع المؤتمر الصحفي للرئيس الامريكي مع رئيس مجلس الوزراء العراقي
←  ترجمات--/ فورين بوليسي : لم تكن ضربة قاضية، لكن واشنطن فازت بالنقاط
←  ترجمات: الذكرى السنوية الـ 250 لاعتماد إعلان الاستقلال
←  ترجمات--باكيرهان:الكرد لا يستطيعون انتظار ربيع آخر أو سلطة أخرى
←  ترجمات--اوغلاري:نهجنا هو طريق السلام و العدالة والديمقراطية
←  ترجمات.. المجلس الاطلسي:تباين المصالح الأمريكية والإسرائيلية في الحرب مع إيران
←  أمراء الغلول.. ثروات السلطة وفقر الشعوب
←  صلاح الدين دميرتاش: اقتربت اللحظة، ولم يبق إلا القليل
←  ترجمات: القانون الإطاري عتبة مهمة سترسم ملامح مستقبل تركيا
←  هيرو خان ..سيرة امرأة صنعت التاريخ ولم تساوم
←  ترجمات:الولايات المتحدة وإيران.. من حرب متجددة إلى شفا السلام
←  كوندوليزا رايس:ما أنجزته الولايات المتحدة في إيران
←  دلفي في قلب السليمانية..العالم يناقش مستقبله
←  فرانسيس فوكوياما:أوكرانيا وإيران تغيران طبيعة الحرب..انتباه
←  مجلة"نيوزويك": ماذا يتضمن الاتفاق مع إيران؟
←  الرئيس مام جلال والعمل البرلماني.. حصن ضد الاستبداد وجسر للوحدة الوطنية
←  بين صخب المنابر وصمت الشراكة: لماذا لا تنتج الحرب الإعلامية نصرا سياسيا في كردستان؟
←  ​الاتحاد الوطني الكردستاني… صمام أمان عراق ما بعد 2003
←  السفاهة كاداة للتسلط… وتبرير الفشل والاخفاقات
←  الصحافة الكردية… من "صوت القضية" إلى "ركيزة الحكم الرشيد"
←  عن هستيريا التسلط وإنكار الهزيمة
←  نزار آميدي رئيسا..امتداد لإرث مام جلال
←  الاستقرار في سوريا..بين الدبلوماسية والهمجية
←  وحدة الاراضي… شعار غادر لقمع وابادة المكونات غير العربية
←  لامبارك استمع لعادل إمام… ولا صدام اقتدى بنصيحة مام جلال
←  رسالة لمن طغى …!!
←  حصاد المرصد لعام متشابك ومضطرب
←  زيارة البرزاني الى تركيا : دروس ورسائل
←  الاستفتاء .. رفض البدائل الدولية والمجازفة بالمكتسبات
←  جسر كردي-عربي واقليمي في قلب التحالف الديمقراطي
←  دونالد ترامب:بداية عصر جديد مثير من النجاح الوطني
←  شاناز إبراهيم أحمد:التآم جروح التاريخ.. تكريم ضحايا جينوسايد الأنفال
←  جريمة فردية وليست فتنة
←  قرارات منع اللغة الكوردية.. خلل عابر أم محاولات ممنهجة ؟
←  حيّ على الالتزام والوئام
←  الاغتيال المقنَّع ..رسالة دم الى الشارع
←  شتان بين تسليم السلاح او حرقه
←  -ترجمات- تولاي حاتم أوغلاري :​نحن على أعتاب لحظة تاريخية
←  عائشة غول: سنكون في السليمانية لحدث تاريخي
←  صحيفة "ميلليت"التركية:ماذا حدث على ارتفاع ​852 مترا ؟
←  مجلة تايم:شرق أوسط جديد يتكشف أمام أعيننا
←  الأمير تركي الفيصل:لا ينبغي للسيد ترامب أن يتبع معايير مزدوجة
←  موديرن دبلوماسي: شي جين بينغ يتخطى البريكس.. توبيخ صامت لكتلة متصدعة؟
←  حصاد النصف الاول من العام
←  تونجر بكرهان :إنها فرصة الجميع لإرساء الديمقراطية في تركيا
←  فورين افيرز :ترامب وكيفية انهاء مهمته في إيران والشرق الأوسط
←  تونجر بكرهان: ضمان الأمن بالمساواة والعدالة وليس بمزيد من التسلح
←  نيويورك تايوز:آية الله الخامنئي لديه خطة
←  موديرن دبلوماسي:الصين و تصاعد انتشار القواعد الأمريكية في الخليج والشرق الأوسط
←  بولدان: العملية السلمية دخلت مرحلة جديدة وتقتضي ​تفعيل البرلمان
←  بيان حقائق للبيت الأبيض:خبراء يؤكدون التدمير الكامل للمنشآت النووية الإيرانية
