مجلة"نيوزويك": ماذا يتضمن الاتفاق مع إيران؟
الترجمة والتحرير: محمد شيخ عثمان
بريندن كولي-مراسل أول للشؤون الإخبارية:أفادت تقارير بأن طهران وواشنطن توصلتا إلى اتفاق مبدئي يقضي بتمديد وقف إطلاق النار في الحرب الإيرانية لمدة 60 يوما، والشروع في جولة جديدة من المفاوضات بشأن البرنامج النووي للجمهورية الإسلامية.
ووفقا لما نقلته وكالة أسوشيتد برس ووسائل إعلام أخرى، فإن من بين القضايا التي ستناقش خلال فترة وقف إطلاق النار مصير مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب.
وقال نائب الرئيس الامريكي جي دي فانس يوم الخميس إن هناك جهودا جارية للتوصل إلى تفاهم بشأن الملف النووي ضمن الاتفاق المبدئي، على أن يتم توضيح التفاصيل الدقيقة في وقت لاحق.
ولم تؤكد إيران على الفور التوصل إلى أي اتفاق، كما أوضح فانس يوم الخميس أنه لا يزال من غير الواضح ما إذا كان الرئيس الامريكي دونالد ترامب سيوافق عليه.
ومع ذلك، وبعد أسابيع من الرسائل المتضاربة بشأن أولويات كل طرف في المسار الدبلوماسي، فإن إقرار الاتفاق ـ إذا تم ـ سيمثل أكبر خطوة نحو السلام منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير/شباط، عندما شنت إسرائيل والولايات المتحدة ضربات جوية مشتركة على الجمهورية الإسلامية.
وكانت مواقف الطرفين متباعدة بشكل حاد بشأن البرنامج النووي الإيراني، ومخزون طهران من اليورانيوم عالي التخصيب، وكذلك مسألة إعادة فتح مضيق هرمز. وبينما ظهرت بعض تفاصيل الاتفاق المحتمل، فإن كثيرا منها لا يبدو أنه يعالج المخاوف الأساسية التي دفعت الولايات المتحدة وإسرائيل إلى شن الحرب في فبراير/شباط.
وقال لين خودوروفوسكي، النائب السابق لمساعد وزير الخارجية الامريكي، لمجلة نيوزويك: "إن التداعيات السلبية لأي اتفاق سيئ ستكون كبيرة."
ما الذي نعرفه عن الاتفاق؟
تنص المذكرة، بحسب ما أوردته التقارير يوم الجمعة، على أن إيران لن تفرض رسوما أو إتاوات على الملاحة في مضيق هرمز، كما ستقوم بإزالة جميع الألغام البحرية، مقابل قيام الولايات المتحدة بتخفيف القيود المفروضة على الموانئ الإيرانية خلال الأسابيع الستة الماضية، وذلك وفقا لتقارير استندت إلى مسؤولين امريكيين لم تكشف هوياتهم.
كما تدعو المذكرة إلى إطلاق مناقشات في مرحلة ثانية تتناول مخزونات إيران من اليورانيوم عالي التخصيب والقضايا النووية الأوسع نطاقا. ومع ذلك، لا تزال مسائل حدود التخصيب، والجداول الزمنية، وآلية التعامل مع اليورانيوم دون حسم نهائي.
وذكرت صحيفة The Wall Street Journal أن تخفيف العقوبات المفروضة على إيران سيكون تدريجيا ومرتبطا بمدى التقدم في المفاوضات، مع السماح في مرحلة مبكرة بوصول محدود إلى جزء من الأصول الإيرانية المجمدة.
في المقابل، أكد ابراهيم عزيزي ، رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني، يوم الجمعة أن طهران لن تنقل مخزونها من اليورانيوم المخصب إلى أي دولة ثالثة، رافضا إحدى القضايا الرئيسية المطروحة في المحادثات مع واشنطن.
