×

  رؤا

​بين مسدس ستارمر... وثراء السلطة في العراق-2-

16/07/2026

فقر الامم ليس بالافتقار إلى الثروات، بل بالافتقار إلى الضمير العام الذي يحكم علاقة المسؤول بالسلطة، فالفساد لا يبدأ بسرقة المليارات، بل يبدأ في اللحظة التي يقتنع فيها المسؤول أن المنصب يمنحه حقا فيما ليس لهـ ومن هنا، فإن الفرق بين الدول لا يُقاس بحجم اقتصادها، بل بالمسافة الفاصلة بين يد المسؤول والمال العام.

في قمة حلف شمال الأطلسي الأخيرة، أهدى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قادة الدول مسدسات صُنعت خصيصا لهم، ونُقشت عليها أسماؤهم ولم يكن رئيس الوزراء كير ستارمر حرا في أن يحمل المسدس إلى طائرته ويعود به إلى لندن بسبب القوانين البريطانية الصارمة حيال حيازة الاسلحة ،ولو أراد فكان يستطيع، أن يعود به إلى منزله دون أن يثير الأمر ضجة، فمثل هذه التفاصيل قد لا يعلم بها أحد لكنه لم يفعل، لأنه أدرك أن النزاهة ليست ما يراه الناس، وإنما ما يفعله الإنسان حين لا يراه أحد.

كان بإمكانه أن يكسب مسدسا، لكنه فضّل أن يحافظ على ما هو أثمن منه بكثير: شرف المنصب، واحترام القانون، وثقة الشعب.ذلك الموقف لم يكن عن قطعة سلاح، بل عن قطعة من الضمير.

في مقالنا السابق اجرينا مقارنة بين مسدس ستارمرز والسلاح المنفلت في العراق وهنا نجري مقارنة اخرى مع تصرفات ستارمز وقوانين بريطانيا مع حالات الفساد الفاضحة في العراق حيث تبدو الصورة معكوسة إلى حد يثير الأسى، فهنا لا تدور الأحاديث حول مسؤول رفض هدية، بل حول ملفات فساد تتكشف تباعا، وتحقيقات واعترافات تثير تساؤلات كبيرة بشأن استغلال السلطة والإثراء غير المشروع.

 ولم يعد المواطن يتفاجأ عندما يسمع عن مسؤول خرج من الوظيفة بثروة لا تتناسب مع دخله المعلن، لأن كثرة الوقائع المتداولة جعلت الشك يكبر حتى أصبح يطغى على الثقة.

وهنا تكمن الكارثة الحقيقية،فأخطر ما يفعله الفساد أنه لا يسرق المال العام فقط، بل يسرق سمعة الدولة وهيبة مؤسساتها، ويزرع في وعي الناس قناعة بأن الوصول إلى السلطة أصبح، عند البعض، طريقا مختصرا إلى الثروة، لا إلى خدمة الوطن.

ولعل المشهد في إقليم كردستان يزيد هذا الشعور مرارة. ففي الوقت الذي عاش فيه الموظفون سنوات من القلق بسبب تأخر الرواتب، وتراجعت القدرة الشرائية للمواطن، وازدادت الأعباء الاقتصادية على الأسر، ظل السؤال يتردد بإلحاح: لماذا تزداد معاناة الناس، بينما لا يشعر الرأي العام بوجود رقابة مؤسسية بالقدر الكافي على ثروات أصحاب النفوذ ومصادرها؟ ولماذا تبدو مؤسسات الرقابة البرلمانية وهيئات المساءلة عاجزة عن تبديد هذه الشكوك عبر الشفافية والمحاسبة؟

إن المواطن لا يحاكم أحدا، لكنه يملك حق السؤال ومن حقه أن يعرف كيف تتعثر المالية العامة، بينما تتردد باستمرار روايات عن تضخم ثروات بعض المتنفذين. ومن حقه أن يطالب برقابة حقيقية على الذمة المالية لكل مسؤول، وبقضاء مستقل، وبرلمان لا يكتفي بإصدار البيانات، بل يمارس دوره في المحاسبة.

