جريمة فردية وليست فتنة
في المجتمعات الحية، لا تُقاس قوة الدولة فقط بقدرتها على معاقبة المجرمين، بل بقدرتها أيضا على منع استغلال الجرائم الفردية في شحن النفوس وإشعال الفتن.
حادثة مقتل ثلاثة أشخاص في محطة وقود بأربيل، على يد أحد العاملين هناك، هي بلا شك مأساة موجعة، لكنها تبقى في جوهرها جريمة جنائية ناتجة عن انفعال أعمى، وليست فعلا منظما ولا استهدافا على أساس قومي أو عرقي.
الذين يحاولون تصوير ما جرى كاعتداء كردي على العرب يتجاهلون أن أحد الضحايا كان عاملا كرديا بسيطا، قُتل وهو ينتظر سيارة أجرة ليعود إلى منزله بعد يوم عمل مرهق اضافة الى دعوة ذوي القاتل واغلبية جماهير شعب كردستان لتنفيذ حكم الاعدام بحقه ، وهذه الحقائق تكفي لإسقاط الرواية المسمومة التي يسعى البعض لتسويقها.
ما يجب أن ننشغل به الآن ليس البحث عن شماعات قومية، بل البحث عن آليات تمنع تكرار هذه المآسي مثل قوانين تضمن حق الزبون في الخدمة والاحترام، وبرامج تدريب إلزامية للعاملين في محطات الوقود والمتاجر والمحلات والشركات على التعامل المهني وضبط الانفعالات، ورقابة إدارية لا تسمح بتساهل أو استهتار في أماكن العمل.
أما الإعلام، فعليه مسؤولية أخلاقية مضاعفة: أن يتعامل مع الحادثة كجريمة فردية، وأن يغلق الباب أمام كل خطاب تحريضي يسعى إلى تسميم العلاقة بين مكونات الشعب العراقي، فالدم العراقي واحد، ولا يحق لأحد أن يضعه في ميزان الانتماء القومي أو الديني.
إن التحدي اليوم ليس فقط في محاكمة الجاني، بل في محاكمة الخطاب الذي يحاول تحويل مأساة إنسانية إلى وقود للانقسام، الحوادث العرضية تمر، لكن الفتنة إن اشتعلت، لا تُطفأ بسهولة.
الرحمة والغفران للضحايا والصبروالسلوان لذويهم وليحفظ القدير بلادنا من سموم الفتن والانقسام.
رئيس التحرير
|