وقال عزيزي في تصريح لوكالة سبوتنيكإن الولايات المتحدة لم تكن جديرة بالثقة خلال المفاوضات، مضيفا أنه لن يكون هناك اتفاق ما لم تغيّر واشنطن سلوكها ونهجها التفاوضي.
من جانبه، قال ستيفن ميللر، نائب كبير موظفي البيت الأبيض، في مقابلة مع Fox News إن إيران تطرح على طاولة المفاوضات "إعادة فتح المضيق بشكل كامل"، إلى جانب "تنازلات أخرى عديدة سيتم الكشف عنها خلال الفترة المقبلة".
وأضاف: "كان الرئيس دونالد ترامب واضحا في أنه يحتفظ بخيار اتخاذ أي إجراء يراه ضروريا الآن أو في أي وقت مستقبلا للدفاع عن الأمن القومي الامريكي وحمايته."
وكانت تقارير سابقة قد أشارت إلى احتمال اعتماد نهج تدريجي في المفاوضات، يبدأ بمعالجة أكثر القضايا إلحاحا، وهي وقف الحرب وضمان حرية الملاحة الآمنة عبر مضيق هرمز، قبل الانتقال لاحقا إلى الملفات الأكثر تعقيدا من الناحيتين التقنية والسياسية، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني.
إعادة فتح مضيق هرمز
تتضمن التقارير المتعلقة بمسودات الاتفاق السابقة عناصر متكررة تشير إلى أن أي تفاهم محتمل سيشمل إعادة فتح مضيق هرمز واستعادة حركة الملاحة البحرية عبره.
ويعد مضيق هرمز ممرا مائيا دوليا استراتيجيا يمر عبره نحو خمس تجارة الطاقة العالمية. وقد تراجعت حركة الملاحة فيه بصورة حادة خلال الحرب، إذ انخفض عدد السفن العابرة من نحو 100 سفينة يوميا قبل اندلاع القتال إلى عدد محدود للغاية.
وكان الرئيس الامريكي دونالد ترامب قد صرح بأن أي اتفاق يتضمن إعادة فتح المضيق، لكنه لم يوضح ما إذا كان ذلك سيعني منح إيران سيادة أو صلاحيات خاصة عليه. وفي الوقت نفسه، طرح مسؤولون إيرانيون فكرة فرض رسوم عبور، وقدموا هذه الرسوم على أنها "أجور حماية" ضد أي هجمات محتملة.
وأعلنت طهران أنها قد تسمح بإعادة فتح المضيق أمام جزء من حركة الملاحة مقابل إنهاء الولايات المتحدة للحصار المفروض على الموانئ الإيرانية، والذي بدأ في 13 أبريل/نيسان عقب فشل المحادثات التي جرت في اسلام اباد. ومع ذلك، واصلت إيران التأكيد على أنها، بالتشارك مع عمان، تمارس السيطرة على مضيق هرمز باعتباره جزءا من المياه الإقليمية التابعة لهما.
وقال حميد رضا عزيزي ، الخبير في الشؤون الإيرانية لدى German Institute for International and Security Affairs، لمجلة نيوزويك: "لقد أصرت إيران باستمرار على الاعتراف بدورها المرتبط بالسيادة في المضيق، لكنها أظهرت في الآونة الأخيرة قدرا أكبر من المرونة بشأن مطلب فرض رسوم العبور."
كما أكدت طهران أنها لن تعيد فتح المضيق إلا أمام السفن المدنية ووفقا لما وصفته بـ"الترتيبات الإيرانية". وفي هذا السياق، شدد المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي على ضرورة توظيف المضيق لتحقيق مكاسب اقتصادية لإيران.
ويشكل هذا الموقف تناقضا مع الرؤية الامريكية لمبدأ حرية الملاحة، إذ ترى واشنطن أن المرور عبر الممرات المائية الدولية يجب أن يتم بحرية كاملة، ومن دون إخضاعه لـ"ترتيبات" أو شروط تفرضها دولة بعينها على السفن العابرة.