إن المشكلة ليست في وجود فاسدين، فكل دول العالم تعرف الفساد. المشكلة الحقيقية هي عندما يصبح الفاسد مطمئنا إلى أنه لن يُحاسب، بينما يصبح الشريف مضطرا إلى تبرير نزاهته. عندها تنقلب الموازين، ويتحول الاستثناء إلى قاعدة، وتصبح الأمانة هي الغريبة.

بين ستارمر الذي رفض أن يأخذ مسدسا لم يكن من حقه الاحتفاظ به، وبين واقع يثير تساؤلات متكررة عن تضخم ثروات بعض أصحاب السلطة، تتجسد المسافة بين مفهومين للدولة؛ دولة ترى المنصب مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون سلطة، ودولة ما زالت تخوض معركتها الأصعب لاستعادة هيبة القانون من قبضة الفساد.

إن العراق، وإقليم كردستان على حد سواء، لا يحتاجان إلى مزيد من الشعارات عن النزاهة، بل إلى ثورة مؤسساتية تجعل كل مسؤول يدرك أن المال العام ليس غنيمة، وأن المنصب ليس مشروعا للاستثمار الشخصي، وأن ثروة المسؤول الحقيقية ليست ما يملكه من عقارات أو أرصدة، بل ما يتركه من ثقة في نفوس المواطنين.

فالتاريخ لا يخلد من جمع المال، وإنما يخلد من صان الأمانة والدول لا تسقط يوم تفرغ خزائنها، بل يوم تمتلئ جيوب المسؤولين ويخلو ضمير السلطة.

 

