دلفي في قلب السليمانية..العالم يناقش مستقبله
بكل اعتزاز وترحيب، تستقبل السليمانية ضيوف منتدى دلفي الاقتصادي الدولي، المدينة التي راكمت إرثا سياسيا وثقافيا واقتصاديا جعلها واحدة من أبرز حواضن الحوار والانفتاح والتنوع في كردستان والعراق.
في الأزمنة العادية تقاس أهمية المدن بحجمها السكاني أو مكانتها الاقتصادية أو موقعها الجغرافي، أما في الأزمنة الاستثنائية فتقاس بقدرتها على أن تتحول إلى مراكز لإنتاج الأفكار وصناعة الحوارات التي ترسم ملامح المستقبل ومن هذا المنطلق يكتسب انعقاد منتدى دلفي الاقتصادي الدولي في السليمانية أهمية تتجاوز حدود مؤتمر اقتصادي أو فعالية دبلوماسية عابرة، ليصبح مؤشرا على تحولات أعمق تتعلق بموقع إقليم كردستان والعراق في عالم يعاد تشكيله سياسيا واقتصاديا واستراتيجيا،وفي مثل هذه اللحظات التاريخية تبرز أهمية المنتديات الدولية الكبرى بوصفها منصات للحوار والتفكير الاستراتيجي وصياغة الرؤى.
ومن بين هذه المنصات يحتل منتدى دلفي الاقتصادي مكانة متقدمة بوصفه واحدا من أبرز الملتقيات الدولية التي تجمع القادة السياسيين والخبراء الاقتصاديين والأكاديميين ورجال الأعمال وصناع القرار من مختلف أنحاء العالم ولذلك فإن انتقال هذا المنتدى من فضائه الأوروبي إلى السليمانية للعام الثاني على التوالي لا يمثل مجرد توسع جغرافي لنشاطه، بل يعكس إدراكا متزايدا للدور الذي يمكن أن تؤديه كردستان والعراق في النقاشات المتعلقة بمستقبل المنطقة والعالم.
وتنعكس أهمية المنتدى بوضوح في طبيعة القضايا التي يناقشها، فالعالم يعيش مرحلة انتقالية تشهد تراجع كثير من المسلمات التي حكمت العلاقات الدولية خلال العقود الماضية. وتتزايد المنافسة بين الولايات المتحدة والصين، وتتغير أدوار القوى الأوروبية، فيما تعيد الحروب والأزمات رسم خرائط النفوذ والطاقة والتجارة ولهذا يركز المنتدى على مناقشة الجيوبوليتيك العالمي ومستقبل النظام الدولي، والعلاقات بين الغرب والشرق الأوسط، وأدوار القوى الكبرى في إدارة الأزمات.
إن هذه الملفات ليست بعيدة عن العراق وكردستان، بل ترتبط مباشرة بمستقبلهما، لأن المنطقة تقع في قلب التنافسات الدولية المتعلقة بالطاقة والممرات التجارية والأمن الإقليمي.
ومن هنا فإن مشاركة العراق وإقليم كردستان في هذه الحوارات تمنحهما فرصة لفهم التحولات العالمية والتفاعل معها بصورة أكثر فاعلية.
وفي الوقت نفسه فان الشرق الأوسط لطالما ارتبط في الخطاب الدولي بالحروب والأزمات والصراعات غير أن إحدى الرسائل الأساسية لمنتدى دلفي تتمثل في تجاوز هذا التصور التقليدي، والنظر إلى المنطقة باعتبارها فضاء للتعاون والشراكات الاقتصادية والاستثمارية أيضا.ولهذا يناقش المنتدى قضايا الأمن الخليجي، والعلاقات الإقليمية، ومستقبل الشراكات بين الشرق الأوسط وأوروبا، وآفاق الاستقرار الإقليمي،
وفي هذا السياق تتحول السليمانية إلى نقطة التقاء بين رؤى مختلفة حول مستقبل المنطقة، بما يعزز دورها كجسر للتواصل بين الشرق والغرب.
لماذا السليمانية؟
وهنا ربما يكون السؤال الأهم الذي يفرض نفسه هو: لماذا اختارت مؤسسة دلفي السليمانية تحديدا؟
الإجابة لا تكمن في الجغرافيا وحدها، بل في ما تمثله السليمانية من رمزية ثقافية وسياسية ومدنية داخل العراق وكردستان والمنطقة، فالسليمانية ليست مدينة عادية في التاريخ الكردستاني والعراقي فهي مدينة ارتبط اسمها بالثقافة والفكر والأدب والصحافة والجامعة والحياة المدنية. وكانت على الدوام مركزا للحوار والانفتاح والتعددية الفكرية.
لكن السنوات الأخيرة شهدت تحولا إضافيا في دور المدينة فإلى جانب مكانتها الثقافية التقليدية بدأت السليمانية تطرح نفسها مركزا للحوار الاقتصادي والسياسي والدبلوماسي واخرها استضافة مؤتمر التحالف الديمقراطي الاجتماعي في السليمانية في اب 2025.