تخفيف العقوبات
تطالب إيران بالإفراج عن نحو 25 مليار دولار من أموالها المجمدة في المرحلة الأولى من تخفيف العقوبات، على أن يتم تحرير المزيد من الأصول المالية بشكل تدريجي في المراحل اللاحقة.
ووفقا للتقارير، قدمت الولايات المتحدة إلى طهران مقترحا يتضمن الإفراج عن 25% من الأصول الإيرانية المجمدة، أي ما يقارب 25 مليار دولار، مقابل السماح بنقل اليورانيوم المخصب إلى خارج البلاد والقبول بسقف تخصيب يبلغ 3.67%.
في المقابل، أفادت وسائل إعلام تابعة لـ (الحرس الثوري الإيراني) بأن طهران تطالب بالإفراج الفوري عن نصف الأموال المجمدة بمجرد توقيع الاتفاق، على أن يتم الإفراج عن النصف الثاني خلال 60 يوما.
لكن الخارجية الايرانية أوضحت أن إيران تنوي استخدام جزء من الأموال التي سيتم الإفراج عنها لإعادة بناء وتطوير برامجها للصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، وهو أمر تعتبره الولايات المتحدة غير مقبول.
وقال الخبير الإيراني حميد رضا عزيزي لمجلة نيوزويك: "تكمن العقدة الرئيسية في ما إذا كانت الولايات المتحدة مستعدة لرفع الحصار البحري في مرحلة مبكرة والإفراج عن جزء من الأصول الإيرانية المجمدة ضمن حزمة أولية من الإجراءات."
البرنامج النووي
لم تعلن إيران حتى الآن بشكل رسمي التزامها بالتخلص من مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب أو وقف عمليات تخصيب اليورانيوم، رغم تأكيدات إدارة الرئيس الامريكي دونالد ترامب بأن هذه القضايا جزء من التفاهمات المطروحة.
وكان مسؤولون إيرانيون قد أكدوا سابقا أن أي مطلب امريكي يقضي بالوصول إلى "صفر تخصيب" أو العودة إلى مستوى التخصيب البالغ 3.6% المنصوص عليه في (الاتفاق النووي المبرم عام 2015) يمثل "خطا أحمر" بالنسبة لطهران.
من جانبه، شدد ترامب على أن أي اتفاق جديد يجب أن يكون "كبيرا وذا مغزى"، مؤكدا رفضه لأي صيغة تشبه اتفاق عام 2015 الذي خفف العقوبات مقابل فرض قيود على البرنامج النووي الإيراني.
ويرى حميد رضا عزيزي أن التوصل إلى اتفاق إطار أو مذكرة تفاهم يبقى ممكنا رغم الخلافات القائمة، سواء فيما يتعلق بمضيق هرمز أو بالبرنامج النووي.وقال: "فيما يتعلق بالملف النووي، فإن التعقيد الفني لهذا الموضوع يفرض بطبيعته مفاوضات تفصيلية ودقيقة."
وأضاف: "أتوقع أن يتضمن اتفاق الإطار صيغة عامة تؤكد التزام إيران بعدم السعي إلى امتلاك أسلحة نووية، مع ترك التفاصيل التقنية وآليات التنفيذ للمفاوضات اللاحقة."
تحذيرات من الاتفاق المقترح
قال لين خودوروفوسكي، المستشار الأول لرئيس Krach Institute for Tech Diplomacy في Purdue University، إن السماح للنظام الإيراني - على حد تعبيره - بالبقاء رغم ضعفه وأزماته الاقتصادية، ومنحه فرصة لإحياء برنامجه النووي مستقبلا، حتى لو كان ذلك بعد مغادرة الرئيس دونالد ترامب للسلطة، ستكون له عواقب خطيرة.
وأضاف: "إن السماح لنظام ضعيف ومفلس بالبقاء، ثم إعادة بناء برنامجه النووي عند أول فرصة سانحة، سيطاردنا بلا شك في المستقبل."
وتابع قائلا: "سيكون التعامل لاحقا مع نظام أكثر ثراء وقوة أكثر صعوبة وأكثر كلفة."