←  ترجمة خاص...بهتشلي يحذر من تطورات الحرب ويدعو لدعم مبادرة حل «الكردستاني»
←  بولدان: مجلس الأمة التركي الكبير امام مسؤوليات تاريخية
←  ترجمة خاص...الدروس الكبرى من 12 يوما من الحرب مع إيران
←  ترجمة خاص...الحرب الإسرائيلية الإيرانية: انتهت ولكن لم تُحل
←  الفيلسوف الروسي ألكسندر دوغين:حـــــرب عــــــالمية ثالــــــثة
←  ترجمة...مارك روته:العالم بحاجة إلى حلف ناتو أقوى
←  ريسبونسبل ستيت كرافت:العراق على حافة الهاوية بين إيران والمصالح الامريكية في حرب جديدة
←  صلاح الدين دميرتاش :"حان وقت الشجاعة وليس التحدي"
←  فورين افيرز: ترامب بين دخول الحرب او منع تصعيد كارثي
←  تقييم الوضع والمعضلات وتداعيات الحملة ضد إيران..(رؤية اسرائيلية)
←  ذي ناشنال:الخلاف بين بغداد وكردستان لا يقتصر على الطاقة فحسب
←  ناشيونال انترست:العراق في مرمى نيران الحرب الإسرائيلية الإيرانية
←  مظلوم عبدي: انها مرحلة تاريخية وعلى الكرد التكاتف واخذ مكانتهم
←  فورين افيرز:أمريكا على حافة كارثة في الشرق الأوسط
←  ديفيد إغناتيوس:مهمة إسرائيل في إيران تتسلل إلى تغيير النظام
←  ناشيونال انترست: الصراع الإسرائيلي الإيراني واعادة تشكيل الشرق الأوسط
←  الاتحاد الوطني.. صوت العقل في وجه عواصف الحروب
←  ترجمات / فورين بوليسي: سيناريوهات لنهاية الحرب الإسرائيلية الإيرانية
←  ترجمات / كينيث م. بولاك:خيار طهران الأخطر للرد على إسرائيل
←  ترجمات: تصعيد يضع الشرق الأوسط على حافة الانفجار
←  ترجمات/ نيويورك تايمز:احتمالات تحول الصراع الإسرائيلي الإيراني إلى مزيد من الاضطرابات
←  ترجمات : هل الحرب في الشرق الأوسط باتت وشيكة؟
←  ​موديرن دبلوماسي :الصين تتدخل في الصراع الإسرائيلي الإيراني مع ظهور الدعم الأمريكي
←  ترجمات: الموساد والخطة الأساسية للحملة العسكرية
←  ترجمات/ مايك واتسون:فرض السلام بالقوة
←  الغارديان: إسرائيل وإيران.. هل الصراع مرشح أن يدوم طويلا؟
←  فورين افيرز: توازن القوى الجديد في الشرق الأوسط..أمريكا وإيران والمحور العربي
←  من ضفاف الدجلة والفرات إلى شواطئ نيس
←  كلمة تولاي حاتم: لدينا فرصة تاريخية لحل مشكلة عمرها 100 عام
←  فورين بوليسي: إيران ليست ضعيفة
←  بين انجازات عظيمة ومهام اكثر
←  الرئيس مام جلال.. وضرورات تأسيس الاتحاد الوطني وحماية ثقله الاستراتيجي
←  الرئيس بافل وخطابات تجديد العهد وتصحيح المسار
←  ترجمة وتحرير...أحمد أوزر:أنا هنا لأنني كردي
←  ترجمة وتحرير..بكرهان: نشهد عملية تاريخية في الشرق الأوسط والعالم
←  ترجمة وتحرير..تولاي حاتم أوغولاري: لدينا مسؤولية كبيرة تجاه شعبنا
←  ترجمة وتحرير:السلام يعني تركيا ديمقراطية.. فرص مهمة ومخاطر جدية
←  ترجمة وتحرير: عن وجود القوات الأمريكية وقوات التحالف الدولي في العراق
←  الرئيس مام جلال ونهجه الراسخ للحل السلمي للقضية الكردية في تركيا
←  من مام جلال إلى رشيد:​رئاسة كردية للقمة العربية ...رسائل ومعان
←  بغداد.. اربع ​قمم ومفارقات أربع
←  الصحافة الكردية وتصويب مسار الحكم و جدلية “السلطة الرابعة”
←  العدد (٨٠٠٠) شهادة المهنية والمصداقية في زمن التقلّبات
←  المرصد..بعد العقد الثالث.. الريادة ومواكبة المرحلة
←  مستقبل العلاقات العربية-الكردية في العراق: التحديات، المقومات، والمكاسب
←  ترجماتي..(التعددية القطبية)... تقرير ميونيخ للأمن 2025
123