ومن هنا تأتي أهمية استضافة منتدى دلفي، لأنها تمثل انتقالا من دور المدينة كمركز ثقافي إلى دورها كمنصة إقليمية ودولية للحوار وصناعة الأفكار.
كما أن اختيار السليمانية يعكس ثقة دولية متزايدة باستقرار الإقليم وقدرته على استضافة فعاليات دولية رفيعة المستوى، في منطقة غالبا ما ترتبط في الإعلام العالمي بصور الصراعات والأزمات.
واثبتت الحقائق ان تأثير المنتديات الدولية الكبرى لا يقتصر على أيام انعقادها فقط، بل يمتد إلى إعادة تعريف صورة المدن التي تستضيفها،فعندما تستضيف السليمانية منتدى يجمع وزراء وسفراء وخبراء دوليين ومؤسسات اقتصادية عالمية، فإنها لا تستضيف حدثا فحسب، بل تبني لنفسها موقعا جديدا على خارطة العلاقات الدولية وولم تكتسب المدن الكبرى في العالم مكانتها من الاقتصاد وحده، بل من قدرتها على أن تكون نقاط التقاء للأفكار والمصالح والحوارات والسليمانية تسير اليوم في هذا الاتجاه من خلال استضافة فعاليات دولية تجعلها جزءا من شبكة المدن المؤثرة في صناعة النقاشات المتعلقة بالمستقبل.
وعلى المدى البعيد يمكن لهذه الفعاليات أن تسهم في تحويل السليمانية إلى مركز إقليمي للحوار الاقتصادي والاستراتيجي، على غرار مدن استطاعت بناء مكانتها الدولية عبر استضافة المنتديات والمؤتمرات الكبرى.
قوباد طالباني ورؤية الانفتاح الدولي
من الصعب الحديث عن منتدى دلفي في السليمانية دون التوقف عند الدور المحوري الذي لعبه قوباد طالباني في استقطاب المنتدى إلى الإقليم،فالرؤية التي طرحها خلال مشاركاته المتكررة في منتدى دلفي باليونان تقوم على فكرة جوهرية مفادها أن مستقبل كردستان والعراق لا يصنع بالعزلة، بل بالانفتاح على العالم وهو لم يكتف بالمشاركة في منتديات دلفي السابقة، بل عمل على تحويل فكرة استضافة المنتدى في السليمانية إلى واقع ملموس فالرعاية المباشرة التي وفرها لهذا الحدث تعكس رؤية سياسية واقتصادية تسعى إلى تعزيز حضور إقليم كردستان في المحافل الدولية وربط الإقليم بشبكات الحوار والاستثمار العالمية وتنبع أهمية دوره في هذا السياق من كونه أحد أبرز الوجوه السياسية المرتبطة بملفات الإصلاح الاقتصادي والتنويع الاقتصادي وجذب الاستثمار وتطوير القطاع الخاص، كما أن حضوره المستمر في المنتديات الدولية وعلاقاته الواسعة مع المؤسسات الاقتصادية والدبلوماسية العالمية منحاه موقعا مؤثرا في بناء جسور التواصل بين إقليم كردستان والعالم.
انطلاقا من هذه الحقائق، جاء دعم استضافة المنتدى في السليمانية باعتباره جزءا من مشروع أوسع يهدف إلى ربط الإقليم بشبكات الاقتصاد والاستثمار والحوار الدولي وإن القيمة الحقيقية لمنتدى دلفي لا تكمن فقط في الجلسات التي تعقد أو الكلمات التي تلقى، بل في الرسائل التي يبعثها إلى العالم وان انعقاد المنتدى يؤكد أن السليمانية لم تعد مجرد مدينة تراقب التحولات الدولية من بعيد، بل أصبحت جزءا من النقاشات التي تحاول فهم هذه التحولات وصياغة بعض اتجاهاتها، كما يؤكد أن كردستان والعراق يمتلكان من الإمكانات والاستقرار والانفتاح ما يؤهلهما للمشاركة في الحوارات المتعلقة بمستقبل المنطقة والعالم.
إن القيمة الحقيقية لمنتدى دلفي لا تكمن في الجلسات والكلمات فقط، بل في الرسائل التي يبعثها إلى العالم. فهو يؤكد أن السليمانية لم تعد تراقب التحولات الدولية من بعيد، بل أصبحت جزءا من النقاشات التي تسعى إلى فهم هذه التحولات والمساهمة في صياغة اتجاهاتها.
وهكذا فإن دلفي في قلب السليمانية ليس مجرد حدث دولي، بل تعبير عن رؤية لمستقبل تكون فيه السليمانية مركزا للحوار، وكردستان شريكا في التنمية والاستقرار، والعراق لاعبا فاعلا في صناعة الفرص،والرسالة الأعمق للمنتدى تتمثل في وضع السليمانية وإقليم كردستان والعراق على خارطة صناعة القرار الاقتصادي والسياسي الدولي، وتحويلها من أطراف تتأثر بالتحولات إلى أطراف تشارك في مناقشتها وصياغة بعض مساراتها.
|