ردود الفعل داخل الولايات المتحدة وإيران
أوضح الخبير الإيراني حميد رضا عزيزي أن هناك تيارات متشددة في كل من إيران والولايات المتحدة تعارض أي اتفاق لا يحقق الحد الأقصى من مطالبها وأولوياتها.وقال: "أعتقد أن هذا القيد السياسي أقوى حاليا في الولايات المتحدة منه في إيران."
وحتى 26 مايو/أيار، لم تكن طهران وواشنطن قد نجحتا في تجاوز الخلافات المتعلقة بجميع الملفات الرئيسية.
وأكد مسؤولون إيرانيون أنهم لن يقبلوا بمناقشة برنامجهم النووي على أساس التخلي عن التخصيب، مطالبين الولايات المتحدة بالاعتراف بحق إيران في تخصيب اليورانيوم داخل أراضيها.
في المقابل، شدد الوسطاء والمسؤولون الامريكيون على أن أي تخفيف اقتصادي أو رفع للعقوبات لن يتم من دون التزامات إيرانية جدية بشأن البرنامج النووي، وهو ما وصفه Institute for the Study of War بأنه "عقبة رئيسية" تعرقل التوصل إلى اتفاق شامل.
اتفاقات أبراهام وتعقيدات إضافية
قد يواجه الاتفاق المحتمل مع إيران عقبة إضافية تتمثل في ربطه بمشروع دبلوماسي أوسع يسعى إليه ترامب لتوسيع نطاق اتفاقات ابراهام، وهي الاتفاقات التي أبرمت عام 2020 لتطبيع العلاقات بين إسرائيل وعدد من الدول العربية.
وكان ترامب قد كتب عبر منصة Truth Social أن المفاوضات مع إيران "تسير بشكل جيد"، لكنه ربط أي اتفاق نهائي بتوسيع دائرة الدول المنضمة إلى اتفاقات أبراهام.
وقال ترامب يوم الاثنين إنه طلب من:السعودية العربية ،قطر،باكستان،تركيا،مصر،الاردن الانضمام إلى اتفاقات أبراهام وتطبيع العلاقات مع إسرائيل في إطار مساعيه لإنهاء الحرب مع إيران.
إلا أن باكستان رفضت المقترح، بينما لم تصدر الدول الأخرى أي ردود رسمية واضحة على هذا الطلب.
تقييم الخبراء
قال بنيامين فريدمان ، مدير السياسات في مركز Defense Priorities البحثي: "إن مطالبة ترامب بانضمام مزيد من الدول إلى اتفاقات أبراهام كجزء من الاتفاق مع إيران أمر غير واقعي تماما."
وأضاف: "آمل أن يكون ذلك مجرد إشارة رمزية لطمأنة الإسرائيليين قبل فرض قيود عليهم في لبنان، لكن من المرجح أنه مجرد حديث سياسي لا أكثر."
ويرى فريدمان أن التوصل إلى وقف إطلاق نار بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة فتح مضيق هرمز، وتأجيل الملفات النووية الأكثر تعقيدا إلى مراحل لاحقة، قد يكون أفضل نتيجة ممكنة في الظروف الحالية.
وختم بالقول: "ينبغي لإدارة ترامب إتمام هذا الاتفاق، لأنه في جوهره قريب مما كانت إيران تعرضه منذ أسابيع وفقا للتقارير المتداولة."
الخلاصة
تكشف هذه التسريبات أن الاتفاق المقترح لا يركز فقط على وقف الحرب أو الملف النووي، بل يتداخل مع قضايا أوسع تشمل الملاحة الدولية في مضيق هرمز، والعقوبات الاقتصادية، ومستقبل التوازنات الإقليمية، وحتى مشروع توسيع اتفاقات أبراهام. لذلك فإن نجاحه أو فشله لن يحدد فقط شكل العلاقة الامريكية الإيرانية، بل قد يؤثر في مجمل المشهد السياسي والأمني في الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة.
|