  مواضيع أخرى للمؤلف
←  ترجمات:إحياء لذكرى ليندسي غراهام
←  ​بين مسدس ستارمر... وثراء السلطة في العراق-2-
←  بين مسدس ستارمر... والسلاح المنفلت في العراق-1-
←  وقائع المؤتمر الصحفي للرئيس الامريكي مع رئيس مجلس الوزراء العراقي
←  ترجمات--/ فورين بوليسي : لم تكن ضربة قاضية، لكن واشنطن فازت بالنقاط
←  ترجمات: الذكرى السنوية الـ 250 لاعتماد إعلان الاستقلال
←  ترجمات--باكيرهان:الكرد لا يستطيعون انتظار ربيع آخر أو سلطة أخرى
←  ترجمات--اوغلاري:نهجنا هو طريق السلام و العدالة والديمقراطية
←  ترجمات.. المجلس الاطلسي:تباين المصالح الأمريكية والإسرائيلية في الحرب مع إيران
←  أمراء الغلول.. ثروات السلطة وفقر الشعوب
←  صلاح الدين دميرتاش: اقتربت اللحظة، ولم يبق إلا القليل
←  ترجمات: القانون الإطاري عتبة مهمة سترسم ملامح مستقبل تركيا
←  هيرو خان ..سيرة امرأة صنعت التاريخ ولم تساوم
←  ترجمات:الولايات المتحدة وإيران.. من حرب متجددة إلى شفا السلام
←  كوندوليزا رايس:ما أنجزته الولايات المتحدة في إيران
←  دلفي في قلب السليمانية..العالم يناقش مستقبله
←  فرانسيس فوكوياما:أوكرانيا وإيران تغيران طبيعة الحرب..انتباه
←  مجلة"نيوزويك": ماذا يتضمن الاتفاق مع إيران؟
←  الرئيس مام جلال والعمل البرلماني.. حصن ضد الاستبداد وجسر للوحدة الوطنية
←  بين صخب المنابر وصمت الشراكة: لماذا لا تنتج الحرب الإعلامية نصرا سياسيا في كردستان؟
←  ​الاتحاد الوطني الكردستاني… صمام أمان عراق ما بعد 2003
←  السفاهة كاداة للتسلط… وتبرير الفشل والاخفاقات
←  الصحافة الكردية… من "صوت القضية" إلى "ركيزة الحكم الرشيد"
←  عن هستيريا التسلط وإنكار الهزيمة
←  نزار آميدي رئيسا..امتداد لإرث مام جلال
←  الاستقرار في سوريا..بين الدبلوماسية والهمجية
←  وحدة الاراضي… شعار غادر لقمع وابادة المكونات غير العربية
←  لامبارك استمع لعادل إمام… ولا صدام اقتدى بنصيحة مام جلال
←  رسالة لمن طغى …!!
←  حصاد المرصد لعام متشابك ومضطرب
←  زيارة البرزاني الى تركيا : دروس ورسائل
←  الاستفتاء .. رفض البدائل الدولية والمجازفة بالمكتسبات
←  جسر كردي-عربي واقليمي في قلب التحالف الديمقراطي
←  دونالد ترامب:بداية عصر جديد مثير من النجاح الوطني
←  شاناز إبراهيم أحمد:التآم جروح التاريخ.. تكريم ضحايا جينوسايد الأنفال
←  جريمة فردية وليست فتنة
←  قرارات منع اللغة الكوردية.. خلل عابر أم محاولات ممنهجة ؟
←  حيّ على الالتزام والوئام
←  الاغتيال المقنَّع ..رسالة دم الى الشارع
←  شتان بين تسليم السلاح او حرقه
←  -ترجمات- تولاي حاتم أوغلاري :​نحن على أعتاب لحظة تاريخية
←  عائشة غول: سنكون في السليمانية لحدث تاريخي
←  صحيفة "ميلليت"التركية:ماذا حدث على ارتفاع ​852 مترا ؟
←  مجلة تايم:شرق أوسط جديد يتكشف أمام أعيننا
←  الأمير تركي الفيصل:لا ينبغي للسيد ترامب أن يتبع معايير مزدوجة
←  موديرن دبلوماسي: شي جين بينغ يتخطى البريكس.. توبيخ صامت لكتلة متصدعة؟
←  حصاد النصف الاول من العام
←  تونجر بكرهان :إنها فرصة الجميع لإرساء الديمقراطية في تركيا
←  فورين افيرز :ترامب وكيفية انهاء مهمته في إيران والشرق الأوسط
←  تونجر بكرهان: ضمان الأمن بالمساواة والعدالة وليس بمزيد من التسلح
←  نيويورك تايوز:آية الله الخامنئي لديه خطة
←  موديرن دبلوماسي:الصين و تصاعد انتشار القواعد الأمريكية في الخليج والشرق الأوسط
←  بولدان: العملية السلمية دخلت مرحلة جديدة وتقتضي ​تفعيل البرلمان
