بين مسدس ستارمر... وثراء السلطة في العراق-2-
فقر الامم ليس بالافتقار إلى الثروات، بل بالافتقار إلى الضمير العام الذي يحكم علاقة المسؤول بالسلطة، فالفساد لا يبدأ بسرقة المليارات، بل يبدأ في اللحظة التي يقتنع فيها المسؤول أن المنصب يمنحه حقا فيما ليس لهـ ومن هنا، فإن الفرق بين الدول لا يُقاس بحجم اقتصادها، بل بالمسافة الفاصلة بين يد المسؤول والمال العام.
في قمة حلف شمال الأطلسي الأخيرة، أهدى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قادة الدول مسدسات صُنعت خصيصا لهم، ونُقشت عليها أسماؤهم ولم يكن رئيس الوزراء كير ستارمر حرا في أن يحمل المسدس إلى طائرته ويعود به إلى لندن بسبب القوانين البريطانية الصارمة حيال حيازة الاسلحة ،ولو أراد فكان يستطيع، أن يعود به إلى منزله دون أن يثير الأمر ضجة، فمثل هذه التفاصيل قد لا يعلم بها أحد لكنه لم يفعل، لأنه أدرك أن النزاهة ليست ما يراه الناس، وإنما ما يفعله الإنسان حين لا يراه أحد.
كان بإمكانه أن يكسب مسدسا، لكنه فضّل أن يحافظ على ما هو أثمن منه بكثير: شرف المنصب، واحترام القانون، وثقة الشعب.ذلك الموقف لم يكن عن قطعة سلاح، بل عن قطعة من الضمير.
في مقالنا السابق اجرينا مقارنة بين مسدس ستارمرز والسلاح المنفلت في العراق وهنا نجري مقارنة اخرى مع تصرفات ستارمز وقوانين بريطانيا مع حالات الفساد الفاضحة في العراق حيث تبدو الصورة معكوسة إلى حد يثير الأسى، فهنا لا تدور الأحاديث حول مسؤول رفض هدية، بل حول ملفات فساد تتكشف تباعا، وتحقيقات واعترافات تثير تساؤلات كبيرة بشأن استغلال السلطة والإثراء غير المشروع.
ولم يعد المواطن يتفاجأ عندما يسمع عن مسؤول خرج من الوظيفة بثروة لا تتناسب مع دخله المعلن، لأن كثرة الوقائع المتداولة جعلت الشك يكبر حتى أصبح يطغى على الثقة.
وهنا تكمن الكارثة الحقيقية،فأخطر ما يفعله الفساد أنه لا يسرق المال العام فقط، بل يسرق سمعة الدولة وهيبة مؤسساتها، ويزرع في وعي الناس قناعة بأن الوصول إلى السلطة أصبح، عند البعض، طريقا مختصرا إلى الثروة، لا إلى خدمة الوطن.
ولعل المشهد في إقليم كردستان يزيد هذا الشعور مرارة. ففي الوقت الذي عاش فيه الموظفون سنوات من القلق بسبب تأخر الرواتب، وتراجعت القدرة الشرائية للمواطن، وازدادت الأعباء الاقتصادية على الأسر، ظل السؤال يتردد بإلحاح: لماذا تزداد معاناة الناس، بينما لا يشعر الرأي العام بوجود رقابة مؤسسية بالقدر الكافي على ثروات أصحاب النفوذ ومصادرها؟ ولماذا تبدو مؤسسات الرقابة البرلمانية وهيئات المساءلة عاجزة عن تبديد هذه الشكوك عبر الشفافية والمحاسبة؟
إن المواطن لا يحاكم أحدا، لكنه يملك حق السؤال ومن حقه أن يعرف كيف تتعثر المالية العامة، بينما تتردد باستمرار روايات عن تضخم ثروات بعض المتنفذين. ومن حقه أن يطالب برقابة حقيقية على الذمة المالية لكل مسؤول، وبقضاء مستقل، وبرلمان لا يكتفي بإصدار البيانات، بل يمارس دوره في المحاسبة.
إن المشكلة ليست في وجود فاسدين، فكل دول العالم تعرف الفساد. المشكلة الحقيقية هي عندما يصبح الفاسد مطمئنا إلى أنه لن يُحاسب، بينما يصبح الشريف مضطرا إلى تبرير نزاهته. عندها تنقلب الموازين، ويتحول الاستثناء إلى قاعدة، وتصبح الأمانة هي الغريبة.
بين ستارمر الذي رفض أن يأخذ مسدسا لم يكن من حقه الاحتفاظ به، وبين واقع يثير تساؤلات متكررة عن تضخم ثروات بعض أصحاب السلطة، تتجسد المسافة بين مفهومين للدولة؛ دولة ترى المنصب مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون سلطة، ودولة ما زالت تخوض معركتها الأصعب لاستعادة هيبة القانون من قبضة الفساد.
إن العراق، وإقليم كردستان على حد سواء، لا يحتاجان إلى مزيد من الشعارات عن النزاهة، بل إلى ثورة مؤسساتية تجعل كل مسؤول يدرك أن المال العام ليس غنيمة، وأن المنصب ليس مشروعا للاستثمار الشخصي، وأن ثروة المسؤول الحقيقية ليست ما يملكه من عقارات أو أرصدة، بل ما يتركه من ثقة في نفوس المواطنين.
فالتاريخ لا يخلد من جمع المال، وإنما يخلد من صان الأمانة والدول لا تسقط يوم تفرغ خزائنها، بل يوم تمتلئ جيوب المسؤولين ويخلو ضمير السلطة.
|