←  بيان حقائق للبيت الأبيض:خبراء يؤكدون التدمير الكامل للمنشآت النووية الإيرانية
←  ترجمة خاص...بهتشلي يحذر من تطورات الحرب ويدعو لدعم مبادرة حل «الكردستاني»
←  بولدان: مجلس الأمة التركي الكبير امام مسؤوليات تاريخية
←  ترجمة خاص...الدروس الكبرى من 12 يوما من الحرب مع إيران
←  ترجمة خاص...الحرب الإسرائيلية الإيرانية: انتهت ولكن لم تُحل
←  الفيلسوف الروسي ألكسندر دوغين:حـــــرب عــــــالمية ثالــــــثة
←  ترجمة...مارك روته:العالم بحاجة إلى حلف ناتو أقوى
←  ريسبونسبل ستيت كرافت:العراق على حافة الهاوية بين إيران والمصالح الامريكية في حرب جديدة
←  صلاح الدين دميرتاش :"حان وقت الشجاعة وليس التحدي"
←  فورين افيرز: ترامب بين دخول الحرب او منع تصعيد كارثي
←  تقييم الوضع والمعضلات وتداعيات الحملة ضد إيران..(رؤية اسرائيلية)
←  ذي ناشنال:الخلاف بين بغداد وكردستان لا يقتصر على الطاقة فحسب
←  ناشيونال انترست:العراق في مرمى نيران الحرب الإسرائيلية الإيرانية
←  مظلوم عبدي: انها مرحلة تاريخية وعلى الكرد التكاتف واخذ مكانتهم
←  فورين افيرز:أمريكا على حافة كارثة في الشرق الأوسط
←  ديفيد إغناتيوس:مهمة إسرائيل في إيران تتسلل إلى تغيير النظام
←  ناشيونال انترست: الصراع الإسرائيلي الإيراني واعادة تشكيل الشرق الأوسط
←  الاتحاد الوطني.. صوت العقل في وجه عواصف الحروب
←  ترجمات / فورين بوليسي: سيناريوهات لنهاية الحرب الإسرائيلية الإيرانية
←  ترجمات / كينيث م. بولاك:خيار طهران الأخطر للرد على إسرائيل
←  ترجمات: تصعيد يضع الشرق الأوسط على حافة الانفجار
←  ترجمات/ نيويورك تايمز:احتمالات تحول الصراع الإسرائيلي الإيراني إلى مزيد من الاضطرابات
←  ترجمات : هل الحرب في الشرق الأوسط باتت وشيكة؟
←  ​موديرن دبلوماسي :الصين تتدخل في الصراع الإسرائيلي الإيراني مع ظهور الدعم الأمريكي
←  ترجمات: الموساد والخطة الأساسية للحملة العسكرية
←  ترجمات/ مايك واتسون:فرض السلام بالقوة
←  الغارديان: إسرائيل وإيران.. هل الصراع مرشح أن يدوم طويلا؟
←  فورين افيرز: توازن القوى الجديد في الشرق الأوسط..أمريكا وإيران والمحور العربي
←  من ضفاف الدجلة والفرات إلى شواطئ نيس
←  كلمة تولاي حاتم: لدينا فرصة تاريخية لحل مشكلة عمرها 100 عام
←  فورين بوليسي: إيران ليست ضعيفة
←  بين انجازات عظيمة ومهام اكثر
←  الرئيس مام جلال.. وضرورات تأسيس الاتحاد الوطني وحماية ثقله الاستراتيجي
←  الرئيس بافل وخطابات تجديد العهد وتصحيح المسار
←  ترجمة وتحرير...أحمد أوزر:أنا هنا لأنني كردي
←  ترجمة وتحرير..بكرهان: نشهد عملية تاريخية في الشرق الأوسط والعالم
←  ترجمة وتحرير..تولاي حاتم أوغولاري: لدينا مسؤولية كبيرة تجاه شعبنا
←  ترجمة وتحرير:السلام يعني تركيا ديمقراطية.. فرص مهمة ومخاطر جدية
←  ترجمة وتحرير: عن وجود القوات الأمريكية وقوات التحالف الدولي في العراق
←  الرئيس مام جلال ونهجه الراسخ للحل السلمي للقضية الكردية في تركيا
←  من مام جلال إلى رشيد:​رئاسة كردية للقمة العربية ...رسائل ومعان
←  بغداد.. اربع ​قمم ومفارقات أربع
←  الصحافة الكردية وتصويب مسار الحكم و جدلية “السلطة الرابعة”
←  العدد (٨٠٠٠) شهادة المهنية والمصداقية في زمن التقلّبات
←  المرصد..بعد العقد الثالث.. الريادة ومواكبة المرحلة
←  مستقبل العلاقات العربية-الكردية في العراق: التحديات، المقومات، والمكاسب
←  ترجماتي..(التعددية القطبية)... تقرير ميونيخ للأمن 2025
123